عرض/بوعلام رمضاني
"الثورة السورية التي تستقطب العالم منذ مارس/آذار عام 2011 موجة ديمقراطية عربية أخرى لكنها لا تشبه موجات الثورات العربية الأولى التي عرفتها تونس ومصر وليبيا، والشعب السوري الذي يواجه حتى لحظة كتابة هذه السطور النظام السوري القمعي مجبر داخليا على تقديم تضحيات جسيمة، والارتقاء خارجيا إلى مستوى التدخلات الأجنبية التي يحاول حاكم دمشق توظيفها باعتباره أحد القادة المناورين الذين يجيدون فن تقليب الأزمات الدولية لصالحه".

بهذه المقدمة التي تفسر استمرار الثورة السورية حتى يومنا هذا من جهة وتكشف عن آنية مؤكدة أكثر من أي وقت مضى من جهة أخرى، راح جان بيار فيليو يشخص ويحلل ويشرح النزاع ملحا على انعكاساته الإقليمية العربية باعتباره قنبلة جيوستراتيجية، وعلى مثيلاتها العالمية الدولية التي تكرس وتعمق الحرب بالوكالة بين القوى الكبرى كما يشهد على ذلك ما أسماه الباليه الدبلوماسي الكبير الذي تنبأ به المؤلف، والذي يستوقف عليه الغد السوري والعربي الإقليمي الجديد أو ما أسماه الشرق الأوسط الجديد.

-العنوان: الشرق الأوسط الجديد: الشعوب ساعة الثورة السورية
-المؤلف: جان بيار فيليو
-عدد الصفحات: 397
-الناشر: فايار
-سنة النشر: 2013
صاحب الكتاب الأول من نوعه منذ اندلاع الثورة السورية مزج بين ثلاثية المسح التاريخي والتشخيص الآني والتوثيق، ومن كتبه التي ترجمت إلى أكثر من عشر لغات "ميتران وفلسطين " (2005)، و"حدود الجهاد" (2006) و"نهاية العالم في الإسلام" (2008)، و"القصة الحقيقية للقاعدة "و"الحيوات التسع للقاعدة" (2009)، و"القصة الحقيقة للقاعدة و"الثورة العربية" و"أحسن الأعداء: تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والشرق الأوسط (2011) و"تاريخ غزة" (2012).

عمل فيليو في جامعتي كولومبيا وجورج تاون بالولايات المتحدة الأميركية، وأستاذا جامعيا في العلوم السياسية بباريس، ويعرف سوريا -التي أقام فيها اعتبارا من عام 1980- جيدا بحكم عمله نائبا لسفير فرنسا في دمشق ما بين عام 1996 و2008.

ثلاثية المنهجية المحكمة
تجسيدا لمقاربته المنهجية القائمة على الثلاثية المذكورة، عالج المؤلف في فصول كتابه الثلاثة "ابتكار الشرق الأوسط الجديد" و"الثورة السورية" و"ساعة الشعوب" المعطيات السياسية التي بلورت التاريخ القديم والحديث لسوريا على النحو الذي يفسر الراهن الإقليمي ومراحل وتواريخ ومستويات وأرقام ضحايا الحرب في سوريا.

وانطلق في ذلك من فكرة تقسيم مراحل الثورة السورية اعتمادا على معيار فصول السنة، ما أعطى لفصل كتابه الثالث والأخير نكهة علمية ومرجعية خاصة تسمح للقارئ باستيعاب تطورات المواجهة العسكرية الميدانية ومجازر النظام وصمود الثوار والباليه الدبلوماسي تحت قيادة الأمم المتحدة، وتدخل القوى الكبرى المفسر من منظور النظام الأسدي والمعارضة الثورية بشكل متناقض يكشف عن قناعات الطرفين المتحاربين.

وحتى يعيد الكاتب إلى أذهان من فاتهم قراءة كتابه "الثورة العربية" الذي سبق وأن قدمته الجزيرة نت، علاقته المنهجية بكتابه الجديد، عاد إليه في فصل أخير مكيفا إياه مع المعطيات الجديدة والمنطلقات التي أدت إلى انفجار الثورات العربية بما فيها السورية المحتدمة أكثر من أي وقت مضى.

الأرقام المرعبة
تعمد المؤلف في مقدمته التذكير بالأرقام المرعبة لضحايا الحرب، مراهنا على ارتفاعها بشكل مطرد على النحو الذي يؤكد حقيقة الجملة التي كتبها جنود الأسد على جدران تريمسة في يوليو/تموز من العام الماضي "الأسد رئيسا أو نحرق البلد".

تنبأ فيليو بالأرقام التي تجاوزت اليوم أكثر من مائة ألف قتيل، حينما أكد أن عدد الضحايا بلغ بعد عشرين شهرا من تاريخ اندلاع الثورة أكثر من ثلاثين ألف قتيل من بينهم خمسة آلاف في أغسطس/آب من العام الماضي فقط فضلا عن مليون ونصف مليون مهجر وأربعمائة ألف لاجئ في البلدان المجاورة من بينهم أكثر من خمسين ألفا فروا في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

الشعب السوري لم يعد يتحمل الوصاية القاتلة وقرر تقرير مصيره فانطلق ثائرا سلميا في مارس/ آذار 2011 قبل أن يفرض عليه الأسد الابن التسلح للدفاع عن نفسه

الثورة السورية التي تشد أنظار العالم تعد حدثا مفصليا لأنها تتوج قرابة قرن من تاريخ الشرق الأوسط بعد أن ولدت على أنقاض الإمبراطورية العثمانية وأضحت في نهاية الحرب العالمية الأولى ثمرة تنكر استعماري حال دون تقرير مصيرها، الأمر الذي أدى إلى استقلالها الهش وغير المكتمل عام 1943.

سوريا التي أصبحت أسيرة ضعف إقليمي وطموح قوي رغم محدودية إمكاناتها، وعرفت سلسلة معقدة من الانقلابات، وتجربة وحدوية مع مصر سقطت عام 1970 في يد حافظ الأسد المتآمر العنيد الذي راح يدعي إعادة الاعتبار لسوريا قوية ومهابة في حين لم يدخر جهدا في إرساء نظام دكتاتوري لعب على خلط الأوراق للتغطية على حكم عصابة استولت على البلد بقوة الحديد والنار.

ثورة الحرية وتقرير المصير
الشعب السوري -الذي عانى من حكم "أسد دمشق" الدكتاتوري طيلة ثلاثين عاما، ومن مهزلة التوريث على الطريقة الكورية الشمالية عام 2000 بتعيين الابن بشار على رأس الدولة- لم يعد يتحمل الوصاية القاتلة وقرر تقرير مصيره فانطلق ثائرا سلميا في مارس/ آذار عام 2011 قبل أن يفرض عليه الأسد الابن التسلح للدفاع عن نفسه.

ثورة الحرية التي يقودها الشعب السوري هي امتداد للمسار الثوري الذي عرفته تونس ومصر وليبيا واليمن، لكنها تختلف بخصوصية القمع الوحشي الذي يفرضه نظام الأسد المستمر بفضل السلطة العائلية المطلقة والمناورة باسم أطروحة المؤامرة الأجنبية على بلد الممانعة وقلب العروبة النابض المدعوم من القوى الشيعية الحليفة في إيران والعراق، وروسيا الحليف التاريخي في سياق حرب باردة مستمرة بين القوى الكبرى.

ووفق المؤلف فيليو، لا يكفي للشعب السوري مواجهة نظام الأسد الوحشي بكل ما أوتي من قوة ورباطة جأش وعليه حل عقد التدخلات الإقليمية والأجنبية المذكورة، الأمر الذي يكون قد سمح للمؤلف بالتمهيد لفرضية الحل السياسي الذي أصبح محل شبه إجماع في الشهور الأخيرة.

سوريا مستقبل الشرق الأوسط الجديد
الدولة العلوية التي خرجت هشة وبطريقة تعسفية من رحم مخطط فرنسا الاستعماري عام 1920 وعرفت سلسلة من الأزمات والمواجهات مع إسرائيل وصاحبة النزعة القومية والتوجه البعثي العربي، هي أيضا الدولة التي استفادت منها عصابة وفية لآل الأسد وفرضت رعبا داخليا تغذى واستمر باسم الصراعات الخارجية حتى ساعة وصول بشار الابن الذي عمق بدوره توجه الأب المبدئي رغم خطاب الإصلاحات البراق.

ثورة الحرية التي يقودها الشعب السوري امتداد للمسار الثوري الذي عرفته تونس ومصر وليبيا واليمن، لكنها تختلف بخصوصية القمع الوحشي الذي يفرضه نظام الأسد المستمر

سوريا الحالية التي قرر شعبها أن يصبح سيد مصيره بتضحيات جسام تزداد من يوم لآخر هي سوريا الجديدة التي تولد من جديد وتصنع التاريخ العربي الحديث بعامل الثورة الداخلية التي ستحدد مصير ونوعية مستقبل الشرق الأوسط غير المسبوق في تفاعله مع معطى الموقع الجيوستراتيجي من جهة ومصالح القوى المحيطة به والمشاركة في حرب دولية باردة بالوكالة.

الاعتراف بالثورة السورية من منظور عامل انفجارها الوطني الخالص -خلافا لما يروج له النظام الأسدي المصر على المؤامرة الخارجية- والناتج عن وعي سياسي وثقافي عميق وشعور قوي بالكرامة حقائق ثابتة تؤكدها فصول اليوميات الدامية التي انطلقت في ربيع عام 2011 بتكوين اللجان الثورية المحلية، وهي الفصول التي تحدث عنها المؤلف بروح توثيقية ثاقبة تؤرخ لمختلف التطورات الداخلية والخارجية التي عرفتها الثورة السورية.

ربيع اللجان وشرارة درعا
غطى المؤلف تاريخ الثورة السورية ممهدا لربيع اللجان ولشرارة درعا بنداء يومي الغضب في الرابع والخامس من فبراير/شباط وبمظاهرة أسواق دمشق في 17 من الشهر نفسه.

وتمثل أول تاريخ لتحدي نظام الأسد في السادس من مارس/آذار 2011 بعد إقدام مجموعة من الشبان على كتابة شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" على جدران درعا وأضحى سقوط جدار الخوف على حد تعبير سهير أتاسي ابنة المعارض الراحل جمال أتاسي وأيقونة ربيع دمشق حقيقة مرادفة لبداية ثورة سلمية قابلها نظام الأسد بدموية أكدتها الأحداث والمجازر التي عرفتها الفصول اللاحقة.

سجل فيليو بشكل توثيقي كل تواريخ المظاهرات وأعداد الضحايا في حمص وبنياس ودير الزور ودمشق مذكرا بدور الناشطة المحامية رزان زيتونة والكاتب والسجين السابق ياسين الحاج صالح في دعم ربيع دمشق، ومتوقفا عند ظواهر الموجة الأولى للهجرة الداخلية واستغلال يوم الجمعة للتنديد بنظام الأسد في مظاهرات ضخمة نظمت عقب الصلاة (جمعة الكرامة في 25 مارس/آذار عام 2011) في كل من حماة ودير الزور والرقة واللاذقية ودمشق علاوة عن سلاح تصوير المجازر والقتلى بالهواتف النقالة قبل أن تجد طريقها نحو شاشات العالم.

المقاربة المنهجية القائمة على جرد ضحايا الثورة ووصف المجازر وتحليل التطورات والأحداث السياسية في علاقتها بالمواقف العربية والدولية هي نفسها المقاربة التي عالج من خلالها فيليو نضج الثورة اعتبارا من 15 أبريل/نيسان تاريخ انتشار شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" وامتداد الثورة إلى مدن أخرى، من أهمها حمص (المدينة السورية الثالثة) وإدلب والرستن ومناطق جسر الشغور ومعرة النعمان وتلكلخ.

فصول ومجازر وأمم متحدة مشلولة
استمر فيليو في تغطية الثورة السورية منطلقا مجددا من تاريخ التحول الذي عرفه ما أسماه صيف المدن اعتبارا من مظاهرة الثالث من يونيو/حزيران 2011 التي شارك فيها عشرون ألف متظاهر في حماة وخلفت ستين قتيلا، مرورا باغتيال المطرب إبراهيم كشوش ونزع حنجرته في الرابع من نفس الشهر واقتحام مسجد الشيخ رفاعي في ليلة القدر وانشقاق العقيد رياض الأسعد في الخامس من يونيو/حزيران، وتأسيس المجلس الوطني الحر في الثلاثين من الشهر نفسه.

فشل الجامعة العربية في مهمتها وتعنت النظام السوري مدعوما من الحلفاء التقليديين أعطيا للأسد وفق الكاتب رخصة قتل دون حدود

وأنهى الكاتب وقفته عند صيف المدن مؤكدا على دموية شهر رمضان الذي سقط فيه 360 قتيلا من بينهم 14 امرأة و25 طفلا و28 رجلا تحت التعذيب و113 من جنود الجيش الأسدي، وهو ما حرك الآلة السياسية والدبلوماسية العربية بسحب قطر والسعودية والكويت لسفرائها واقتراح الجامعة العربية خطة للخروج من الأزمة في مطلع الخريف، وخلافا لذلك بقيت الأمم المتحدة مشلولة ومتحججة بالخوف من تكرار السيناريو الليبي تحت وطأة الموقفين الروسي والصيني الأمر الذي شجع الدكتاتور السوري على الاستمرار في القتل على حد تعبير الكاتب.

ثورة ثقافية وفصول ثورية أخرى
بعد تحدثه عن ثورة ثقافية مكنت الشعب المعارض لنظام الأسد من توظيف الغناء والسخرية والرقص كتطهير نفسي جماعي عمق سقوط جدار الخوف والإيمان بثورة الكرامة والحرية أكثر من أي وقت مضى. وعن الدور الذي لعبته الشبكة العنكبوتية وعلي فرزات الكاريكاتيري الشهير الذي تعرض للاعتداء، استمر المؤلف في التأريخ لفصول الثورة ولمواقف وأدوار المعارضة الداخلية والخارجية بكافة رموزها التاريخيين وأصنافها وتوجهاتها.

في هذا السياق شمل حديثه دور لجان التنسيق المحلية واللجنة العامة للثورة السورية، وأهمية رموز معارضة مثل ميشيل كيلو وعارف دليلة وهيثم مناع وحسن عبد العظيم مؤسسي وقياديي اللجنة الوطنية للتغيير الديمقراطي وخصوصية التيار الإسلامي الديمقراطي المستقل بقيادة المحامي الدمشقي المعروف هيثم المالح.

وعمق الكاتب تغطيته لأحداث الثورة وتطوراتها السياسية والدبلوماسية العربية والدولية منطلقا من جديد من خريف المجلس الوطني السوري الذي اتخذ من إسطنبول مقرا له في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول عام 2011 مبرزا خلافه مع اللجنة الوطنية للتغيير الديمقراطي الإصلاحية ومتوقفا عند تهمة وقوعه تحت وطأة الإخوان المسلمين.

ضاعت فرصة حل الأزمة السورية خلال خريف المجلس الوطني السوري نتيجة استمرار النظام في نهجه الدموي مراهنا على انقسام المعارضة ودعم إيران والصين وروسيا للنظام الذي يحاربها، وكان من الطبيعي أن يتوج فصل الشتاء بمجازر مرعبة أخرى وبتلويح بشار بزلزال إقليمي أو بأفغانستان جديدة في قلب الشرق الأوسط الأمر الذي أعطى فعالية ومصداقية لفرضية ضرب استقرار المنطقة العربية، وهو الأمر الذي مكن الرئيس السوري من تقليب الأزمة لصالحه لاحقا كما بينته شهور فصول السنة اللاحقة.

شتاء المجازر
قبول دمشق للجنة المراقبين العرب بقيادة الجنرال محمد الدابي لم يمنع من استمرار مسلسل تبادل التهم بين النظام السوري والمعارضة وبالتالي المجازر المرعبة، وهذا ما أكده شتاء 2011 ومطلع 2012.

زادت عوامل دخول القاعدة على خط مقاومة النظام السوري من خلال جبهة النصرة وأطراف جهادية أخرى كأحرار الشام ودعم العراق وإيران وحزب الله المذهبي في احتدام الصراع الدموي أكثر

وكان عدد الضحايا في كل من حمص ودرعا وجبل زاوية ومعرة النعمان وجسر الشغور مقدمة لشتاء مجازر غير مسبوقة، ووجد الأسد في مقتل 26 شخصا في حي الميدان بدمشق فرصة ذهبية لتأكيد عزمه على استئصال الإرهاب.

فشل الجامعة العربية في مهمتها وتعنت النظام السوري مدعوما من الحلفاء التقليديين أعطيا للأسد -وفق الكاتب- رخصة قتل دون حدود، وما المجازر المرعبة التي عرفها شتاء السنة الجديدة 2012 إلا دلالة منذرة بفصول أكثر دمارا ودموية.

وعوض التجاوب مع مبادرة الانتقال السلمي للسلطة بقيادة فاروق الشرع -كما كانت تدعو الجامعة العربية- زاد الأسد من شراسته وتعنته رافضا المس بالسيادة الوطنية والتدخل في الشأن السوري الداخلي، وعرف الشهر الأول من السنة الجديدة وحده مقتل 1317 في حمص وحماة، وبقي المجلس الوطني السوري منقسما على نفسه بالتزامن مع استمرار المجازر رغم كل مجهودات رئيسه برهان غليون الذي بذل أقصى ما يمكن لتقليص الهوة بين مختلف الفرقاء في المعارضة وعلى رأسهم قادة أعضاء اللجنة الوطنية للتغيير الديمقراطي.

زادت عوامل دخول القاعدة على خط مقاومة النظام السوري من خلال جبهة النصرة وأطراف جهادية أخرى كأحرار الشام ودعم العراق وإيران وحزب الله المذهبي وإصرار موسكو وبكين على مواقفهما وفشل مهمة كوفي أنان لاحقا في احتدام الصراع الدموي أكثر من أي وقت مضى، ولم تلح فصول سنة 2012 التي توقف عندها الكاتب بأي بصيص أمل لانفراج الأزمة المستمرة حتى اليوم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك