عرض/عبد الله علي إبراهيم
هذا كتاب شهم تسطع فيه مروءة إسلامية وعربية وأميركية وثقافية غراء، فهو عن تنبه مؤلفته رانيا طبري إدلبي الأميركية من أصول فلسطينية إلى هويتها الإسلامية الكامنة وسط حيثيات الإسلاموفوبيا التي اكتنفت المسلمين في ما بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001.

جاءت يقظة إدلبي لإسلامها، الذي أخذته بالسليقة في ما قبل واقعة 9-11، من تبعتها كأم تنشئ طفلين، تيمور وليا، أميركيين مسلمين. فالتنشئة أصلا عسيرة كما تقول ناهيك عن تنشئة طفل مسلم في محيط أميركي يصطدم فيه، من حيث لا يحتسب، بسردية تعتقد في استحالة صهر المسلمين في بوتقة مجتمع الأميركيين.

وكان على إدلبي الأوبة إلى إسلامها بوعي لتأخذ بيد أطفالها في شعاب هذه السردية القاسية. وأول ما تذكر من شعوائها أن جاء تيمور كسيرا قائلا "لماذا يعتنق إنسان الإسلام طوعا؟" حين بلغ مسامعه أن الملاكم محمد على (كلاي) قد تحول إلى الإسلام مختارا. أو حين تتأذى ابنتها، ليا، من إعلان على حافلة للمدينة يقول "متى تركت الإسلام جزت الفتوى رأسك" بثته جمعية معروفة بـ"أوقفوا أسلمة أميركا" تروج أن الإسلام وأميركا لا يجتمعان.

-العنوان: البراقع والبيسبول وفطيرة التفاح.. كونك مسلما في أميركا
-المؤلف: رانيا طبري أدلبي
-الناشر: بلقريف مكميلان: نيويورك
-عدد الصفحات: 239
-الطبعة: الأولى، 2014

بل نجد أن المدرسة نفسها، بإملاء ربما غير ديني بل ثقافي عام، بؤرة لهذه السردية الأميركية. فتلاميذ المرحلة المتوسطة يعيدون تمثيل واقعة من الحرب الصليبية من قرون أوروبا الوسطى. وفي مشهد منها يتبارز ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين الأيوبي. وفي ختامها يغلب ريتشارد صلاح الدين ويصفق التلاميذ. ولكنهم راعو مشاعر تيمور هذه المرة وكفوا عن التصفيق.

وحين لا يكون حرج أبنائها من ويلات الإسلاموفوبيا سيكون من مجرد عادات المحيط وتقويمه. فهذه تلاحق الطفل المسلم وتعتزله حتى قال تيمور لأمه "لماذا لم أكن مثل أي أحد آخر؟" فحز في نفسه أنه مجرد متفرج نكد على موسم أعياد ميلاد المسيح واقتصاد مسراتها للأطفال، بما في ذلك زيارة سانتا كلوس محملا بالهدايا أو هدايا أرنبة أعياد شم النسيم من البيض الملون للأطفال.

فإدلبي نفسها شعرت بالوحشة عن نظم أميركا الثقافية، فاعترفت إدلبي بأنها عانت من حسد للكنيسة والمعبد اليهودي لأنهما أكثر من موضع للتعبد وحسب، فهما فضاء لأهل ملتهما يرتادونهما لأنواع الرياضة والسمر وللقيام بتبعات التطوع لخدمة مجتمعهم في الغوث. ولذا لم تتأخر عن الاستجابة لدعوة الإمام فيصل عبد الرؤوف صاحب فكرة المسجد متعدد الوظائف، فقد وجدت فيه شفاء من حسدها لقيام مسجد على غرار سائر مواضع التعبد الأميركية.

ليس الترويع بالإسلام عقيدة عامية للجاهلين، فهي مما أذاعه صمويل هنتنغتون في مقاله المعروف "صراع الحضارات" (1993) الذي قال بنهاية صراع الأيديولوجيا (رأسمالي ضد اشتراكي) وبداية صراع الحضارات-الأديان، فميز قيم الغرب السمحاء بالديمقراطية على قيم الإسلام الطغيانية. وهذا القول الفصل في الإسلام وغيره ليس مقارنة مجردة لإدلبي الأم لطفلين أميركيين مسلمين ترغب في تنشئتهما على حسن إسلامهما وحسن أميركيتهما، فمتى كان مثل قول هنتنغتون حقا لم تعرف إدلبي من أين تبدأ ولأية غاية.

والكتاب موفق يأتينا في ملابسات، صار تطوع شباب الأميركيين والأوربيين المسلمين للحرب في صفوف المنظمات الإسلامية الموصوفة بـ"الإرهابية" هاجسا سياسيا غربيا مؤرقا. فتذيع وزارة الخارجية الأميركية منذ حين إعلانا على التلفزيون عن عنف داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) ووحشيتها ترياقا مضادا لإغرائها لهم لكي يجتنبوها. وناقشت الوسائط نجاعة مثل هذا الأسلوب في تجفيف مصادر داعش وغيرها من الجيل المسلم الغربي الغاضب.

جاءت يقظة إدلبي لإسلامها، الذي أخذته بالسليقة في ما قبل واقعة 11 سبتمبر، من تبعتها كأم تنشيء طفلين، تيمور وليا، أميركيين مسلمين. فالتنشئة أصلا عسيرة كما تقول ناهيك عن تنشئة طفل مسلم في محيط أميركي

وتعرف إدلبي من منصة الأم وتجربتها في تنشئة بعض هذا الجيل أن نصوص داعش المقدسة لا دخل له بتطرف الجيل، فتطرفهم مركوز في غربتهم عن محيطهم، فمتى تواطأ هذا المحيط على اعتزالهم، صاروا عرضة لدعاة التشدد.

عالجت إدلبي في فصولها الرشيقة وفي إنجليزية سائغة معظم ما تثيره الإسلاموفوبيا من "شبهات حول الإسلام" في قول لمحمد قطب. واتفق لها خلال منازلة هذه الضغائن على الإسلام كمربية، اطلعت على فقه الدين بنفسها أو بالواسطة، إستراتيجية تربوية، متى ذاعت، صارعت السردية الأميركية الناشبة في المجتمع. وعناصر هذه الإستراتيجية كما يأتي:

1- ألا تتزحزح الأسرة قيد شعرة عن عقيدتها في أن بوسع أطفالها أن يكونوا أميركيين ومسلمين بلا غضاضة. وجاءت إدلبي بواقعة سجود اللاعب الصومالي محمد فرح لله مشتملا بالعلم الإنجليزي بعد إحرازه إصابة مدوية لفريقه الإنجليزي. فقالت إدلبي تعلق لابنها على المشهد إن محمد فرح لم يكن في ذلك المشهد بريطانيا فحسب أو مسلما فحسب بل كان بريطانيا ومسلما وفخورا بذلك جميعا.

2- الثقة في أن السردية الموسوسة من الإسلام سبق لها الوسوسة من كل أقلية أميركية، بما في ذلك مسيحيون حنيفيون مثل طائفة الكاثوليك ناهيك عن اليهود. وباءت بالبوار.

3- أن يقف ذلك كله على أرضية إسلام للقرن الحادي والعشرين، إسلام أميركي. وهذا أمر لا مندوحة منه. فالسردية الأميركية التي تحاصر الأسرة المسلمة تتغذى بالإسلام السلفي الذي يقتصر في تعريف نفسه على نقض الغرب بالعودة المستحيلة إلى القرن السابع الميلادي. فتجد إدلبي تطرب لمثل الشيخ عبد الكريم سروش الذي يستدعي في اجتهاداته أقباسا من العقلانيين المسلمين مثل المعتزلة.

ولكن أهم عناصر هذه الإستراتيجية لتربية إسلامية أميركية أن تحرص الأسرة على أن تملك أبناءها صوتهم المستقل للتعاطي مع حزازات هذه السردية وشكمها بالحكمة والجدل الحسن.

ولا يقوم تمليك الصوت إلا على ثقافة مقارنة للإسلام والديانات الإبراهيمية الأخرى وثقافة الغرب بعامة للرد على الشبهات عن الإسلام بذكاء مفحم. ومن ذلك تدريبهم على رباطة الجأش في التصدي لمن يأخذون النص القرآني الإسلامي منقطعا عن السياق. فقول المفترين مثلا "التقية" هي حيلة شرعية للمسلم يتمسكن فيتمكن مردودة. ففيه طعن كبير في مواطنة الأميركي المسلم، فكأنه يتربص حتى يحين حينه فيملك أميركا، فيشرع لها بالشريعة، ويرفع علم الإسلام على سارية البيت الأبيض.

فمتى جاء مفتر على الإسلام بنص تأديب الزوجات ناجزناه بعلم عن دينه ومجتمعه، فنبين مثلا فشوه في الديانات الإبراهيمية كما هو في الإسلام. ونعرج على عادة مجتمعه ليومنا هذا.

فحتى حين فقدت المسيحية واليهودية سلطانها في التشريع لهذا التأديب لم ينقطع التأديب في مجتمعاتهما، لأن الأبوية أخذت بناصيته. فالعنف المنزلي ضد النساء وراء نسبة 22% من حالات الطلاق في الولايات المتحدة وهو السبب المقدم في الأذى الواقع على النساء بما يفوق أذى حوادث السيارات، والتهجم للسرقة، والسرطان معا. كما يتسبب في فقدان مائة ألف يوم عمل تقضيه النساء في المستشفيات للعلاج منه. فقانون الأب، في قول فرويد نافذ، حتى إن الراهبات الكاثوليك فرغن منذ حين من تنظيم أنفسهن لينلن حقوقا اقتصرت على الرهبان الذكور زمنا.

وليس التطرف قاصرا على الإسلام. فأزعج تيمور قول زملائه "ليس كل مسلم إرهابي ولكن كل إرهابي مسلم". وهذا قريب من نفي النفي إثبات.

ترى المؤلف أن السردية الأميركية التي تحاصر الأسرة المسلمة تتغذى بالإسلام السلفي الذي يقتصر في تعريف نفسه على نقض الغرب بالعودة المستحيلة إلى القرن السابع الميلادي
ووجدت إدلبي نفسها تقول إن كل الديانات ارتكبت التطرف متى استثمرها دعاة ذلك السبيل. وما اتسام بعض تطبيقات الإسلام بالعنف في زمننا إلا نتيجة لتاريخ استعماري غربي وما بعده اشتمل على استعمار استيطاني إسرائيلي وحكام مستبدين كان الغرب وصيهم. والأمثلة على ذلك بالطبع لا تحتاج إلى بيان.

ومتى أثيرت مسألة الحجاب استعنا بنظرات متقدمة في علوم "الأنثوية".. فضبط لبس النساء ليس قاصرا على الإسلام، لأن الأبوية سائرها تقف شرطيا عند ما تلبسه المرأة وما لا تلبسه. فالأرثوذكس اليهود لهم قواعد مرعية في اللباس المحتشم. فالتاجر، مثلا، الذي لا يرعى أهل بيته هذه القواعد، يتعرض لمقاطعة الزبائن له.

أما من أهم ما اتفق لإدلبي في هذه الإستراتيجية لتوطين الإسلام أميركيا ففي مراجعتها للمدراس الحداثية الأنثوية وشططها في التعامي عن الإسلام وإمكاناته كموارد دانية لتحرير المرأة.

فمتى أصرت هذه الأنثوية على أن تحرير المرأة المسلمة مما يقع بالضرورة بناشطية خارج نطاق الإسلام ارتددنا إلى الأنثوية الإمبريالية التي أرادت نزع النساء من الإسلام قبل إنقاذهن مما يتعرضن له من شقاء, هي أنثوية مشروعيتها في المهمة الاستعمارية لتمدين البدائيين والبرابرة. وهذا ما لا ترضاه نساء كثيرات شديدات العزة بإسلامهن ويرغبن في استثماره ليوافي أشواقهن للعدل والحرية.

ربما كان المأخذ القوي على الكتاب هو تشوشه في التعاطي مع الإسلام السلفي. فمرة يراه محض تقليد لأنماط اجتماعية وسلوكية وحقوقية مثالية إسلامية من القرن السابع الميلادي. فهو بهذه الصفة ليس لاتاريخيا كما يقال، بل مناقضا للتاريخ.

ثم تراه إدلبي مرة أخرى تعبيرا عن تأذي المسلمين من الحداثة المستفحلة في دار المسلمين، وثمرة لصراع ضد الاستعمار والعرقية الأوروبية.

كما أنه أيضا في قول المؤلفة ردة فعل لفراعين استأثروا بالدين لخدمة مآربهم السياسية والدنيوية، ولا ترى له من خطأ سوى أنه سمح للصراعات المعاصرة في الاجتماع والسياسة والثقافة لتملي عليه قيمه لا أن يأتي إلى هذه الصراعات بتوكل الإسلام وعزائمه. وقولها هذا برهان منقطع النظير على تاريخية الإسلام السلفي الذي تصفه مرات باللاتاريخي أو السابح عكس تيار التاريخ.

هذا كتاب مبتكر لكل أسرة مسلمة أميركية مسهدة بتنشئة أطفال أميركيين مسلمين معافين بررة بكليهما.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك