عرض/إدريس لكريني

ينطوي الكتاب على أهمية كبرى بالنظر للإشكالات المعرفية التي يطرحها، في علاقتها بمراجعات التيارات الإسلامية المختلفة وسياقاتها وتبايناتها على طريق نبذ العنف كوسيلة لتغيير المجتمع، وولوج الحياة السياسية والتعاطي مع قضايا العصر وإشكالات السياسات العمومية.

وبالنظر أيضا للظرفية الانتقالية التي تمر منها المنطقة العربية، في ظل تحولات الحراك العربي بتعقيداتها وتحدياتها، وما يفرضه ذلك من انخراط الباحث والمثقف وانفتاحه على محيطه باتجاه رصد ومواكبة هذه التحولات وتأطيرها تحليليا واستشراف مآلاتها وسيناريوهاتها.

- العنوان: مراجعات الإسلاميين.. دراسة في تحولات النسق السياسي والمعرفي
- المؤلف: بلال التليدي
- عدد الصفحات: 414
- الناشر: مركز نماء للبحوث والدراسات
- الطبعة: الأولى، 2013

ويشكل الكتاب إغناء للمكتبة المغربية والعربية، ذلك أنه يرصد موضوعا متشعبا لم ينل ما يلزم من الاهتمام الفكري والأكاديمي، حيث إن المقاربات التي تناولته تحيل إلى الأسئلة أكثر مما تجيب عنه في هذا الشأن، فالكتاب يقدم خلاصات علمية مفيدة للباحثين وللتيارات الإسلامية ولصانعي القرار أيضا.

وللكتاب أهمية أخرى، بالنظر إلى التكوين الأكاديمي لمؤلفه باعتباره أولا خريجا من دار الحديث الحسنية ودرس الفكر الإسلامي بجامعة محمد الخامس وبالنظر لمراكمته لمجموعة من الأبحاث والكتب والدراسات في شأن التيارات الإسلامية، وباعتبار انفتاحه على المناهج التي توفرها العلوم الاجتماعية وبخاصة نظريات السياسة المقارنة.

على مستوى الشكل، يلاحظ أن الكتاب صيغ بأسلوب مبسط وبلغة واضحة ودقيقة، حيث اعتمد الباحث على تقسيم ثلاثي، يبدأ بوضع السياق العام والمفاهيمي للمراجعات مع توصيفها ضمن ثلاث مستويات:

- المراجعة في اتجاه القطيعة مع الخيارات العنفية.
- المراجعة في اتجاه الاندماج السياسي والمشاركة في العملية السياسية.
- تحولات ما بعد المشاركة السياسية.

ثم يتنقل بعد ذلك إلى رصد مراجعات الإسلاميين في مستوياتها الثلاثة ضمن نسق نظري يجمع بين دراسة خطاطاتهم السياسية وبين دراسة الأسس التي تقوم عليها خطاطاتهم المعرفية، ليتفرغ في القسم الثالث، لمناقشة عملية المراجعات والسيروات التي تقطعها.

ويقدم النموذج التفسيري المؤطر لهذه المراجعات مع التقديم لهذا القسم بتقييم ونقد النظريات والمقاربات التي تعاطت مع ظاهرة المرجعات، واقتراح بعض المقتضيات المنهجية التي استفادها من العديد من النظريات في بناء النموذج التفسيري المقترح.
 
استحضر المؤلف عددا من المناهج في كتابه، فاستثمر المنهج التاريخي في رصد الظاهرة وتطوراتها، ثم المنهج المقارن لـ"ماكس فيبر" في إعمال المقارنات، علاوة على المنهج التحليلي في بلورة الخلاصات
وقد انفتح الكاتب على مراجع طبعها التنوع من كتب ومؤلفات منظري التيارات الإسلامية، وعدد من الوثائق والدراسات والمقالات والمواقع الإلكترونية، علاوة على الاعتماد على مراجع أجنبية ذات أهمية فكرية وازنة.

وكأي دراسة علمية معمقة، نجد أن المؤلف قد استحضر عددا من المناهج في تناوله للموضوع، فاستثمر المنهج التاريخي في رصد الظاهرة وتطوراتها، ثم المنهج المقارن لـ"ماكس فيبر" في إعمال المقارنات، علاوة على اعتماد المنهج التحليلي الذي سمح ببلورة مجموعة من الخلاصات والنماذج التفسيرية للمراجعات.

ولم يتوقف الباحث عند هذا الحد، بل مزج في مؤلفه بين حقل الدراسات السياسية والتحليل الإبستمولوجي بين مستويات من نظم وأنساق المعرفة السياسية للحركات تبعا للحالة التي تمثلها.

ونجح المؤلّف أيضا في الانتقال من الوصف إلى بناء التقاطعات وتناول عدد من الإشكالات، وبدا جلّيا أن الباحث توخى قدرا من الحذر العلمي من حيث تجاوز التعميم ورصد النماذج المختلفة، وهو ما يعكس إقراره بصعوبة رصد جميع المراجعات الفكرية والسياسية والاجتهادات المرتبطة بها، واستحضاره لمختلف الإسهامات الفكرية التي تناولت الموضوع.

وعلى المستوى الموضوعي، ينطلق الباحث من تقييم عام لمختلف الإسهامات التي تناولت موضوع المراجعات، حيث يشير لأهميتها ولتنوعها، لكنه في نفس الوقت يؤكد على أن هذه الأخيرة، أغفلت البعد المعرفي، ولم تبلور بذلك "نموذجا تفسيريا يجمع بين جميع الأبعاد الحاضرة في هذه المراجعات الفكرية والسياسية".

ولذلك يؤكد الباحث في مستهل كتابه أن دراسته: "تأتي لتدخل مراجعات الإسلاميين وتحولاتهم الفكرية إلى مشرحة التحليل والتعاطي مع أبعاد الظاهرة في تواترها وديناميتها وأنماط علاقاتها التفعالية.

هذا مع تقديم نموذج تفسيري يجمع أجزاء الظاهرة بصورة تتجاوز بعض نواقص المقاربات السابقة" فهل نجح الباحث بالفعل في بلورة نموذج تفسيري للظاهرة؟

انطلق الباحث في الفصل الأول من الكتاب بتحديد مفهوم المراجعات حيث ربطه بالنقد الذاتي ومحاولة تصحيح مفاهيم مغلوطة، ورصد وضعية هذه المراجعات ضمن ثلاثة مستويات: أولها الانتقال من العمل الجهادي العسكري إلى الخيار السلمي، وثانيها الانتقال من العمل الثوري إلى المشاركة السياسية، وثالثها مراجعات ما بعد المشاركة السياسية، مستحضرا في ذلك تجارب التيارات الإسلامية في تونس والسودان والمغرب.

وفي الفصل الثاني حاول الباحث الكشف عن عناصر البناء الفكري والسياسي الذي طرحته مختلف التيارات الإسلامية للمراجعة، مستحضرا في ذلك ثلاثة نماذج، أولها الجماعات الجهادية والنموذج القطبي المودودي، ثم النموذج الإخواني.

أما الفصل الثالث، فأشار فيه الباحث إلى بعض المقاربات التي حاولت تفسير المراجعات، حيث ذكر أن عددا من الدراسات ربطت المراجعات بكونها لا تعدو تكتيكات سياسية، فيما ربطها آخرون بمحددات جغرافية أو باعتبارها مدخلا للاندماج في العملية السياسية بصورة متدرجة.

علاوة على مقاربات أخرى تستند في تفسيراتها للظاهرة على مدخل الخطاب الفكري للتنظيم، أو مدخل الديمقراطية الداخلية أو مدخل الحرية والليبرالية أو مدخل التثاقف والاستفادة من تجارب أخرى.

توقع الباحث أن تعرف الحركات الإسلامية في المدى القصير والمتوسط توترات داخلية ناتجة عن القدرة على تدبير الدعوي والسياسي وما يرتبط بها من تعايش الأجيال وتيسير ارتقائها التنظيمي
ومع إقرار الباحث بأهمية هذه المداخل التفسيرية، إلا أنه أشار إلى قصورها في بلورة تفسير شامل للظاهرة بالنظر إلى وجود مجموعة من الإشكالات والتحديات المحيطة بالموضوع من حيث اختلاف المحدد الاجتماعي والفضاء السياسي والخلفيات المحددة لكل تنظيم.

وقد انتهى الباحث في كتابه إلى أن العقل الحركي الإسلامي قبل المراجعات كانت تنتظمه ثلاث خطاطات سياسية ومعرفية:
1- الخطاطة الجهادية.
2- والخطاطة القطبية المودودية.
3- والخطاطة الإخوانية.

وبسط في كتابه مقومات كل خطاطة على حدة، والعناصر التي تتأسس عليها سياسيا ومعرفيا، مبينا حدود التداخل بين السياسي والمعرفي في هذه الخطاطات، وخلص إلى أن التحولات التي حصلت عند الإسلاميين اتجهت ثلاثة اتجاهات:

- الاتجاه الأول: تحولات فجرت النسق من الداخل، وهو ما وقع للجماعة الإسلامية والجهاد في مصر التي فجرت النسق الجهادي، وهي نفس التحولات التي شهدتها الحركة الإسلامية في المغرب التي فجرت النسق القطبي من الداخل.

-الاتجاه الثاني: تحولات أبقت على النسق في كليته وقامت بتعديلات داخله، ومثل لها بحركة النهضة التونسية والحركة الإسلامية في السودان التي رغم تبنيها الواسع للبراغماتية السياسية، فإنها برأي الكاتب لم تستطع الخروج من النسق العام لفكر سيد قطب وخطاطته السياسية.

-الاتجاه الثالث: تحولات تعكس توتر النسق ومحاولة التعايش معه، ومثل لها بحركة الإخوان المسلمين.

وتوقف الباحث في كتابه عند ثلاثة مؤشرات مطردة في تحولات الإسلاميين الصاعدين إلى الحكم، تمثلت في القطع مع المنطق الدعوي في الاشتغال السياسي، والتوجه نحو السياسات العمومية، والتخفيف من المفردات الدينية في الخطاب السياسي، والتدبير الذكي للعلاقة بين البعد المرجعي العقائدي والبعد البراغماتي في السياسة من خلال اعتماد مدخل الدمقرطة والحرية والحكامة.

ولاحظ الباحث في كتابه أن هذه التحولات حدثت بشكل وازن لدى حزب العدالة والتنمية وحركة النهضة، فيما لا يزال الخطاب الدعوي والخطاب السياسي يتعايشان داخل الخطاطة السياسية الإخوانية.

ويرجع الباحث ذلك إلى التوتر الذي يوجد في الأصول الفكرية للإخوان التي تجمع بين نسقين معرفيين، الأول مقاصدي والثاني عرفاني صوفي يعطي مساحة كبرى للمرشد أو الإمام مما يبرر ارتهان السياسي للدعوي.

وتوقع الباحث في كتابه، أن تعرف الحركات الإسلامية في المدى القصير والمتوسط توترات داخلية ناتجة عن القدرة على تدبير الدعوي والسياسي وما يرتبط بها من تعايش الأجيال وتيسير ارتقائها التنظيمي.

وتوقع أن تنجح القيادة الإسلامية في المغرب في أن تكون جسرا للتحول من القيادة التاريخية إلى القيادة التدبيرية، فيما توقع أن تعرف حركة النهضة في تونس مصير حزب الرفاه الذي خرج من عباءته حزب العدالة والتنمية في حالة إذا لم تنجح القيادة التاريخية في أن تلعب دور التجسير.

الكتاب يعتبر نموذجا للدراسات الأكاديمية المقاربة للحركات الإسلامية، إذ يجمع بين الرصد الكثيف للمعطيات، ودراسة الأنساق المعرفية والسياسية، واستحضار البعد المقارن بين مكونات هذه الحركات
أما بالنسبة لتوقعاته لحركة الإخوان المسلمين، فاستشرف أربعة سيناريوهات: الأول انشقاق بعض الفروع عن الحركة الأم على طريقة الحركة الإسلامية في السودان، أو انشقاق بعض الفروع بعضها عن بعض على طريقة ما حدث لحركة "حمس الجزائرية"، أو اعتماد الصيغة المغربية في التمايز بين الدعوي والسياسي، أو الاستمرار في التعايش مع توتر النسق، مرجحا حدوث الخيار الثاني والثالث، ومستبعدا أن يظل الخيار الرابع يمتلك القدرة على الاستمرار رغم الدور الذي يقوم به البعد التربوي في تبرير التعايش مع توتر النسق.

وفي ضوء هذه المعطيات، يطرح الكاتب نموذجه التفسيري للمراجعات، الذي سعى من خلاله إلى توظيف العديد من المفاهيم الإجرائية المستخلصة من النظريات الاجتماعية ونظريات السياسة المقارنة وإخراجها من طابعها النظري، وإعمالها في تفسير الظاهرة المدروسة مستفيدا من المقتضيات المنهجية التي وفرتها البنائية الوظيفية لا سيما نظرية ميرتون حول الخلل الوظيفي، مع وضع هذه المقتضيات المنهجية في إطار نظري دينامي، يفرق بين الأنساق الجزئية والأنساق المركزية.

كما استفاد من الكسب النظري والمنهجي الذي وفره عالم الاجتماع السياسي كروزييه حول تدافع الإستراتيجيات والرهانات، واعتبر أن النقطة المحورية التي تحدث عندها المراجعات هي لحظة المدخلات والمخرجات التي تصير فيها وظيفة التبرير غير قادرة على تجنيد التنظيم وتأطيره وضمان استمراره على نفس الخطاطة، مما يحرك عملية المراجعات التي تأخذ مسارا مطردا إلى أن تصل إلى أحد مستوياتها الثلاثة: تفجير النسق أو تعديله أو خلق شروط تعايش مكوناته في حالة توترها.

والواقع، أن هذا الكتاب، بهذا الجهد النظري والمنهجي الضخم، يعتبر نموذجا للدراسات الأكاديمية المقاربة للحركات الإسلامية، إذ يجمع بين الرصد الكثيف للمعطيات، والجمع بين دراسة الأنساق المعرفية والسياسية، واستحضار البعد المقارن بين مكونات هذه الحركات، بالشكل الذي يجعل القارئ يطلع على التفاصيل الدقيقة والتباينات المجهرية بين مكونات الحركات الإسلامية ومدارسها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك