عرض/محمد تركي الربيعو

العمل الذي بين أيدينا "النساء والفضاءات العامة في المملكة العربية السعودية" هو في الأصل أطروحة دكتوراه أعدت في معهد الدراسات السياسية في باريس، وهو عمل أنثروبولوجي دقيق حول أنماط الحياة التي تتبناها الفتيات السعوديات الحضريات أو اللاتي التحقن حديثا بمدينة الرياض، بما يفتح الباب على فهم أكبر للعلاقة بين الجنسين كما يعاش فعلا في بلد يعرف تحولا اجتماعيا، لا تتحمل السلطات السياسية والأخلاقية في البلد مسؤوليته بشأنه دائما.

تصف الكاتبة أميلي لورونار -في العاصمة الرياض التي تتصف بفصل كامل بين الرجال والنساء- التطور الذي تعرفه الفتيات السعوديات في فضاءات حضرية: الجامعات ومراكز العمل والمجمعات الاستهلاكية التي تضاعف عددها في المدينة بالتوازي مع التوسع المتنامي والفوضوي في بعض جوانبه بالعاصمة.

-العنوان: النساء والفضاءات العامة في المملكة العربية السعودية
-المؤلف: أميلي لورونار
-المترجم: عبد الحق الزموري
-عدد الصفحات: 480
-الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر
-الطبعة:  2012
وتلاحظ الكاتبة باهتمام الطريقة التي تعتمدها الفتيات السعوديات في الرياض في التفاوض، حول حركة هي عقبة في الأصل، وفي تركيزهن على نشاط مهني يبقى اختيارا إشكاليا، وإن لم يكن كذلك بالنسبة إليهن فهو كذلك على الأقل بالنسبة إلى عائلاتهن، وفي انتهاكهن لـ"خطوط حمراء" تحددها السلطات الأخلاقية الرسمية بكثير من الوضوح.
 
جينيالوجيا الفضاءات المغلقة
ترى المؤلفة بأن الفصل بين الرجال والنساء في الرياض ناتج عن سياسة عامة وضعتها الدولة السعودية في الستينيات. وقد أفرزت تلك السياسة نمو فضاءات عامة مخصصة للنساء وممنوعة على الرجال.

فانطلاقا من الخمسينيات، أدت عملية ارتفاع المداخيل النفطية إلى نزوح ريفي سريع جدا، الشيء الذي بدل الحياة والأعمال اليومية لنساء شبه الجزيرة العربية. فقد كن يسهمن في الحياة البدوية أو القروية بالفعل، في اقتصاد كان فيه تقسيم العمل بين "المنزلي" و"الوظيفي" لا معنى له.

وقد أسهم تطور أجور العاملين الرجال، وكذلك النزوح الريفي في محاصرة النساء في الفضاء المنزلي. ولأن هؤلاء النساء قد تم تهميشهن مرتين في المدينة -فهن لسن من العائلات المقيمة قديما في المدينة من جهة، وأصبحن تابعات للرجال أكثر فأكثر من جهة ثانية- فإنهن يجدن أحيانا حنينا إلى نمط حياتهن الماضية، الذي تعالت عليه النزعة التنموية الرسمية حينها لـ"رجعيته". وغالبا ما تجيش ذاكرة ذلك الماضي أثناء النقاشات المعاصرة حول مكانة السعوديات.

وفي السبعينيات، أدى بروز خطاب الصحوة الإسلامية إلى تعزيز الفصل بين الجنسين من خلال تضاعف المؤسسات الذكورية والمؤسسات النسوية. وهي سياسة أمكن وضعها حيز التطبيق ماليا بالطفرة النفطية سنة 1973. ومنذ ذلك التاريخ أصبح مبدأ الفصل مستمرا ومطبقا بطريقة صارمة من خلال تبني خطاب ديني وقوانين رسمية وفتاوى تعتبر السعوديات محظوظات لأنهن يملكن الحق في عدم ممارسة العمل الوظيفي وهو ما يعزز الطابع الإسلامي للمجتمع.

فضاءات العمل وأوهام الذات
منذ بداية التسعينيات، تم وصف السعوديات من قبل مخططات التنمية، كيد عاملة ممكنة لا بد من "دفعها للعمل" لرفع نسبة تشغيل المواطنين، في إطار إستراتيجية مقاومة البطالة والقائمة على "سعودة" مواطن الشغل وتطوير القطاع الخاص.

وبدأت هذه التوصيات تعرف إجراءات تطبيقية في سياق "الإصلاح" الذي أعلنت عنه الحكومة بداية من سنة 2003، والذي يسوق "للتسامح" و"الاعتدال" في مواجهة "المنحرفين" و"الإرهابيين" وهو يؤكد دور المرأة في المجتمع. وقد ترجمت تلك التحولات الاقتصادية والسياسية عن نفسها عبر فتح تدريجي لأماكن العمل والاستهلاك في وجه المرأة.

في السبعينيات، أدى بروز خطاب الصحوة الإسلامية إلى تعزيز الفصل بين الجنسين من خلال تضاعف المؤسسات الذكورية والمؤسسات النسوية

وانطلاقا من هذه التحولات الجديدة تسعى المؤلفة إلى تسليط الضوء على تناقضات عملية ابتكار أنماط حياة جديدة، وتناقضات الانتهاكات الأنثوية المهيمنة، وانخراط الفتيات السعوديات المتفاوت في الدرجة في أيديولوجيا الاستهلاك و"التنمية الشخصية".

ويتبين لنا من خلال ولوج الفتيات إلى فضاءات العمل، أن العديد منهن أخذن يعدن بناء سيرة متناغمة بفضل الحصول على عمل وظيفي يقسم سيرتها إلى "ما قبل و"ما بعد". وبحسب روايتهن للأحداث فإن الغاية التي تبحث عنها من خلال ممارسة مهنة، الرغبة في معرفة الذات والتنظيم وضبط الأهداف.

وفي هذا السياق غالبا ما يتم الربط بين القطاع الخاص وبين التطور والحرية والتجديد، في حين أن القطاع العام ينظر إليه من زاوية الخمول وعدم الانضباط.

وعلى الرغم من تأكيد الكاتبة على صحة هذه المقارنات ظاهريا، ذلك أن أغلب مواطن العمل في القطاع العمل تعاني من كثير من القيود لتنمية الذات. فإن القيود في القطاع الخاص -برأيها- تكون أكثر خداعا، ذلك أن الشابات الحضريات يكن جاهزات للالتزام بشعارات التقدم والتنافس وإظهار كفاءاتهن باسم الرغبة في النجاح المهني.

على الرغم من أن هذا العمل يعني القبول براتب أقل ووقت أطول -على عكس القطاع العام في السعودية الذي يتميز برواتب عالية وساعات عمل أقل- وبذلك تظهر الطريقة التي تفسر بها الفتيات تفضيلهن للقطاع الخاص، بمفردات النجاح والتطور الذاتي على الرغم من ظروف العمل الأقل امتيازا "مسحة أيديولوجية".

ورغم أن أغلب النساء غالبا ما تستعملن سجل التنمية الشخصية، لكن ذلك لا يمنع طائفة منهن من أن يكون لهن احتياجات مالية. بيد أن هذه المتطلبات لا يتم التعبير عنها بشكل علني من خلال إنكار الفتيات لأية علاقة تربط بين العمل والرغبة المادية.

وبذلك يسهمن من خلال حكاية "اكتشاف الذات" في التطابق مع نموذج الذكورة والأنوثة الصادرة في فترة الريع النفطي. فرجولة السعوديين تتحدد بقدرتهم على إعالة الأسرة وحماية النساء من التعرض للعمل الوظيفي، الأمر الذي ينظر إليه باعتباره مهينا مما يمثل خصوصية سعودية.

 يفسر عمل المرأة قبل كل شيء من أجل انفتاح شخصيتها بما يساهم في شرعنة نشاطات الشابات الحضريات خارج الفضاء المنزلي
وفي سياق مطبوع بعرض مزدهر للاستهلاك مع صعوبة الحصول على عمل براتب جيد، يستفيد نموذج الأنثوية "المهنية" من هذا التراث وذلك بالمعنى الذي يتم فيه تقديم إسهام السعوديات في ميزانية الأسرة باعتبارها تكملة على الرغم من أن الواقع ليس دائما كذلك.

وبعبارة أخرى، فإنه عبر خطاب إجماعي يتعلق بالتنمية الشخصية، يظهر العمل الوظيفي للمرأة غير قادر إلا قليلا على نقض نماذج الرجولة والأنوثة التي يحتفي بها خطاب الخصوصية السعودية. حيث يبقى الرجل هو المسؤول عن ربح المال الكافي للميزانية العائلية بينما يفسر عمل المرأة قبل كل شيء من أجل انفتاح شخصيتها بما يساهم في شرعنة نشاطات الشابات الحضريات خارج الفضاء المنزلي.

اللباس ورمزية الانتهاك
يبين هذا القسم من الدراسة كيف أن الخروق العلنية من قبل الجيل الجديد تسهم في تعديل القواعد الرسمية المبنية على تفسير صارم لتعاليم الإسلام وتشويه صورتها.

ففي داخل الفرع النسائي لجامعة الملك سعود يفرض النظام نوعا من اللباس يحترم القواعد الثلاثة التي أصدرتها "هيئة كبار العلماء" في ما يتعلق بلباس المسلمات في الفضاءات النسائية. فاللباس يجب أن يخفي جسد المرأة (مبدأ الحشمة) وأن يؤكد الهوية الاسلامية (من دون تقليد الغرب) وهوية المرأة (من دون تقليد الرجال).

غير أن الواقع يشير إلى أن أزياء الطالبات أخذت تشهد إبداعا كبيرا لدرجة باتت التنورة السوداء، تجلب النظر بشكل واضح. كما أن أغلب الطالبات أخذن يعتنين بزينتهن وشعرهن، ويضعن نظارات شمسية بحسب الموضة وذلك بهدف اتباع مظهر يدل على الحداثة.

وفي المركز التجاري أخذت تتغير وظيفة العباءة التي تهدف إلى ستر الجسم، من خلال خلق نماذج جديدة منها أكثر نعومة وأناقة وباعتبارها جزءا من مكملات الموضة والزينة.

إذا كان الهامش الذي تعرض للتغيير بسيطا من ناحية قدرته على إنهاء "عدم المساواة" ذات الطابع القانوني بين الرجل والمرأة، إلا أنه ليس بسيطا فيما يتعلق بالحياة اليومية لسكان الرياض من النساء

ومن هنا أخذ هذا الانتهاك لقواعد اللباس -برأي المؤلفة- يغدو بمثابة "انتهاك صامت لليومي". فتكرار هذه الخروقات وإعادة إنتاجها أمام العموم بات ينتج "خللا" في القاعدة ويسهم في تغيير قواعد السلوك في الفضاء العام، ما نتج عنه زحزحة الحد الفاصل بين السلوكيات المقبولة والسلوكيات المرفوضة.

ولذلك تمتلك هذه الانتهاكات إمكانيات للتغيير. فتكرارها كل يوم وإعادة إنتاجها في فضاء مرئي متبادل، ينتج منه اختلال القاعدة ويؤدي تدريجيا إلى بروز مقاييس جديدة لتقديم الذات. وإذا كان الهامش الذي تعرض للتغيير بسيطا من ناحية قدرته على إنهاء "عدم المساواة" ذات الطابع القانوني بين الرجل والمرأة، إلا أنه ليس بسيطا فيما يتعلق بالحياة اليومية لسكان الرياض من النساء.

لكن ما يثير اعتراض الكاتبة أن هذا الانتهاك المتبع من لدن كثيرات من الفتيات والمعتمد على دمج المعايير الاستهلاكية، قد يصبح معرقلا بطريقة أخرى من خلال إنتاج أشكال أخرى من الذات الأنثوية التي تسميها بـ"الأنثوية الاستهلاكية "، حيث تشعر بعض النساء اللاتي لا يستطعن القيام بمثل هذه الممارسات أنهن مقصيات عن هذه الأماكن، وهو ما يساهم في خلق تفاوتات جديدة داخل الفضاء النسوي السعودي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك