عرض/حسين عبد العزيز
يحاول كتاب "السلطة والاستخبارات السورية" رواية تفاصيل العقد الأول من حكم الرئيس بشار الأسد، لا سيما على مستوى توزيع السلطات في المؤسسات العسكرية والأمنية والحزبية والسياسية.

لا يقدم المؤلف قراءة تحليلية للوضع في سوريا، فهذه ليست من مهامه. فقد ركز جهده لمتابعة التغيرات بالسلطة من عام 2000 إلى 2010، وهي تغيرات لا تهدف إلا لضمان استمرار النظام، ومع ذلك يمكن اعتبار الكتاب وثيقة مهمة تؤرخ لهذه المرحلة المهمة من تاريخ سوريا المعاصر.

-العنوان: السلطة والاستخبارات السورية
-المؤلف: رضوان زيادة
-عدد الصفحات: 347
-
الناشر: رياض الريس
-الطبعة الأولى: 2013

ولادة الجمهورية الثالثة وبناء التسلطية
يقسم المؤلف تاريخ الجمهورية السورية إلى ثلاث مراحل: الجمهورية الأولي تمتد من عام 1946 إلى 1958 (عام الوحدة السورية المصرية)، في حين امتدت الجمهورية الثانية من عام 1958 إلى 1963 (عام استلام البعث للسلطة)، أما الجمهورية الثالثة فتمتد من عام 1963 حتى الآن.

يعطي الدستور السوري الذي صدر عام 1973 صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية الذي يشغل أيضا منصب الأمين العام لحزب البعث الذي يعطيه الدستور في مادته الثامنة الحق في قيادة الدولة والمجتمع، إضافة إلى جمعه منصبي القائد العام للجيش والقوات المسلحة ورئاسة القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية.

إن إحدى السمات الرئيسية التي وسمت النظام السوري مع ولادة الجمهورية الثالثة -وفق المؤلف- هي تمركز السلطة في أيدي نخبة ذات أصول عسكرية ريفية، إلى أن استطاع حافظ الأسد تركيز السلطة بشكل هرمي حاد تلعب فيه البيروقراطية دورا حاسما في إلغاء الدور التنافسي التعددي.

ويتابع المؤلف الحديث عن سياق الانتقال من التعددية إلى التسلطية، بالوقوف على الهجرة الكبيرة التي حدثت من الريف إلى المدينة، وما تبعها من انخراط في مؤسسات الدولة لا سيما الجيش الذي يتطلب مؤهلات تعليمية وعملية أقل، وكان من نتيجة ذلك أن ترييف المدينة أدى تدريجيا إلى ترييف السلطة، وهو ما قاد في النهاية إلى تحطيم التقاليد القانونية التي أرستها النخبة الحضرية التي استلمت السلطة بعد الاستقلال.

فمع تسلم البعث للسلطة كان واضحا صعود اللجنة العسكرية داخل جهاز الحزب، وحاول الأسد مع وصوله إلى السلطة توسيع قاعدة المساندة السياسية عبر بناء هياكل مؤسسية هدفها النهائي -وفق المؤلف- ترسيخ النظام الذي يكون فيه الأسد رأس الهرم، أما أضلاعه الثلاثة التي تنتهي إليه فهي: الإدارة الحكومية، الحزب، الجيش وأجهزة الأمن التي أصبح لها اليد الطولى على كافة المؤسسات.

وراثة سوريا من الأب إلى الابن
بدأ حافظ الأسد في عاميه الأخيرين ترتيب مسألة خلافته، فأصدر عام 1998 مرسوما أحيل بموجبه العماد حكمت الشهابي إلى التقاعد وتسلم نائبه العماد علي أصلان رئاسة هيئة الأركان، وهو من المقربين جدا لبشار الأسد، وجرى إنهاء خدمة اللواء بشير النجار من إدارة الاستخبارات العامة، وفي الوقت نفسه رقي أربعة ضباط من رتبة لواء إلى رتبة عماد، وهم: عبد الرحمن الصياد، علي حبيب، توفيق جلول، فاروق عيسى إبراهيم. 

واستكمل الأسد تغييراته الأمنية بإحالة اللواء محمد ناصيف رئيس فرع الأمن الداخلي التابع لإدارة الاستخبارات العامة إلى التقاعد عام 1999، لكن جرى تعيينه فيما بعد معاونا لمدير إدارة الاستخبارات العامة اللواء علي حورية، وأحيل مدير إدارة الاستخبارات الجوية اللواء محمد الخولي إلى التقاعد عام 1999، كما أقصي العماد علي دوبا من رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية، وعين اللواء حسن خليل بدلا عنه، ثم تسلم اللواء آصف شوكت فرع أمن القوات في الاستخبارات العسكرية -الفرع الأكثر نفوذا في الشعبة- كما تمت ترقية بهجت سليمان من رتبة عميد إلى رتبة لواء وتسليمه فرع الأمن الداخلي. 

استتبع الأسد عملية إقالة بارونات النظام بتغيير حكومة محمود الزعبي وتكليف محمد مصطفى ميرو رئاسة الحكومة عام 2000، مصحوبة بقرار الإفراج عن عدد من المعتقلين السياسيين، على أن الخطوة الأهم التي كان يجري الإعداد لها هي عقد المؤتمر القُطري التاسع في 17 يونيو/حزيران 2000 الذي توقع البعض أن يتسلم بشار الأسد منصبا في القيادة القُطرية لحزب البعث، لكن حافظ الأسد توفي قبل أسبوع من انعقاد المؤتمر.

ترك الرئيس بشار الأسد المؤسسات البيروقراطية على حالها مع تغييرات بسيطة، حيث أدخل إلى الجبهة الوطنية بعض الأحزاب الهامشية
في أثناء ذلك، بدأ بشار الأسد عام 1999 القيام بجولات رسمية وعلنية حظيت بتغطية إعلامية كبيرة من الصحافة الرسمية، دون أن يكون قد تبوأ أي منصب رسمي، وتسلم الملف اللبناني الذي سحب من يد عبد الحليم خدام.

وبموازاة هذه الترتيبات رقي الأسد إلى رتبة عقيد ركن، وجرى توجيه رسالة واضحة إلى منافسه -عمه- رفعت الأسد عن طريق إزالة ميناء له في طرطوس، والإعلان عن تقديمه للمحاكمة في حال عودته إلى سوريا.

فور وفاة حافظ الأسد أجرى وزير الدفاع العماد مصطفى طلاس الترتيبات اللازمة لانتقال السلطة، ولعب اللواء آصف شوكت دورا هاما لتأمين الدعم الكافي عسكريا، وكذلك المقدم ماهر الأسد في الفرقة الرابعة ذات المهمات الخاصة.

ترك الرئيس بشار الأسد المؤسسات البيروقراطية على حالها مع تغييرات بسيطة، حيث أدخل إلى الجبهة الوطنية بعض الأحزاب الهامشية مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب العمل الوطني والاتحاد الاشتراكي والاتحاد العربي الديمقراطي.

على صعيد حزب البعث، جرى عام 2005 في المؤتمر القُطري العاشر استبدال جميع الرموز السابقة، بمن فيهم خدام وزهير مشارقة، برجال جدد مقربين من الأسد، كما جرى استقدام عدد من الوزراء من ذوي الخبرات الإدارية والعلمية في المؤسسات الدولية.

وعلى صعيد البرلمان، لم يتم إجراء أي تغييرات فيه على مستوى القوانين المنظمة، وكان الجديد اعتقال نائبين (رياض سيف ومأمون الحمصي) خلال فترة عضويتهما، وعدم مشاركة التجمع الوطني الديمقراطي في الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2003، أما الانتخابات التشريعية الثانية التي جرت عام 2007 فقد أسفرت عن زيادة حصة مقاعد البعث والجبهة الوطنية إلى 170 مقعدا من أصل 250 مقعدا.

من ربيع دمشق إلى إعلانها.. صعود المعارضة
بدأت قصة ولادة مفهوم المجتمع المدني كمدخل لفكرة التحول الديمقراطي من خلال اجتماعات دورية لعدد من المثقفين، ثم تطور الأمر بتأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني، لينفصل بعدها المثقفون في مجموعتين، الأولى سميت لجان إحياء المجتمع المدني، والثانية منتدى الحوار الوطني الذي أسسه رياض سيف.  

بعد سنوات من اغتيال ربيع دمشق، بدأ المثقفون الناشطون التفكير بضرورة الانتقال من المعارضة المطلبية إلى شكل من أشكال العمل السياسي المنظم

أعقب ذلك بيان المثقفين الذي عرف ببيان الـ99 في نهاية عام 2000 الذي دعا إلى إلغاء حالة الطوارئ وإصدار عفو عام عن المعتقلين السياسيين، وإرساء دولة القانون وإطلاق الحريات. 

وجاء بيان الألف الذي أدان فترة حكم البعث ليرفع من حدة النقاش السياسي، ثم تتابع إنشاء المنتديات، كالمنتدى الثقافي لحقوق الإنسان ومنتدى جمال الأتاسي، والتجمع من أجل الديمقراطية والوحدة كحزب سياسي، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب حركة السلم الاجتماعي برئاسة رياض سيف الذي قدم ورقة للإصلاح وصفت من قبل خدام بأنها دعوة إلى "جزأرة" سوريا.

وكانت آخر محاضرة في مرحلة ربيع دمشق لمؤلف هذا الكتاب، حيث عمدت السلطات بعدها إلى إجبار المثقفين على وقف نشاط المنتديات، وجاء الاغتيال النهائي لربيع دمشق في سبتمبر/أيلول عام 2001 مع حملة لاعتقال أبرز الناشطين، طالت رياض سيف ومأمون الحمصي ورياض الترك.

يتساءل المؤلف هنا عن أسباب تسامح السلطات مع هذه النشاطات في البداية ثم الانقلاب عليها، ويذهب إلى أن الغاية الوحيدة من ذلك هي تمرير انتقال السلطة بشكل سلس وهادئ عبر إعطاء شرعية داخلية وخارجية لآلية انتقال السلطة.

بعد سنوات من اغتيال ربيع دمشق، بدأ المثقفون الناشطون التفكير بضرورة الانتقال من المعارضة المطلبية إلى شكل من أشكال العمل السياسي المنظم، فكان إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي الذي ضم شخصيات قومية ويسارية وليبرالية وكردية وآشورية وإسلامية، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2005.

الإخوان المسلمون والديمقراطية
حاولت السلطة السيطرة بقوة على منصب مفتي الجمهورية، وبعد وفاة الشيخ أحمد كفتارو عينت أحمد حسون في المنصب كاسرة تقليدا يقضي باختيار مفتي البلاد من العائلات الدمشقية التقليدية، غير أن حسون فقد مصداقيته عند كثير من السوريين بسبب تملقه للنظام، كما فعل عندما وصف انتخاب الرئيس بشار الأسد بأنه بيعة شبيهة ببيعة الرسول.

ينحصر الحضور الديني في سوريا في شقين، تعليمي ودعوي، وكلاهما يخضعان لوزارة الأوقاف التي يجري تعيين وزيرها بدقة وعناية فائقتين، فبعد وفاة عبد المجيد الطرابلسي الذي كان سابقا أحد ناشطي الإخوان ومن زعمائهم الراديكاليين، جرى تعيين نمط من وزراء تكنوقراط أكثر من كونهم ذوي مرجعية دينية أو فقهية مؤثرة داخل المجتمع.

أحمد حسون فقد مصداقيته عند كثير من السوريين بسبب تملقه للنظام، كما فعل عندما وصف انتخاب الرئيس بشار الأسد بأنه بيعة شبيهة ببيعة الرسول صلى الله عليه وسلم

ومع ذلك اتسعت في سوريا خلال العقدين الأخيرين المدارس والمعاهد الشرعية، وعندما حاولت الحكومة تنظيم التعليم الشرعي عام 2006 عبر إجبار طلابه إكمال مرحلة التعليم الأساسي كشرط لدخول المعاهد الدينية، جرى احتجاج من قبل علماء الدين على هذه الخطوة، فوقع 39 منهم رسالة للرئيس يتهمون وزارة التربية بوضع خطة تآمرية لتجفيف روافد الثانويات الشرعية، ولمح العلماء في الرسالة إلى الحوزات الشيعية التي تتجاهل تعليمات وزارة التربية بهذا الخصوص.

وعد الرئيس الأسد بحل المشكلة على الفور، واتخذت بعدها خطوات لتأسيس كلية الشريعة في حلب ومعاهد الأسد لتحفيظ القرآن، وتأسيس مصارف إسلامية.

لقد أصبح الدين جزءا من إستراتيجية البعث لضمان بقائه في السلطة، وعلى الرغم من عدم وجود خطاب سياسي مواز يحاول استثمار الدين بشكل صريح كما حصل في أكثر من بلد عربي، فإن المواقف والتصريحات السياسية للرئيس وبعض المسؤولين أصبحت تأخذ طابعا أيديولوجيا صريحا من استثمار المشاعر الدينية.

ويمكن القول -والكلام للمؤلف- إن هذا الخطاب أدى إلى عودة المظاهر الدينية بقوة إلى المجتمع السوري المغيب عن السياسة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك