عرض/أحمد محمود 
شهدت التجربة الإسلامية الصاعدة في دوائر السياسة والحكم في مصر ودول الربيع العربي الأخرى الكثير من التحديات، التي وصلت إلى درجة الزلزال، على النحو الذي جرى في مصر من انقلاب على الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي، وما يحدث في تونس من تدافع من جانب القوى الليبرالية والعلمانية، تجاه حركة النهضة الإسلامية، الشريك الأكبر في الائتلاف الحاكم هناك، وغير ذلك من المظاهر.

-العنوان: أزمة الإسلاميين بين الثورة والسياسة
-المؤلف: محمود عبده
-عدد الصفحات: 151

-الناشر: هلا  للنشر والتوزيع
- الطبعة: الأولى
2013 

ومن قبل هذه التحديات التي تكاد في بعض الأحيان تعصف بالتجربة، تنبأت الكثير من الأدبيات التي وُضِعَتْ لتقييم الحدث الذي جرى على مستوى العالم العربي، وكانت له تبعات عالمية عميقة، بالعقبات والمشكلات التي سوف تواجه تيار الإسلام السياسي إذا ما وصل إلى الحكم في مصر والدول العربية الأخرى.
 
نقد التجربة
وتتنوع هذه العقبات بين ما هو خارجي، أي من البيئة المحلية والإقليمية والدولية التي تتحرك في إطارها أحزاب وحركات الإسلام السياسي، وما هو داخلي ذاتي يخص هذه الحركات.

ولقد كان هناك الكثير من أوجه النقد المقدمة لتجربة الإسلاميين في الحكم، وهذا أمر طبيعي وفق سنن التدافع السياسي والحراك الاجتماعي في أي مجتمع، ولكن الغريب أن بعض هذه الانتقادات كانت "استباقية"، أي ظهرت أدبياتها قبل تولي الإسلاميين السلطة، وقبل أن تتاح لهم الفرصة كاملة لتطبيق رؤاهم ومشروعهم، وهو ما يسمى في العلوم السياسية بالتعسف في التحليل واستخراج النتائج.

ومن بين الكتب التي أخرجتها المطابع العربية في مرحلة ما بعد ربيع الثورات العربية، ونجاح الإسلاميين في الوصول إلى الحكم في عدد من دول الربيع العربي، كتاب "أزمة الإسلاميين بين الثورة والسياسة"، للباحث المصري محمود عبده.

الكتاب يقيِّم تجربة الإسلاميين سواء في التعامل بشكل عام مع مستجدات الأحوال في بلدانهم أو في إدارة شؤون الحكم، مع خلفية تاريخية قريبة نسبيًّا، توضح كيف تعاملت الحركات الإسلامية على المستويَيْن الفكري والحركي مع متطلبات التغيير.

والكتاب من النوعية التي أشرنا إليها، كونه أحد هذه الأدبيات التي تعسفت في تقييم تجربة الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي في مصر، فيما بعد ثورة يناير 2011 حيث إنه "تنبَّأ بفشل" الإسلاميين، قبل أن يحكموا.

هناك الكثير من أوجه النقد المقدمة لتجربة الإسلاميين في الحكم، وهذا أمر طبيعي وفق سنن التدافع السياسي والحراك الاجتماعي في أي مجتمع، ولكن الغريب أن بعض هذه الانتقادات كانت "استباقية"

ويعيد الكاتب في هذا الإطار سبب ذلك "الفشل" إلى عدد من المشكلات القائمة على المستوى الداخلي بالأساس للأحزاب والحركات الإسلامية، متجاوزًا بشكل كامل عوامل الممانعة والتدافع الخارجية التي واجهتها هذه الأحزاب والحركات، ليس بعد ثورات الربيع العربي فحسب، وإنما من قبل ذلك بعقود طويلة.

خريطة مفصلة
الكتاب جاء في قسمَيْن، الأول بعنوان "أزمة الفكر السياسي الإسلامي"، والثاني "الأزمة الحركية"، ويتناول فيه عبده بالتحليل أداء حركات الإسلام السياسي المختلفة في الفترة التي تلت خلع الرئيس السابق محمد حسني مبارك، ويرصد مجموعة من الأزمات التي يعانيها الإسلاميون في أدائهم السياسي، وفق رؤيته، مثل غياب المرجعية الواحدة، وأزمة التعامل مع الغرب وإسرائيل.

ويرد الكاتب هذه الأزمات في كتابه، إلى ما وصفه بـ"أزمات بنيوية" في الفكر السياسي الإسلامي، وصَّفها كالآتي: أزمة التاريخ، وأزمة الفقه، وأزمة الشريعة، وأزمة الرؤية الاقتصادية، وأزمة التنظيم.

ويقول عبده في مقدمة كتابه شارحا ما يراه أنه أزمة في إدارة هذه الحركات والأحزاب لشؤون ذاتها وأوطانها قبل وبعد ثورات الربيع العربي، وخصوصا في مصر "كشف تعامل الإسلاميين مع الثورة، حتى من قبل أن تشتعل شرارتها يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011، عن أزمة فكرية وحركية حقيقية يعانيها هذا الفصيل المهم والرئيسي في الساحة المصرية، وهي الأزمة التي شعر بها "الثوار" أكثر من غيرهم، وتكفلت الأحداث والوقائع التالية لتنحي حسني مبارك بالتأكيد عليها".

وفي مقدمته أيضا، يعرض الكاتب خريطة مفصلة للأحزاب والحركات الإسلامية في مصر، ورغم التنوع الكبير في الأحزاب والحركات المنضوية تحت هذه الخريطة؛ يجملها الكاتب في أربعة أقسام رئيسية، الأول هو تيار الإسلام السياسي الساعي لتأسيس الدولة الإسلامية، وقال إن الإخوان المسلمين أكبر فصائل هذا القسم.

القسم الثاني، هو تيار السلفية العلمية، أو ما قال المؤلف إنه تيار الإسلاميين المهتمين بالثقافة الشرعية والمظاهر الاجتماعية للدين، وقال إنهم ظلوا بعيدين عن العمل السياسي حتى ثورة يناير 2011.

السلفية الجهادية
القسم الثالث هو تيار السلفية الجهادية، وهو يرفض العمل السياسي، ويدعو إلى تغيير النظام العلماني القائم في مصر إلى نظام إسلامي، بالقوة والعنف، ويضم الجماعة الإسلامية والجهاد، ولكنه أشار إلى المراجعات التي قامت بها الجماعة الإسلامية في نهاية التسعينيات، ونبذت من خلالها العنف.

الكتاب من النوعية التي أشرنا إليها، كونه أحد هذه الأدبيات التي تعسفت في تقييم تجربة الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي في مصر، في ما بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011

القسم الرابع هو ما أطلق عليه مصطلح "الإسلاميون المستقلون"، وقال إنهم أفراد مثقفون يؤمنون بالفكرة الإسلامية، ولكنهم خارج الصفوف التنظيمية للجماعات الإسلامية المختلفة، بينما مر بعضهم بتجربة الارتباط ببعض هذه الجماعات، ولكنه انفصل عنها بعد مراجعات فكرية.

ولكن الكاتب لم يضف قسمًا مهمًا يلعب دوره في توجيه المجتمع الإسلامي في مصر، وهو المؤسسة الدينية الرسمية، والتي تشمل عددًا من الهيئات، على رأسها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

ولم تتغير هذه الخريطة بشكل كبير بعد ثورة 25 يناير، باستثناء ظهور عدد من الأحزاب السياسية الإسلامية التي تعبر عن تيارات وجماعات كانت قائمة، مثل حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للإخوان المسلمين، وحزب النور، الذراع السياسية للدعوة السلفية.

في القسم الأول من كتابه "أزمة الفكر السياسي الإسلامي"، يروج المؤلف لعدد من الشبهات المعتادة حول الحكم في دولة الخلافة الإسلامية، في مرحلة ما بعد الخلافة الراشدة، ويعطي بعض الأوصاف "المعلبة" و"الجاهزة" في الغالب في الأدبيات والخطاب الإعلامي والأكاديمي العلماني أو "الحكومي" في الكثير من البلدان العربية، حول "الحكم الاستبدادي" الذي ميَّز تاريخ دولة الإسلام.

كما "يعيب" المؤلف على الإسلاميين قيامهم بإدخال العقلية الفقهية التي يتعاملون بها مع أمور العبادة والمعاملات، في تعاملهم مع شؤون السياسة والحكم، ويطلق على ذلك مصطلح "أزمة الفقه"، ناسيا أو متناسيا، أن شؤون السياسة والحكم هي صُلب المعاملات، وأن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، وأنه شامل في أحكامه وتنظيمه، كل شيء.

ويستدعي الكاتب في هذا الإطار، إطار تأكيده أن هناك أزمة في الفكر الإسلامي نفسه، صبغت بصبغتها على الأحزاب والحركات الإسلامية، بعض الأشباح القديمة، التي يستدعيها هواة تشويه المشروع الإسلامي، مثل تصوير الإسلاميين في موقفهم من مسألة الثورة أو الخروج على الحاكم، إما "خوارج" أو "مرجئة"!.

وبشكل عام، فإن هناك مسألة شديدة الأهمية، تستدعي الانتباه، عند الحديث بهذه الصورة عن وجود أزمة في الفكر الإسلامي؛ حيث إنه يطعن في أصل الفكرة، وهو أمر مختلف عن توجيه النقد للأحزاب والحركات الإسلامية التي تعلن أنها تتبنى المشروع الإسلامي، فهذه الأحزاب والحركات قد تقع في خطأ الاجتهاد البشري، ولكن الفكرة نفسها تكون سليمة.

من أهم أسباب "الأزمة الحركية" الراهنة في أوساط الجماعات والحركات الإسلامية في مصر، غياب الشخصيات القيادية الكارزمية المهمة لـ"تصحيح مسار الإسلاميين"

تصحيح المسار
وبطبيعة الحال، فإن القسم الثاني من الكتاب "الأزمة الحركية"، يؤكد على هذه الرسالة التي أراد الكاتب إيصالها، وهي أن "الفساد" في أصل المشروع، وليس في التطبيق فحسب.

فهو عندما ينقل بعض المشكلات الموجودة لدى الأحزاب والحركات الإسلامية في مصر، يذكر "السند الشرعي" الذي ترتكز عليه هذه الأحزاب والقوى عندما تقوم بما تقوم به.

ويصف -ضمن الأزمة الحركية أو البنيوية التي يقول إنها موجودة- هذه القوى والحركات، بأنها براغماتية وصاحبة خطاب متناقض، ويقول إنها تعتمد في حركتها السياسية على الصفقات والاتفاقات، ولا تجد حرجًا في التعامل مع الغرب والكيان الصهيوني.

ويستشهد على ذلك ببعض الحالات التي وقعت فيها إشكالات أثارت حتى الرأي العام الإسلامي في حينه، بعد وصول الرئيس محمد مرسي إلى الحكم في مصر، وخصوصًا بعض السياسات والمواقف التي تبنتها حكومة هشام قنديل والدكتور مرسي، فيما يتعلق ببعض الملفات التي كانت محل اعتراض من جانب الإخوان المسلمين والإسلاميين بشكل عام، في مصر، في فترة حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، مثل العلاقات مع الولايات المتحدة وسياسات مصر الاقتصادية.

ويختم المؤلف كتابه بالتأكيد على أنه من أهم أسباب "الأزمة الحركية" الراهنة في أوساط الجماعات والحركات الإسلامية في مصر، غياب الشخصيات القيادية الكارزمية، التي قال إن وجودها مهم لـ"تصحيح مسار الإسلاميين".

وفي الأخير، فإن الكتاب بحاجة إلى قراءة معمقة، وأدبيات عديدة للرد عليه، حيث إنه اختزل بين دفتَيْه، مختلف الاتهامات والأباطيل التي تروج ضد المشروع الإسلامي والأحزاب والحركات الإسلامية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك