عرض/ بدر محمد بدر

يضج العالم منذ سنوات بالشكوى من ارتفاع أسعار الغذاء، وتزايد عدد الجوعى ليتجاوز المليار إنسان، وتضاعف أعداد المرضى بالسرطانات نتيجة للغذاء المسمم، وانتشار المخاوف من المنتجات الزراعية المستنبتة من البذور المهجنة وراثيًا، وأضرار الاستخدام المفرط للأسمدة والمبيدات الكيمياوية على صحة البشر، وعلى التوازن البيئي.

-الكتاب: حروب الغذاء.. صناعة الأزمة
-المؤلف: والدن بيللو
-المترجم: خالد الفيشاوي
-عدد الصفحات: 208
-الناشر: المركز القومي للترجمة، القاهرة
-الطبعة: الأولى/ 2013

وهذا الكتاب يناقش جذور الخلل في نظم الزراعة الحديثة، والمآسي التي جلبتها على نظم الزراعة التقليدية، في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، كما يرصد نضال الفلاحين المثابرين دفاعًا عن تطوير الزراعة المتوارثة، من أجل توفير احتياجات البشر والحيوانات من الغذاء.

والمؤلف هو أستاذ علم الاجتماع بجامعة الفلبين، ومؤسس معهد نظرة على الجنوب، وأحد القيادات البارزة في منظمات الحركات العالمية المناهضة للعولمة، وله العديد من الدراسات بشأن أزمة الغذاء، والأزمة المالية.

ضد الفلاح
والكتاب مكون من سبعة فصول، الأول بعنوان: "رأسمالية ضد الفلاح" وفيه يؤكد المؤلف أن أزمة ارتفاع أسعار الغذاء في السنوات القليلة الماضية، هي بالأساس أزمة إنتاج، ويجب النظر لها في إطار عملية طويلة تمتد لقرون، من إحلال الزراعة الرأسمالية محل الزراعة الفلاحية، وعلى الرغم من سطوة الزراعة الرأسمالية وسيادتها، فإنها لم تنجح في القضاء على الزراعة القائمة على الفلاحين أو المزارع الأسرية، التي بقيت حتى الآن، واستمرت في توفير جزء أساسي من الغذاء.

ويشير أيضا إلى أن الجهود التي بذلت لتشكيل منظمة التجارة العالمية، تعهدت بنشر الزراعة الصناعية، وهيمنة الشركات الاحتكارية العابرة للقوميات عليها، من خلال فرض قواعد ونظم دولية لتحرير التجارة، واحتكار حقوق الملكية الفكرية، لصالح سلاسل الإنتاج المندمجة والمنتشرة على نطاق الكوكب.

ويؤكد المؤلف أن هذا النظام اتبع معايير مزدوجة، استهدفت فرض قواعد وقوانين تحرير التجارة على الجنوب، بينما حافظت على تقديم دعم ضخم لحماية المصالح الزراعية للشمال، وأدت هذه المعايير إلى نزع شرعية المشروع الـ"نيو ليبرالي" ونسف مفاوضات "جولة الدوحة".

وقد أخرجت الأزمة الاقتصادية العالمية مشروع العولمة عن مساره، وبدأ عصر اللاعولمة، حيث تتراجع الآن السلاسل الكوكبية للإنتاج والتوزيع، وفي هذا الإطار قد تتزايد أهمية الزراعة الفلاحية القائمة على المزارع الصغيرة، وتبدو سبيلاً أكثر قبولاً لتنظيم إنتاج الغذاء.

أزمة في المكسيك
ويناقش الكتاب في الفصل الثاني أزمة "انحسار الريف المكسيكي"، مؤكدا أنه يجب النظر إلى أزمة ارتفاع أسعار الغذاء في المكسيك، باعتبارها عنصرا واحدا في سلسلة الأزمات، التي عصفت بالمكسيك في العقود الثلاثة الأخيرة، ووضعتها على حافة الانهيار، وهناك علاقة وثيقة بين أزمة الغذاء، وبين حروب المخدرات، والهجرة الضخمة نحو الشمال.

ويشير المؤلف إلى أن طاقة الزراعة الفلاحية تراجعت في المكسيك، نتيجة برنامج تحرير التجارة في المدخلات والمنتجات الزراعية من جانب الدولة في الثمانينيات، وبسبب اتفاقية تحرير التجارة بين بلدان أميركا الشمالية في منتصف تسعينيات القرن الماضي، التي حولت الأراضي المزروعة بالذرة، من أجل الاستهلاك المحلي، إلى أراض تزرع منتجات من أجل التصدير، وجعلت المكسيك واحدة من البلدان المستوردة للغذاء، وليس لديها ما تصدره من إنتاجها الزراعي.

لقد تولى الـ"نيو ليبراليون" الذين يديرون المكسيك إعادة خصخصة الأرض، وبدعوى زيادة الكفاءة الزراعية، قاموا بطرد ما اعتبروهم فلاحين فائضين عن حاجة العمل في الزراعة، وهم يشكلون حوالي 15 مليونا.

الآن أصبحت الفلبين أكبر مستورد للأرز في العالم، بعد أن كانت حققت درجة كبيرة من الاكتفاء الذاتي من هذه السلعة، طوال فترة الثمانينيات من القرن العشرين

الأرز في الفلبين
ويتحدث في الفصل الثالث عن "صناعة أزمة الأرز في الفلبين"، حيث تشكل الفلبين نموذجا مروعا لكيفية تحويل بلد من مصدر صاف للغذاء، إلى مستورد له بسبب الإصلاحات الـ"نيو ليبرالية" لإعادة البناء الاقتصادي، والآن أصبحت الفلبين أكبر مستورد للأرز في العالم، بعد أن كانت حققت درجة كبيرة من الاكتفاء الذاتي من هذه السلعة، طوال فترة الثمانينيات من القرن العشرين.

وعندما دخلت الفلبين في منظمة التجارة العالمية في منتصف التسعينيات، فرضت عليها التخلي عن نظام الحصص المحدودة لكل وارادتها الزراعية عدا الأرز، وتحول الفلبينيون تدريجيًّا من منتجين، إلى مستوردين لسلعة بعد أخرى.

وساهم وقف برنامج الإصلاح الزراعي وتعثره، في خفض الإنتاجية الزراعية، ونجح كبار ملاك الأراضي الزراعية في إحباط البرنامج، فضلاً عن تخلي الحكومة الفلبينية عن تقديم دعم فعال للزراعة والخدمات الزراعية، واليوم تقبل الحكومة الوضع الذي وصلت إليه الفلبين، كمستورد دائم للغذاء عموما، وللأرز بشكل خاص، ولا ترى الريف عنصرا أساسيا في التنمية الاقتصادية.

تدمير زراعة أفريقيا
ويرصد الفصل الرابع عملية تدمير الزراعة في أفريقيا، حيث يشير المؤلف إلى أن أفريقيا كانت مكتفية ذاتيًّا من الغذاء في الستينيات، أما الآن فهي تستورد نحو 25% من احتياجاتها الغذائية، وأصبحت كل بلدانها تقريبا مستوردا صافيا للغذاء، كما أصبح الجوع والمجاعات ظاهرة متكررة.

وتعاني الزراعة في أفريقيا من أزمة عميقة، أسبابها متعددة وكثيرة، منها الحروب الأهلية وانتشار الإيدز، ومع ذلك فإن السبب الأكثر أهمية، يتمثل في تخلي الحكومات عن آليات السيطرة، وتقديم الدعم للزراعة، في ظل برامج التكيف الهيكلي، الذي خضعت له غالبية البلدان الأفريقية، مقابل المساعدات المقدمة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لخدمة الديون الخارجية لهذه البلدان.

ويقول المؤلف إن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فرضا تطبيق سياسات، أسفرت عن المزيد من الفقر واللامساواة، ودمرت القدرات الإنتاجية الزراعية والصناعية للقارة الأفريقية، والآن يعترف البنك الدولي بأنه دفع الحكومات لخفض تمويلها للإنتاج، وأن سياساته ساعدت على تقويض القدرة الإنتاجية الزراعية.

مشكلة في الصين
ويناقش الفصل الخامس أبعاد وتداعيات الأزمة الزراعية في الصين، حيث يرى المؤلف أن زيادة الطلب الصيني على الغذاء، ساهم بقدر محدود في الأزمة الراهنة لارتفاع أسعار الأغذية في العالم، ورغم ذلك فإن زيادة إنتاج الصينيين من اللحوم فرض خطرا على البيئة، نتيجة لزراعة مساحات واسعة من الأرض في أميركا الجنوبية بفول الصويا، لتلبية حاجات المواشي الصينية المتزايدة من العلف.

ومنذ سيطرة الحزب الشيوعي على السلطة في عام 1949م والصينيون يتبعون سياسة الاكتفاء الذاتي من الغذاء، لكن الصين الآن تتخلى عن هذه السياسة بشكل كبير، والسبب الأول في ذلك يرجع إلى استمرار الدولة في إخضاع الزراعة لخدمة إستراتيجية التصنيع الموجه للتصدير، ونزح الفائض الاقتصادي من الريف وتوجيهه نحو الصناعة، وذلك من خلال فرض ضرائب باهظة وأسعار تفضيلية، على حساب المنتجات الزراعية، وأدى استنزاف الريف إلى زيادة الفوارق بين سكان الريف وسكان الحضر، واضطر الفلاحون للفرار إلى المدن، والعيش فيها كـ"سكان جوالين" وعمالة رخيصة، تشكل القوة المحركة للتصنيع الصيني المتسارع.

والسبب الثاني لتراجع الاكتفاء الذاتي من الغذاء هو تحرير التجارة الزراعية، كشرط لدخول الصين منظمة التجارة العالمية، ونتيجة للتخلص من زراعة ومزارعي القطن وقصب السكر وفول الصويا، أصبحت الصين، وسوف تصبح، أكثر اعتمادا على السوق العالمي للغذاء، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى المزيد من رفع أسعار الغذاء.

الوقود الزراعي
ويتحدث الفصل السادس عن "الوقود الزراعي وأزمة الغذاء" مؤكدا أن استخدام كلمة "الوقود الحيوي" أكثر شيوعا، لما تتضمنه من إشارة لكونه غير ملوث للبيئة، ومصدرا للطاقة لا يحمل أضرارا، لكن الحقيقة أن الوقود الزراعي، شأنه شأن المصادر الأخرى للطاقة، يساهم في رفع حرارة الغلاف الجوي للكوكب، ولا يقدم حلاً لمشكلة المتغيرات المناخية.

الدوافع الحقيقية، التي يتم التستر عليها، في عملية إنتاج الوقود الزراعي، هي الفوائد والأرباح الجمة، التي تجنيها الشركات الزراعية الكبرى والنخبة السياسية

لقد فاقم الوقود النباتي من تزايد أسعار الغذاء في العامين الماضيين (2010، 2011)، إلا أن هناك أكثر من سبب لتفاقم أسعار الغذاء، أهمها وأكثرها جذرية: سياسات التكيف الهيكلي، وتحرير التجارة، وسياسات نزح الفائض من الزراعة من أجل التصنيع، كل ذلك أدى إلى تدمير القطاع الزراعي في غالبية البلدان أو تقويضه على الأقل.

ويمكن القول بأن الدوافع الحقيقية، التي يتم التستر عليها، في عملية إنتاج الوقود الزراعي، هي الفوائد والأرباح الجمة، التي تجنيها الشركات الزراعية الكبرى والنخبة السياسية، فهم المستفيدون وحدهم من التوسع في إنتاج الوقود النباتي، أما التبشير بتنمية مجتمعات صغيرة، وتحسين أوضاع مجتمعات فقيرة، فهو ادعاء غير حقيقي.

المقاومة
وتحت عنوان "المقاومة والطريق نحو المستقبل" يختتم المؤلف كتابه بالفصل السابع الأخير، بالتأكيد على أن مقاومة العولمة في مجال الغذاء، هي نضال ضد مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية، وأن هناك حركات جماهيرية بارزة مثل "عمال بلا أرض" تجتهد في طرح نظام لزراعة الغذاء، بديلاً عن النظام القائم، يتحدى الدعائم والأسس التي يقوم عليها النظام الرأسمالي للزراعة الصناعية، والتأكيد على الاعتماد على الذات في زراعة الغذاء، وحق البشر في اختيار أشكال وأنماط الإنتاج الزراعي المناسب لكل جماعة بشرية، ورفض الزراعة القائمة على الاستخدام الكثيف للكيمياويات أو التكنولوجيا الحيوية، والعدالة في توزيع الأرض، والاعتماد بشكل أساسي على المزارع الصغيرة والمشروعات التعاونية، في الإنتاج والتسويق الزراعي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك