عرض/ زياد منى

موضوع الكتاب "حرب الطائرات بدون طيار، القتل عن طريق التحكم عن بعد" حي في الغرب، فلا يكاد يمر يوم دون أن نسمع خبر مقتل "زعيم" مشتبه به في اليمن أو أفغانستان أو الباكستان أو الصومال، قررت الإدارة الأميركية أنه عدو لها يجب قتله دون محاكمة، ولا حتى اعتراف بالجريمة أو إعلان عنها.

-العنوان: حرب الطائرات دون طيار، القتل عن طريق التحكم عن بعد
-المؤلفة: ميديا بنيامين
-عدد الصفحات: 246

-
الناشر: فرزوبوكس، المملكة المتحدة
-
الطبعة: الثانية، 2013

هذا إلى جانب الفضائح المتتالية بخصوص صفقات الروبوت العسكري في عدة دول غربية تأتي ألمانيا في مقدمتها.

أما المؤلفة فهي ناشطة سلام أميركية عملت على تأسيس العديد من الهيئات المناهضة للحرب، مع زملاء لها.

هذا الكتاب هو الأحدث والأكثر توسعًا وعمقًا في موضوع استخدام الطائرات من دون طيار، المعروفة بالإنجليزية الشعبية باسم (Drone)، والتي تعني ضمن أمور أخرى "أزيز".

الكاتبة تتناول موضوع تطور هذا الطراز من الطائرات منذ الحرب العالمية الأولى حتى تحولها إلى صناعة عسكرية متطورة تنتج الآلاف منها لاستخدامات متعددة، منها التجسس، ومنها دعم القوات الأرضية، فضلا عن الاغتيالات.

بالتالي فإن إنتاج هذا النوع من الأسلحة تطور على نحو كبير للغاية حيث ازداد عددها منذ مطلع القرن إلى نحو عشرة آلاف في الولايات المتحدة حلقت لأكثر من نصف مليون ساعة في عام واحد، بينما وصل عدد الدول التي تستخدمها إلى نحو خمسين دولة.

في مدخل الكتاب، تتحدث كاتبة مدخل الكتاب، الناشطة السياسية الأميركية والمؤلفة باربارا إيرنرايش، عن تاريخية استخدام الأسلحة التي ترسل أدوات الموت من مسافة، حيث عد الإغريق رماة السهام من طروادة جبناء وخلدوا رأيهم ذاك في الإلياذة. وهي بذلك تقيم تطابقًا، وإن غير مباشر بين الطرفين.

أما المؤلفة فتتحدث في مقدمة الكتاب عن الخسائر البشرية التي يوقعها هذا النمط من الحرب بالسكان المدنيين والأبرياء مستخدمة عدة أمثلة واجهتها شخصيًا أثناء تجوالها في باكستان وأفغانستان، حيث تروي معاناة الصبية رؤى التي فقدت والدتها وشقيقتيها في غارة أميركية بطائرة من دون طيار على منزلهم في أفغانستان.

وتبدأ في عرض إحصائي للخسائر التي توقعها الطائرات دون طيار بين صفوف المدنيين خلال هذه الغارات، فتذكر أنه في الأشهر الثالثة الأولى لغزو أفغانستان قضى نحو ألف مدني أفغاني بسبب الغارات الجوية.

إنتاج هذا النوع من الأسلحة تطور على نحو كبير، فزادت أعدادها منذ مطلع القرن إلى نحو عشرة آلاف بأميركا، حلقت لأكثر من نصف مليون ساعة في عام واحد، ووصل عدد الدول التي تستخدمها إلى نحو خمسين دولة

يضاف إلى ذلك العدد وفاة أكثر من ثلاثة آلاف مدني بسبب الجوع والإرهاق والأمراض التي انتشرت في أفغانستان بسبب العدوان الأميركي، أي أن عددهم فاق عدد ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

بل إنها تذهب أبعد من ذلك بالقول إن هجمات سبتمبر/أيلول لا تسوغ إطلاقًا شن حرب على أفغانستان، وكان يجب الاكتفاء بإعلانها جريمة ضد الإنسانية وملاحقة الجناة.

في الوقت نفسه تفند المؤلفة ادعاء الإدارات الأميركية بأن استخدام الطائرات من دون طيار يحد من عدد الضحايا المدنيين الأبرياء، وتقدم أمثلة كثيرة من باكستان وأفغانستان عن مجازر أحدثتها تلك الحروب من بعد، بحق المدنيين الأبرياء.

من الأمور الأخرى التي تتعامل معها المؤلف في الكتاب حقيقة أن معظم عمليات الاغتيال، يضاف إليها مختلف المجازر بحق المدنيين، تتم دون اعتراف واشنطن بارتكابها، لأن منفذيها ينتمون إلى وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الأمن الداخلي اللتين لا تخضعان لأي مسائلة، لكنهما تتلقيان موافقة الرئيس على عملياتهما.

بهذا ينجو الجناة من العقاب أو حتى من المساءلة، ويمكن لكل من شارك في تلك العمليات أن يطمئن إلى أنه لن يُسأل يوما ما عما ارتكبه.

تستعرض المؤلفة أيضا بعض الجوانب غير الأخلاقية لعمل هذه الطائرات، من ذلك قيام طائرة من دون طيار بضرب تجمع بشري بحجة أنه اجتماع لقيادة طالبان أو القاعدة، ثم تبين لاحقًا أن الأمر لم يكن سوى حفل زفاف انتهى بمجزرة راح ضحيتها عشرات الأبرياء بين قتلى ومصابين معاقين.

من الأمور الأخرى التي تتناولها المؤلفة في كتابها قيام حكومة الولايات المتحدة الأميركية بقتل مواطنيها من دون محاكمة ولا حتى اتهام، فضلا عن إدانتهم في الأصل.

وتتعرض للمسألة من منظور قانوني حيث تتلاعب الإدارات الأميركية بالحالات بما يمنحها شرعة قانونية لقتل الناس من دون محاكمة أو إثبات تورطهم في ارتكاب أي جريمة، بما في ذلك قتل مواطنين أميركيين، مشيرة في هذا الصدد إلى حالتي أنور العولقي، وسمير خان اللذين قتلتهما حكومتهما بوساطة طائرة من دون طيار.

وأكدت أن الأخير لم يكن اسمه واردًا على قائمة القتل التي وضعتها وكالة الاستخبارات المركزية ووافق عليها الرئيس الأميركي.

وتخصص الفصل السادس لمناقشة التبعات القانونية لمثل هذه العمليات من قتل واغتيال، وتنفي توافر أي أرضية قانونية تسمح بها.

استخدام الطائرات بدون طيار ضمن عمليات وكالة الاستخبارات المركزية غير الخاضعة لأي مساءلة قانونية، يمكّنها من قتل من تريد دون تبعات قانونية

الكتاب -كما ذكرنا- يتعامل مع مختلف الجوانب الإنسانية والاقتصادية والنفسية والحقوقية المرتبطة بهذا السلاح، إضافة إلى التبعات المتوقعة من هذه الحرب.

كما يحتوي على مقدمة وخاتمة وتسعة فصول على النحو الآتي:
- علاقة عشق خسيسة بالروبوت القاتل.
- إنها مسألة سوق نامٍ.
- روبوت هنا، روبوت هناك، وروبوت في كل مكان.
- طيارون بلا مقصورة.
- ضحايا من حكم بهم عن بعد.
- القتل باستخدام الروبوت، هل هو قانوني.
- أخلاقية سقطت.
- الناشطون يردون اللطمة.
- معارضة الروبوت تستحيل عالميًا.

في الخاتمة، تستعرض المؤلفة بعض الجوانب التي ترى أنها تدفع الولايات المتحدة لاستخدام الطائرات بدون طيار في قتل من تعدهم أعداء لواشنطن، ومن ذلك أن القوانين الأميركية لا تسمح بتعذيب المشتبه بهم لاستخلاص اعترافات منهم، لذا فإن استخدام تلك الطائرات، ضمن عمليات وكالة الاستخبارات المركزية غير الخاضعة لأي مساءلة قانونية، يمكّنها من قتلهم من دون أي تبعات قانونية.

بهذه الطريقة فإن الإدارات الأميركية يمكنها تجنب إحراج كون المتهم بريئا في حالة اضطرارها القيام بعملية عسكرية للقبض على متهم، ثم تبين خطأ معلوماتها عنه.

كما تشير المؤلفة إلى قيام إدارة أوباما بوضع لائحة قتل جديدة تتجاوز كل ما وضع من لوائح من قبل.

في الوقت نفسه تؤكد أن استخدام الإدارات الأميركية الطائرات بدون طيار العسكري لاغتيال من تريد اغتيالهم، وما يرافق ذلك من سقوط ضحايا أبرياء من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، يؤدي إلى تعميق كراهية الشعوب الضحية للولايات المتحدة، كما حصل في باكستان وأفغانستان والصومال واليمن وغيرها.

الكتاب دراسة معمقة في حروب أميركا السرية وأدواتها وأبعادها الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية، وصرخة من أجل نظام عالمي ينبذ استخدام العنف في حل المشكلات العالقة

وتدعوا إلى استخدام الموارد المخصصة لصناعة الروبوت القاتل وتطويره للدفاع عن الولايات المتحدة على نحو أفضل بدلاً من خوض الحروب في مختلف أنحاء العالم.

وتعقب على تزايد لجوء الإدارات الأميركية للحروب والقتل لحل مشكلاتها بالتنويه إلى حقيقة أثارها دبلوماسي وضابط أميركي متقاعد، بالقول: قبل أربعين عاما كانت الجامعات الأميركية تدرس فن السياسة، والآن تدرس الأمن القومي والدراسات الإستراتيجية.

وهذه نتيجة حتمية للسياسات العدوانية التي مثلتها مادلين أولبرايت وكولن باول وكونداليزا رايس وهيلاري كلنتون، الذين لم يكونوا ممثلي دبلوماسية حل النزاعات بالطرق السلمية بل ذراع البنتاغون في تسويغ الحروب.

كما تتناول المؤلفة أخطار استعمال الروبوت في التجسس على المواطنين الأميركيين، مما سيؤدي لقيام دولة بوليسية بنهاية المطاف.

الكتاب دراسة معمقة في حروب أميركا السرية وأدواتها وأبعادها الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية، وصرخة من أجل نظام عالمي ينبذ استخدام العنف في حل المشكلات العالقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك