عرض/عبد الحافظ الصاوي
في واحدة من بلدان العالم الثالث، تجسدت آمال شعب في التخلص من التبعية للغرب عقب ثورة 1979، والتي أطلق عليها ثورة إيران الإسلامية، ولم تكن هذه الرغبة مجرد نوع من التشفي أو الانتقام، ولكن كان لها تاريخ من الممارسات غير المسؤولة من قبل أسرة الشاه رضا بهلوي.

وكان بهلوي قد تفنن في عقد صفقات مع الغرب لنهب ثروات إيران، وبخاصة النفط، من خلال عقود امتياز، حتى وصل الأمر لأن يُعطى شابا إنجليزيا عقد امتياز يمكنه من الاستفادة بالموارد الطبيعية بجميع أراضي إيران لمدة سبعين عاما.

- العنوان: الثورة الإسلامية والاقتصاد
-المترجم: مجدي صبحي
- المؤلف: اواليلي بساران
- عدد الصفحات: 319
- الناشر: دار التنوير، بيروت، القاهرة، تونس
- الطبعة: الأولى، 2012

وقد تبادلت كل من روسيا وبريطانيا على عقود الامتياز خلال فترة أسرة الشاه، لتقوم بأعمال السكك الحديدية والبريد، وكذلك كل ما يتعلق بالنفط، ولذلك كانت ثورة 1954علامة فارقة في تاريخ إيران الحديث لما مثلته من خطوة حقيقية لامتلاك إيران القرار الوطني فيما يتعلق بثروتها النفطية، حيث قام رئيس الوزراء (آنذاك) محمد مصدق بتأميم شركات النفط، والعمل على إجراء عقود حقيقية لإنتاج وبيع النفط الإيراني.

غير أن الانقلاب العسكري الذي تم عام 1954 للإطاحة بوزارة مصدق، والذي رتبت له وأدارته الولايات المتحدة الأميركية، كرس هذه الروح من الحذر الشديد من التعامل لدى الإيرانيين بعد نجاح ثورتهم عام 1979 مع الرأسمالية والغرب وأميركا.

وبعد نجاح ثورة 1979، كان هدف الاستقلال بشكل عام والاستقلال الاقتصادي بشكل خاص، يمثلان جزءا لا يستهان به في فكر وممارسة الثورة الإيرانية، ومازالت القضية تشغل المجتمع الإيراني، عبر مرور حكوماته المختلفة سواء من الإصلاحيين أو المحافظين.

ومن هنا فكتاب "الثورة الإسلامية والاقتصاد.. صراع النخب حول استقلال الاقتصاد الإيراني" يرصد قضية الاستقلال الاقتصادي في حياة الثورة الإسلامية من خلال الموقف الفكري للاستقلال الاقتصادي، والأمر الثاني موقف الثورة من قضايا مهمة مثل الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتحديات التعامل مع الغرب، وكذلك قضية التعامل مع المؤسسات الدولية مثل البنك والصندوق الدوليين، وأيضا الاستفادة من الاستثمار الأجنبي المباشر أو الاستفادة من العولمة الاقتصادية.

زخم مشترك
تذهب مؤلفة الكتاب إلى أن الإرث التاريخي من ممارسة أسرة بهلوي تجاه الموارد الاقتصادية للدولة الإيرانية، والتفريط فيها لصالح بريطانيا وروسيا، من خلال عقود الامتياز، ساعد على شعور الشعب الإيراني بالإحساس بالظلم، واستفادة الآخرين من خيراته، ولذلك نما اتجاهان بإيران يدفعان بضرورة الاستقلال الاقتصادي، وهما قوى اليسار والقوى الدينية.

بعد نجاح ثورة إيران كان هدف الاستقلال عموما والاقتصادي خصوصا يمثلان جزءا لا يستهان به في فكر وممارسة الثورة الإيرانية، ومازالت القضية تشغل المجتمع الإيراني عبر حكوماته المختلفة

وكلا الاتجاهين تبنى فكرة سيطرة الدولة على الموارد الاقتصادية، بعد نجاح ثورة 1979، وليس فقط مجرد السيطرة، ولكن أن تقوم الدولة على أمر إدارتها من خلال ما يعرف بالقطاع العام، وذلك لتعويض الحرمان، ومواجهة الاستغلال الذي مارسته أسرة بهلوي بمعاونة الرأسمالية. وأطلقت المؤلفة على أصحاب هذا التبني مصطلح "الدولتيين".

وهو ما ترجم في صياغة مواد الدستور، حيث نصت المادة 44 على أن "قطاع الدولة سوف يشمل كل الصناعات الكبيرة والصناعات الأم، والتجارة الخارجية، والمعادن الرئيسية، والمصارف، والتأمين، وتوليد الطاقة، والسدود، وشبكات الري واسعة النطاق، والراديو والتلفزيون، والبريد، والتلغراف والخدمات التلفونية، والطيران، والشحن، والطرق والسكك الحديدية وما يشابهها، فكافة هذه القطاعات المذكورة سوف تكون مملوكة ملكية عامة وتشرف عليها الدولة".

ولايزال هذا المبدأ ساريا حتى الآن باستثناء خصخصة حصص من الشركات العامة لصالح المواطنين الإيرانيين، وقد وجهت محاولات مشاركة الأجانب في عملية الخصخصة بشكل كبير، من خلال التضييق على الاستثمارات الأجنبية، كما حدث مع شركتين تركيتين كانتا تعملان في مجال الاتصالات وتطوير مطار الإمام الخميني، وتم فسخ العقد الخاص بهما، وتم اختيار شركة من جنوب أفريقيا قبلت أن تكون حصتها بحدود 49%، مقابل 51% لصالح الشركات الحكومية الإيرانية.

دولة شبه سلطوية
تذهب المؤلفة إلى أن إيران تصنف من وجهة نظرها على أنها دولة شبه سلطوية، ففي الوقت الذي ينتخب فيه البرلمان وكذلك الرئيس من خلال انتخابات عامة، فإن هناك جهتين يتم اختيار أعضائهما بالتعيين، ولهما سلطة إبطال ما يتخذ من تشريعات من قبل البرلمان، أو ما تتخذه الحكومة والرئيس من قرارات أو سياسات. وهاتان الجهتان هما مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور.

وكان لهذا الوضع أثره الواضح في الجدل الدائر بين الإصلاحيين والمحافظين خلال فترات حكم موسوي وأحمدي نجاد باعتبارهما من المحافظين، وهاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي باعتبارهما من الإصلاحيين، فمحاولات رفسنجاني بالخروج من الدائرة الضيفة للانغلاق على الذات ومحاولات جذب الاستثمارات الأجنبية باءت بالفشل في ظل معارضة الدولتيين في البرلمان، وكذلك في مجلس صيانة الدستور، وإن كان مجمع تشخيص مصلحة النظام قد مال إلى تأييد وجهة نظر رفسنجاني.

وكما تذكر الكاتبة فإن مجيء رفسنجاني عام 1989، وما واكبه من إنهاء الحرب العراقية الإيرانية، وموت آية الله الخميني، مهد الطريق أمام حالة من التفاؤل على الصعيد الغربي، من إمكانية دمج إيران في منظومة الاقتصاد الإيراني، وهو ما تُرجم من خلال إقبال البنك وصندوق النقد الدولييين، وزيارة إيران والإعراب عن إمكانية تقديم المساعدات المالية اللازمة للاقتصاد الإيراني، وهو ما دعا رفسنجاني لوضع خطته الاقتصادية والاجتماعية في ضوء إمكانية الحصول على استثمارات أجنبية من جهة، ومساعدات المؤسسات الدولية من جهة أخرى.

غير أن المعارضة التي واجهت رفسنجاني في تمريره لقانون الاستثمارات الأجنبية، والشروط التي وضعت بالقانون، جعلته كأن لم يكن، وبالتالي انفض الغرب والمؤسسات الدولية عن أحلام دمج إيران في منظومة الاقتصاد الإيراني.

يرصد الكتاب حالة من التردد داخل النخب الإيرانية تجاه الانفتاح على الغرب والاكتفاء الذاتي منذ انتهاء الحرب مع العراق، حيث رأت هذه النخب ضرورة اضطلاع القطاع الخاص بدور أكبر في ممارسة النشاط الاقتصادي

ونفس الوضع تكرر مع خاتمي، من خلال طرحه لما سمي حوار الحضارات، وكذلك قرار تجميد إيران لتخصيب اليورانيوم محليا، إلا أن المعارضة البرلمانية، وكذلك المؤسسات المعنية وقفت حائلا أمام توجه خاتمي إلى الاندماج والانفتاح على الغرب، وذلك بسبب رؤية المحافظين بأن المخاطر المحتملة من هذا الاتجاه تعني التفريط في أهداف وثوابت الثورة، التي تعني الحفاظ على الاستقلال الاقتصادي لإيران، وكذلك الاستقلال العام ومواجهة السيطرة الغربية والأميركية.

ويرصد الكتاب حالة من التردد تجاه الانفتاح على الغرب والاكتفاء الذاتي منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، داخل النخب الإيرانية، سواء من الأكاديميين أو النخب التجارية التي كانت ترى أن يعطى القطاع الخاص الفرصة لممارسة النشاط الاقتصادي بشكل أكبر، وحتى أن "الدولتيين" أنفسهم لم يكن لهم موقف ثابت تجاه إعطاء القطاع الخاص أو الاستثمار الأجنبي دورا في الاقتصاد الإيراني.

فمع مواقف الغرب المتعددة، من خلال موقف سلمان رشدي أو خطاب بوش الابن بتصنيف إيران ضمن محور الشر، جعل المتعاطفين مع فكرة الانفتاح على الغرب أو إعطاء مساحات واسعة للقطاع الخاص أو الاستثمارات الأجنبية يترددون كثيرا، ويغلبون جانب الحذر، ويرون سيطرة الدولة على مقدرات الاقتصاد الإيراني وتحقيق الاكتفاء الذاتي، هو من صميم أعمال الاستقلال الاقتصادي.

وساعد على هذا التردد أيضا عوامل داخلية ليس فقط على صعيد الأكاديميين والمرجعيات الدينية أو النخبة التجارية، ولكن على مستوى رجل الشارع الذي لم يجد أي تحسن في مستويات المعيشة وشيوع البطالة وارتفاع معدلات التضخم، في ظل إخفاق الخطط الاقتصادية والاجتماعية التي أعلن عنها الإصلاحيون متمثلين في حكومتي رفسنجاني وخاتمي.

انتصار نجاد
حسم محمود أحمدي نجاد الكثير من الجدل مع مجيئه إلى سدة الحكم عام 2006، حيث روج برنامجه الانتخابي بأن يرى الإيرانيون ثروتهم النفطية على مائدة العشاء، كما ركز على استفادة المستضعفين من ثروة إيران النفطية.

وكان لقيامه بزيارات مقاطعات إيران المختلفة، وسماعه لمشكلاتهم المعيشية، حظ وافر في التأييد الشعبي لسياساته، التي أيده فيها في البداية برلمانيون وأكاديميون، وانقلبوا عليه بعد ذلك، إلا أن مساندة مجلس صيانة الدستور والمرشد الأعلى للثورة لنجاد كان من عوامل استمرار سياسته الداعية إلى الاعتماد على الداخل.

ولم يكن هذا فحسب ما مكن لنجاد من شعبية كبيرة، ولكنه طرح فكرة الاستفادة من إيجابيات العولمة الاقتصادية دون التفريط في ثوابت الثورة، وصاحب ذلك خطاب سياسي ركز على العودة لمبادئ ثورة 1979، حيث أطلق على نفسه ومؤيديه مصطلح "المبدئيين" أي أصحاب المبادئ.

كان نجاد محظوظا لاستمرار ارتفاع أسعار النفط، وهو ما مكنه من إنشاء صندوق لمساعدة الشباب للزواج والسكن، والذي استمر يعمل بشكل كبير في الفترة الأولى من حكمه، وهو ما جعله يحظى بتأييد شعبي

وتذكر المؤلفة بأن نجاد كان محظوظا لاستمرار ارتفاع أسعار النفط، وهو ما مكنه من إنشاء صندوق لمساعدة الشباب للزواج والسكن، واستمر هذا الصندوق يعمل بشكل كبير في الفترة الأولى من حكمه، وهو ما جعله يحظى بتأييد شعبي.

غير أن الأكاديميين الذي انقلبوا على نجاد كانت وجهة نظرهم أن هذه السياسات الداعية للاكتفاء الذاتي ورفض مساهمة الاستثمار الأجنبي من شأنها أن تعزل إيران عن المحيط الدولي، كما ستحرمها من نقل التكنولوجيا، ولكن نجاد لم يعبأ بهذه الانتقادات، بل اتخذ خطوات أوسع، إذ ألغى مؤسسة التخطيط والموازنة، واستعاض عنها بمجموعة من المستشارين الشخصيين له من الاقتصاديين المؤيدين لوجهة نظره.

وتنتهي المؤلفة في كتابها إلى أن موقف إيران بعد ثورتها الإسلامية عام 1979، من الاستقلال الاقتصادي، غير واضح على وجه التحديد، ففترات كانت النخب تعلن عن رغبتها في الاندماج بالاقتصاد الغربي والاستفادة من الاستثمار الأجنبي المباشر، وفترات أخرى كانت هذه النخب تتراجع عن هذا التصور.

غير أنها تؤكد كذلك على أن الإرث التاريخي لأسرة الشاه، وكذلك المواقف الغربية والأميركية تجاه إيران ساعدت بشكل كبير على خلق هذا الموقف الإيراني غير الواضح من الاستقلال الاقتصادي.

المصدر : الجزيرة

التعليقات