عرض/زياد منى

كلنا يذكر كلمات الرئيس الأميركي السابق الجنرال دوايت آيزنهاور، الذي حذر من هيمنة التجمع الصناعي العسكري على الحياة في بلاده، وكان حينها في موقع يؤهله للحديث في هذا الموضوع، ولم يكن بمقدور المؤسسة الحاكمة في واشنطن التصدي له لأنه كان أحد أبطال الحرب في الولايات المتحدة.

وموضوع هذا الكتاب مرتبط بتلك المسألة، بهيمنة التجارة غير الشرعية بالسلاح، وتأثيرها في سياسات الدول الكبيرة والصغيرة أيضا.

-العنوان: العالم الخفي.. نظرة من داخل تجارة السلاح العالمية
-المؤلف: آندرو فاينشتاين
-عدد الصفحات: 696
-الناشر: بنغوِن بُكس، لندن
-الطبعة: 2012

يبحث الكتاب في تجارة السلاح التقليدي من المسدس إلى الطائرات المقاتلة والأسلحة الثقيلة الأخرى، ناهيك عن التجارة بالذخائر، وهو موضوع أكبر من أن يغطيه مؤلف واحد، مهما كبر حجمه، ناهيك عن محدودية المراجع واختصارها.

المجتمع الدولي وضع ضوابط لتجارة الأسلحة، لكن اندلاع الحروب في كل بقاع العالم يظهر عقمها حيث تنتشر الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية وتلك المدعومة من الخارج، وغيرها.

التجارة غير الشرعية بالأسلحة، أي تلك التي لا تتم بين حكومات، يقول المؤلف، مزدهرة ولا يمكن أن تتم من دون معرفة الحكومات ذات العلاقة وتعاونها المباشر وغير المباشر.

أسماء عديدة ترد في الكتاب، من الأمير بندر بن سلطان مهندس أكبر صفقة أسلحة (قانونية) في التاريخ، وهي صفقة اليمامة، التي يصفها المؤلف بأنها أكثر عملية تبادل تجارية فسادا.

المؤلف في الوقت نفسه يضم إلى ذلك تجارة الدول الغربية وغير الغربية في الأسلحة وتصديرها إلى أنظمة يصفها بالاستبدادية. فعلى سبيل المثال، يقول في مجرى التعقيب على تدخل حلف شمال الأطلسي ليبيا، كان عليه تدمير ليس الأسلحة الروسية فقط بل الألمانية والفرنسية والبريطانية والإيطالية.

والمقصود هنا أن تجارة الأسلحة تمنح قلة من الأشخاص أرباحا كبيرة في الوقت الذي تدمر فيه حياة ملايين البشر، ويعطي أمثلة عديدة على ذلك منها تصدير الأسلحة إلى الجنرال تايلور حاكم سيراليون الأسبق الذي يقضي الآن حكما بالسجن خمسين عاما بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية فرضته محكمة الجنايات الدولية، لكن الأسلحة كانت تصله من تجار أسلحة يتعاملون، -كما برهن المؤلف- مع وكالات الاستخبارات الغربية وشخصيات نافذة.

يخصص المؤلف قسما كبيرا من كتابه للحديث عن دور الأمير بندر بن سلطان في تجارة الأسلحة عالميا، ويخصص له أقساما عديدة من الكتاب أعطى أحد فصوله عنوان "القرينة السعودية".

المؤلف الجنوب إفريقي درس في كل من الولايات المتحدة الأميركية وجنوب إفريقيا، وكان عضوا في المؤتمر الوطني الإفريقي الذي رأسه الزعيم نلسون مانديلا، وانتخب عضوا في مجلس النواب هناك لكنه استقال بعد رفض البرلمان التحقيق في صفقات أسلحة عقدتها دولته.

هاجر الرجل إلى بريطانيا حيث يعمل مستشارا لشركات ورئيسا لصندوق خاص لمساعدة المرضى الذين يعانون من مرض نقص المناعة (الإيدز).

الكتاب رحلة في دهاليز تجارة الأسلحة لكشف أسرارها من صفقات وأشخاص ودول وأجهزة.
ويعرض الكتاب بدايات تلك التجارة التي أسست شركتها الأولى مجموعة من الضباط النازيين عقب الحرب العالمية الثانية، والتي تحولت دوما -وفق الكاتب- إلى أخطر شبكة لعقد صفقات الأسلحة عرفها العالم.

يعرض الكتاب بدايات تجارة السلاح، حيث أسس ضباط نازيون أول شركة لتجارة السلاح عقب الحرب العالمية الثانية، وهي التي تحولت فيما بعد إلى أخطر شبكة لعقد صفقات الأسلحة بالعالم

وضمن هذا المجال، يركز الكاتب على ثروة المملكة العربية السعودية المتزايدة وتأثيرها المتعاظم في تجارة الأسلحة على النطاق العالمي.

في الوقت نفسه يبحث بعمق العلاقات بين المؤسسات العسكرية البريطانية والأميركية والحكومات واستخباراتها ودورها جميعا في نمو تلك التجارة، كما يبحث في دور دول توصف بالرائدة في مجال تجارة السلاح من بينها إسرائيل والسويد.

ويتابع أدورا شخصيات محددة في تجارة الأسلحة عالميا ومنها على سبيل المثال السوري منذر القصار واللبناني-الإرميني جو دو هوفسبيان والإسرائيلي ليونيد منين، والسعودي عدنان خاشقجي والإيراني أليعازر ولدخاني وسركيس سوغانليان، وغيرهم.

ومن الجدير بالذكر أن الغرب وجه تهمة الاتجار بالأسلحة إلى منذر القصار بذريعة أنه مول المقاتلين في العراق الذين قاوموا الاحتلال الأميركي، وقد خصص قسما من الكتاب للحديث في مصير كل فرد من المذكورين آنفا وغيرهم.

كما يوجه الكتاب أصابع الاتهام بالمشاركة في تجارة السلاح نحو تنظيمات يصفها بالإرهابية ومنها القاعدة، لكنها يوسع تلك الدائرة لتشمل العديد من أجهزة الاستخبارات الغربية، والشرقية، حيث يتهمها بالضلوع المباشر وغير المباشر في تجارة الأسلحة وإيصالها إلى أماكن التوتر وساحات الحروب.

ويشير إلى دور إسرائيل في تصدير الأسلحة إلى مناطق التوتر، ومنها على سبيل المثال رواندا التي شهدت إحدى أكثر المجازر الجماعية في التاريخ.

كما يعرج على صفقات أسلحة كبيرة لبيع ونقل أسلحة إلى مناطق متوترة في العالم، من بينها جورجيا، ولبنان، ودارفور، وجنوب السودان والعديد من الدول الإفريقية والحركات المسلحة فيها وفي أميركا الوسطى.

أما تأثير تلك القوى في العالم فيظهر من مثال اليونان التي تعاني أزمة مالية تهدد استقلالها الوطني.
فقد قيل -بحسب المؤلف- إن الدول الغربية التي تصدرة السلاح لليونان (وهي الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وفرنسا) أصرت على أن لا يمس برنامج التقشف الذي فرضته على اليونان ميزانية الدفاع!

يتهم المؤلف العديد من أجهزة الاستخبارات الغربية والشرقية بالضلوع المباشر وغير المباشر في تجارة الأسلحة وإيصالها إلى أماكن التوتر وساحات الحروب
المؤلف نفسه استقال من عضوية برلمان جنوب إفريقيا لعقدها صفقة شراء أسلحة ليست في حاجة إليها، بقيمة ستة مليارات دولار بدلا من تخصيص المبلغ أو جزء منه لمعالجة المرضى الذين يعانون تبعات مرض الإيدز.

كما تابع المؤلف مسألة نهب مخازن الأسلحة في ليبيا بعد انهيار نظام القذافي حيث أضحت مركزا لتهريب الأسلحة وبيعها إلى مختلف مناطق العالم ومنها غزة والنيجر ومالي، ولتنظيم القاعدة في شمالي إفريقيا، إضافة إلى توريد الأسلحة إلى الجماعات المسلحة في سورية.

المؤلف يشير إلى العديد من الشركات الوطنية والعابرة للحدود التي أثرت في تسهيل توريد أسلحة إلى بعض الدول، ويذكر بالخصوص شركة الاتصالات للهواتف الجوالة (إم تي إن) الجنوب إفريقية التي كانت تسعى لكسب عقود في هذه الدولة أو تلك.

ويختم المؤلف كتابه بعرض مجموعة من الأرقام عن التسليح ومبيعات الأسلحة التي أنجزتها الدول الكبرى، وتأثير ذلك في تأجيج الحروب، وفي الوقت نفسه فإنه يدعوا لاتخاذ مجموعة من الإجراءات لمضاعفة الرقابة على تصدير الأسلحة وضبطها.

وفي النهاية، وضع المؤلف قائمة بأسماء عشرات الأشخاص من صحفيين وأكاديميين ومؤرخين ساعدوه في جمع المعلومات وتقييمها مما يعكس مدى عمق البحث واستثارته اهتمام قطاعات واسعة من الناشطين في حقل السلام.

الكتاب مهم للغاية إذ إنه يكشف للقارئ المهتم خفايا تجارة الحروب والأرباح الناتجة منها على حساب معاناة ملايين البشر، كما يكشف أن كثير من الشعارات التي ترفع هنا وهناك باسم العدالة والحرية تخفي أحيانا هدفا رئيسيا هو الحصول على الأرباح بغض النظر عن النتائج.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك