عرض/نزار الفراوي

تنضح الرؤية الغربية للعالم العربي الإسلامي، تاريخا وثقافة وقضايا راهنة، بطائفة من الأفكار الجاهزة والتصورات النمطية المتوارثة، والتي تزكيها الحالة الصدامية المعاصرة، لتنتج تناميا في مشاعر معاداة العرب والإسلام في صفوف النخبة والجماهير العريضة على السواء.

-العنوان: أفكار جاهزة حول العالم العربي
-
المؤلف: مجموعة بإدارة بيار فيرميرين
-
عدد الصفحات: 479
-
الناشر: لو كافالييه بلو  (الفارس الأزرق)
-
الطبعة: أكتوبر 2012

في خضم هذه التصورات التي تمتاح من الجهل تارة، ومن الأيديولوجيا المناهضة لخصم حضاري وسياسي تارة أخرى، ينفسح المجال أمام شريحة وإن محدودة من الباحثين المنصفين الذين يحاولون نقد الأفكار السطحية، وتفكيك مرجعياتها وجذورها التاريخية بهاجس الإخلاص للحقيقة العلمية أساسا، وسعيا إلى تعبيد الطريق وإحداث تغيير في الذهنية الجماعية يسمح ببناء جسور علاقة بناءة ومتحررة من المنطلقات الخاطئة مع عالم عربي إسلامي ما زال "مجهولا" إلى حد كبير خارج حدوده.

في هذا السياق، يندرج مشروع علمي رائد جسده كتاب صدر حديثا في فرنسا بعنوان "أفكار متوارثة حول العالم العربي" عن منشورات "لوكافلييه بلو" (الفارس الأزرق). وهو مؤلف جماعي يتضمن دراسات وأوراق عمل لعدد من الباحثين الغربيين تحت إشراف الباحث بيار فيرميرين، المعروف كمختص في شؤون العالم العربي، وشمال أفريقيا بوجه خاص.

ويؤطر المشرف على الكتاب هذا المشروع ضمن رغبة في تجديد أدوات التعاطي مع عالم عربي صعد إلى واجهة الأحداث العالمية خلال السنتين الأخيرتين (ثورات، انتخابات، توترات...) وبات وجبة يومية لوسائل الإعلام الدولية التي تعبر عن حالة جمع بين الذهول والقلق من مآل تحولات هذا المجال الجغرافي الحضاري.

يتعلق الأمر بكتاب موزع على محاور "موضوعاتية" ترصد قطاعات متعددة لرؤية غربية حافلة بالقراءات النمطية والأفكار المتوارثة لا تخضع للتمحيص الكافي والنقد الموضوعي، من خلال نماذج لمقولات تنصب أحيانا على بديهيات جلية تجد لها صدى مشوها لدى الرأي العام الغربي، وأخرى على مقاربات "علمية" لم تخل من دوافع أيديولوجية أو تحليلات تبسيطية مجافية للحقيقة العميقة للعالم العربي الإسلامي.

والواقع أن الكتاب بنقده لتصورات غربية نمطية، لا يتخذ موقف المدافع عن العالم العربي الإسلامي، ففي مواضع كثيرة، تزكي تحليلات الكتاب بعض المقولات المتوارثة بالقدر الذي تنسب أو تدحض أخرى، إنما ينصرف إلى كشف قصور بنيوي في منظار غربي يرصد أساسا شواهد "الإثارة" و"العنف" في مجال جغرافي حضاري واسع، تكريسا لرؤية فولكلورية جامدة وضيقة.

فمن استعادة محطات تاريخية مفصلية في تاريخ العالم العربي الإسلامي (الحروب الصليبية، الإرث الأندلسي)، إلى تحليل متجدد لقضايا ودوائر جيوسياسية حديثة (حرب الخليج، مسلسل السلام..) وصولا إلى مسألة الحالة العربية بعد الثورة، وموقع الإسلام السياسي في الخريطة السياسية لما بعدها.

انقسمت مواد الكتاب على ستة محاور شملت "التاريخ"، "الشعوب والأمم"، "الدين والمجتمع"، "البترول والتنمية"، "فرنسا والعرب" ثم "الربيع العربي".

وفي ما يلي نماذج من المقولات الغربية النمطية التي انبرى الكتاب إلى تمحيصها والتعليق عليها.

الإسلام كان دائما في حرب ضد الغرب
من هزيمة البيزنطيين إلى غزو الأندلس والسيطرة عليها لمدة ثمانية قرون، ومن معركة بواتييه التي أوشك خلالها العرب على اجتياح أوروبا، إلى تحرير القدس من الصليبيين، ومن الفشل في حصار فيينا من طرف العثمانيين إلى الموجة الاستعمارية، ومن الثورة الإسلامية في إيران، إلى تصاعد قوة التيارات الإسلامية، وصولا إلى هجمات القاعدة، إنها محطات في الذاكرة "المحاربة" التي يختزنها الكثير من الغربيين في استحضارهم لتاريخ العلاقة بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي.

يكتب الباحث الفرنسي بول بالطا إن الذاكرة الجماعية في أوروبا انطبعت منذ القرن السابع بسيطرة المسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي على القدس، وتشكلت أولى الأفكار الجاهزة تجاه "فرسان الله" المسلحين بسيوف منعرجة على شكل الهلال، في مقابل السيف المصمم على شكل صليب.

منذئذ شكلت هذه اللحظة مرجع الصورة العامة للإسلام في الغرب، وزكت موقعه في الذهنية العامة كما في أيديولوجيات النخبوية كعدو رئيس.

ما زال المخيال العربي الإسلامي يحتفظ بذاكرة الموجات الثماني من الحروب الصليبية، بوصفها تجسيدا للوجه العدواني للغرب
في المقابل، يلاحظ بالطا أن المخيال العربي الإسلامي يحتفظ حتى اليوم بذاكرة الموجات الثماني من الحروب الصليبية، بوصفها تجسيدا للوجه العدواني للغرب، كما تتوطد عقدة طرد المسلمين من الأندلس خلال ما يسمى بحروب الاسترداد.

وحين هبت موجات الهجمة الاستعمارية منذ القرن 19، نظرت الشعوب العربية إلى الاستعمار باعتباره استئنافا للحروب الصليبية.

إنها ذاكرة عنيدة ومستمرة، رغم أن العلاقات بين العالمين عرفت فصولا طويلة وهامة من مختلف أنواع التبادل المثمر ووعي المصالح المشتركة، إذ لم تمنع من إبرام تحالفات سياسية قوية كما كان الشأن بين سليمان القانوني والملك الفرنسي فرانسوا الأول، بغرض محاصرة حكام أوروبيين آخرين، مثل أسرة هابسبورغ في عهد شارل الخامس بالنسبة لفرانسوا وقيصر روسيا بالنسبة للسلطان.

العامل الديني حاضر في تشكيل الأفكار النمطية على الجانبين، لكن بول بالطا ينبه إلى أن العوامل المادية المباشرة، وطبيعة السلوكيات السياسية المتواترة أكثر تأثيرا على الأحكام العامة تجاه الآخر.

يتوقف الباحث في هذا السياق عند الصدى "الإيجابي" الذي خلفته هجمات بن لادن على أميركا لدى بعض قطاعات الرأي العام العربي الإسلامي، والذي شكل صدمة لدى الرأي العام الغربي، ليعزو ذلك إلى الإحباط العام من تواصل المأساة في فلسطين والدمار الذي لحق العراق، علما أن جل النخب العربية والإسلامية نددت بهجمات القاعدة، بما في ذلك قيادات إسلامية كبيرة في حزب الله ومؤسسة الأزهر وغيرها، لكن هذه المواقف لم تنل حظها من الانتشار الإعلامي في غرب لا ينصت إلا لما يريد.

الأندلس: العصر الذهبي الذي كان
لدى الرأي العام المسلم، وخصوصا في الأوساط الشعبية وبعض النخب الإسلامية، تكتسي الأندلس طابعا أسطوريا، يحيل حسب الباحث بيار فيرميرين، إلى ذروة قوة العالم الإسلامي وهو يفرض إرادته على أوروبا المسيحية.

إنها رؤية تقابل الواقعة الحضارية التي أفضت إلى تدهور مكانة العالم الإسلامي منذ القرن 19، وبالتالي السقوط في براثن الاستعمار.

من جانبها تنحو الذاكرة الأوروبية إلى تمجيد العصر الأندلسي من منطق التخفيف من عبء الشعور بالإثم تجاه مرحلة الإبادة الجماعية لليهود وفظاعات حرب الجزائر.

تنحو الذاكرة الأوروبية إلى تمجيد العصر الأندلسي من منطق التخفيف من عبء الشعور بالإثم تجاه مرحلة الإبادة الجماعية لليهود وفظاعات حرب الجزائر
إنها مرحلة تبني مرجعية لإمكانية التسامح والتعايش الخلاق بين مؤمني الديانات التوحيدية الثلاث.

ويعتبر الكاتب أن النكسات والحروب التي عرفها العالم في أواخر القرن العشرين، حدت بالكثيرين إلى استحضار "الأندلس السعيدة". موقف يعتبره بيار فيرميرين أيديولوجيا أكثر منه تاريخيا، لأن تاريخ الأندلس غير معروف كما ينبغي.

من جهة أخرى، وإن كانت البلاد قد عرفت سطوع أنوار العلم والفلسفة، ببروز مفكرين عظماء مثل ابن ميمون وابن رشد، ممن انتقل إشعاعهم إلى أوروبا الوسيطية، إلا أن الوجه الآخر لتاريخ "الفردوس" هو إحراق كتب الفيلسوف ابن رشد من قبل الملك يعقوب المنصور والتضييق على ديانات غير المسلمين.

يلاحظ الباحث الفرنسي أن المسلمين يعتبرون الانتصار في معركة السيطرة على القدس نصرا إلهيا، وفي المقابل، يعتبرون فقدان الأندلس عقابا إلهيا.

إنها قراءة ساهم فيها آباء السلفيين منذ نهاية القرن 19. ومقتضى كلامهم: تدهور العالم العربي الإسلامي في الفترة الكولونيالية يفرض العودة إلى أصول الإسلام، إلى أولئك الآباء المؤسسين الذين فتحوا العالم القديم عبر التمسك الدقيق بتعاليم الإسلام.

من هنا فإن الأندلس -حسب الباحث الفرنسي- تحظى بالتمجيد ليس لأنها كانت أرض تسامح بين الديانات الثلاث، بل لأنها كانت تجسيدا للقوة الإلهية التي أنعمت على المسلمين بهذه الأرض المعطاء.
ويخلص من هذا السياق إلى القول إن "الأندلس كتاب يقرؤه كل تيار فكري أو عقدي بالمنظار الأيديولوجي الخاص".

العرب توسعوا بالحديد والنار
في وقت أدى اجتياح البرابرة لروما إلى دخولها في الظلمات إلى العام 1000، فإن الإسلام تقدم بعد المراحل القتالية الأولى، اعتمادا على القوة العقدية للرسالة المحمدية المتمثلة في توحيدية مطلقة تجسدها عبارة "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

ليس ذلك فقط، فبالنسبة للباحث بول بالطا لم يكن الحكام المسلمون يسعون إلى تحول غير المسلمين إلى الإسلام، لأن ذلك يعني "ضياع أموال الجزية".

إنها قراءة نوايا تفصلنا عن زمنها قرون، من جانب هذا الباحث الفرنسي الذي يتوخى مع ذلك قدرا من الموضوعية وهو يسجل أن الكثير من المسيحيين المصريين وأمازيغ شمال أفريقيا اعتبروا العرب مخلصين لهم من سيطرة القسطنطينية، ويفسحون لهم إمكانية الاحتفاظ بدينهم.

ويستعين في هذا الصدد بما كتبه الباحث المتخصص في العلاقات الإسلامية المسيحية، ألان بريسو في كتابه "الإسلام والمسيحية 13 قرنا من التعايش" (1991): "لئن كان دور السيف هاما في غزو الأراضي، فإن دور القرآن كان أهم في كسب النفوس". وكتب أندري ميكيل في "الإسلام وحضارته" (2003) أن الإسلام "بنى مكانته وقوة جاذبيته من خلال قدرته على الاندماج والتأقلم مع التقاليد المحلية للشعوب".

قد تكون إسرائيل نجحت في الإجهاز على عرفات جسديا، لكن موقف عرفات خلال المفاوضات أعاد إليه الكثير من شعبيته التي تضررت خلال مسار التسوية
لذلك تحقق التوسع بين القرن 11 و17 سلميا عن طريق التجار والدعاة "الذين استمالوا إيمان الأمراء والقادة، وتلاهم الشعوب".

حصل ذلك في جنوب الهند والمالديف وسومطرة وماليزيا وجنوب الصين وإندونيسيا وشرق أفريقيا وإثيوبيا والسودان.

عرفات لم يكن يريد السلام
كما أشرنا سلفا، يقدم الكتاب تعليقات متنوعة حول أفكار نمطية لا تقتصر على تاريخ العلاقة بين العالمين العربي والإسلامي، ولا على الجوانب العقدية والسلوكية المثيرة للجدل، بل يغطي أيضا تصورات حديثة عن وقائع أو فصول سياسية حديثة، على غرار الصراع العربي الإسرائيلي.

في هذا السياق، يتوقف الباحث أود سينيول عند الصورة التي روجها الإعلام الغربي على نطاق واسع بتحميل الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مسؤولية انهيار مفاوضات الحل النهائي بين إسرائيل وفلسطين.

وبإنصاف شديد يبرز الباحث أن الدولة الفلسطينية التي قدم صورتها الإسرائيليون في كامب ديفد دولة ذات سيادة محدودة، مفتقرة إلى أي سلطة لمراقبة الحدود، بلا قابلية اقتصادية للحياة، تراب مفتت على ثلاث قطع، مخترق بالطرق الالتفافية، هذا فضلا عن اشتراط إسرائيل أن تؤجر لها السلطة الفلسطينية مساحة واسعة من أراضي الضفة لمدة غير محددة.

أما بخصوص القدس، فإن إسرائيل شددت على السيادة السياسية على الأحياء المركزية للمدينة، وهي مقترحات بعيدة جدا عن قرارات 242 و338، حسب الباحث.

يرى الكتاب أن عرفات كان سيعتبر خائنا من قبل شعبه، لو قبل هذه الشروط التعجيزية.
بعد ذلك، جاء دور أرييل شارون لشيطنة عرفات واتهامه بكل الموبقات، وفي مقدمتها رعاية الإرهاب، وبدأ تفكيك السلطة الفلسطينية وضرب المدنيين لاستفزاز الحركات المسلحة وبالتالي توريط عرفات في دائرة مغلقة، تمهيدا للإجهاز عليه.

يقول الباحث إن إسرائيل نجحت في ذلك جسديا، لكن موقف عرفات أعاد إليه الكثير من شعبيته التي تضررت خلال مسار التسوية.

الربيع العربي أصبح شتاء إسلاميا
في يناير/كانون الثاني 2011، عنونت مجلة "ليكسبريس" الفرنسية إحدى أعدادها بـ"الثورة العربية" مبرزة الآمال التي تفتحها الحراكات العربية في دمقرطة المجتمعات العربية والمغاربية، بعد نصف قرن من الوعود الموءودة والمؤجلة، واتساع نطاق التصورات المسبقة عن عدم استعداد العرب لولوج الديمقراطية، في أوساط شرائح كبيرة من الغربيين.

نتيجة عوامل متضافرة فإن جميع الانتخابات التي جرت في المنطقة منذ العام 2000 أعطت الانتصار للإسلاميين كما حدث بالعراق وفلسطين ومصر وتونس فضلا عن تركيا
في غضون بضعة أشهر وحين بدا أن الفصائل الإسلامية ستكون الأكثر استفادة من تصاعد المد الثوري وبالتالي تصدر المسلسل الديمقراطي، عنونت ليكسبريس: "الشتاء الإسلامي".

هكذا مضت الأصوات الغربية ذات المنظار الأسود إلى انتقاد الآراء الساذجة التي هللت للنصر الديمقراطي، وعادت إلى نشر الأفكار السوداء حول مستقبل العالم العربي تحت راية الإسلام السياسي.

مشكل التقلب في تقدير الموقف في العالم العربي يرجع حسب بيار فيرميرين إلى الجهل بالمفاعيل العميقة لدينامية هذه المجتمعات.

والحال أنه على مدى ثلاثين عاما، عرفت المنطقة ثورات صامتة جسدها التمدن وتفتت البنية القبلية وتمدرس الفتيات والانتقال الديمغرافي.

يلاحظ الباحث أن ظاهرة الصحوة الإسلامية أصبحت مهيمنة في بلدان جنوب المتوسط، وكسبت ود البورجوازية والطبقات المتوسطة.

الجماهرية الواسعة للإسلام السياسي موقف سياسي ضد عدة ظواهر:

أولها الإخفاق السياسي والاقتصادي للأيديولوجيات التي جربتها البلدان العربية بين ليبرالية وقومية وشيوعية واشتراكية وعالمثالثية وغيرها.
وثانيها يتعلق بالتحولات الثقافية والاجتماعية التي تهدد استقرار مرجعيات الناس مما يدفع في اتجاه التمسك بالمرجعيات التقليدية، فضلا عن تزايد الشعور بالإهانة لدى شرائح واسعة من الرأي العام العربي تجاه استمرار مأساة القضية الفلسطينية ووصاية الغرب على النفط العربي.

نتيجة هذه العوامل متضافرة أن جميع الانتخابات التي جرت في المنطقة منذ 2000 أعطت الانتصار للإسلاميين، ناهيك عن المسار المماثل في تركيا.

حدث ذلك في العراق، وفلسطين، ومصر، وتونس، والمغرب. من هنا، يخلص الكاتب إلى أن نسبة انتصار الإسلام السياسي للربيع العربي مقولة مغلوطة. إنها قصة مسار طويل، والربيع العربي لم يفرز هذه النتيجة بل عكسها فقط.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك