عرض/ عدنان أبو عامر

يصدر هذا الكتاب، فيما بلدان الثورات العربية، لاسيما مصر، تعيش تطورات متلاحقة، حيث يناقش مستقبل الثورات العربية، وأثرها على إسرائيل، وقراءة استشرافية لمدى نجاحها في البلدان العربية، ويمنح تركيزا واضحا في صفحاته للثورة المصرية، ومدى ما شكلته من قلق حقيقي على إسرائيل.

وينشغل الكتاب في فصوله الثمانية بتقييم ما وصفها بـ"الزلازل" العربية التي هزت الشرق الأوسط، في إشارة للآثار المترتبة على إسرائيل، ومدى التبعات المتوقعة من هذه التقلبات الإقليمية عليها، وفرصها في العيش بسلام في المنطقة، فضلا عن الآثار المترتبة على الأمن الإقليمي والعالمي.

التحول الديمقراطي
يقدم البروفيسور "غابريئيل بن درور" الذي يوصف بأنه "أبو العقل الإستراتيجي" في إسرائيل، مسحا زمنيا للثورات العربية، من حيث إنها مجموعة من الانتفاضات الشعبية انطلقت في تسلسل سريع، بسبب ما قال إنها "الأوبئة" الاجتماعية والسياسية في تلك البلدان، وأثبتت هذه الثورات أن الثقافة السياسية في العالم العربي موجودة إلى حد كبير، وهي حقيقة واقعة، مما يعني فشل الأنظمة الاستبدادية طيلة العقود الماضية في إلغائها وتغييبها.

-الكتاب: الربيع العربي وإسرائيل
-تحرير: البروفيسور "أفرايم عنبار" وآخرين
-عدد الصفحات: 245
-الناشر: مركز بيغن-السادات للدراسات الإستراتيجية
-الطبعة: الأولى/2013

ويضيف أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز دراسات الأمن القومي بجامعة حيفا، ورئيس جمعية العلوم السياسية الإسرائيلية، ونشر سبعة كتب ومئات المقالات حول السياسة في الشرق الأوسط، والعلاقات المدنية العسكرية، وتسوية الصراعات، والسياسات العرقية، أن أسباب الانتفاضات العربية اختلفت من بلد إلى آخر، مما يعني أن نتائجها اختلفت بعضها عن بعض، وفقاً للمميزات الأساسية لكل مجتمع عربي، لكنها جميعا اشتركت في نتيجة قائمة حتى صدور هذا الكتاب، وهي أنها تواجه صعوبات كبيرة، وتحديات على الطريق نحو ديمقراطية مستقرة ممكنة في المستقبل القريب.

من جهته، ينتقل البروفيسور "هيليل فريش"، في حديثه من الإطاحة بأربعة من الحكام: مبارك في مصر، وبن علي في تونس، والقذافي في ليبيا، وصالح في اليمن، إلى التبعات المتوقعة للثورات العربية التي أسفرت عن نشوب حرب باردة بين تحالف تقوده السعودية ودول الخليج من جهة، ومحور إيران وحزب الله وسوريا، من جهة أخرى، وهي مواجهة لا تزال سائدة.

في الوقت نفسه، يرى أن الثورات العربية شهدت تراجعا لمكانة العديد من الدول العربية، خاصة مصر، رغم أنها تخوض مرحلة انتقالية من السلطوية المؤلمة إلى حكومة أكثر تمثيلا، بحيث تقترب من النموذجين القائمين في تركيا وإيران، اللتين طالما نظرتا إلى الدول العربية حتى وقت قريب على أنها أتباع "الإمبريالية الغربية"، وفي سبيل ذلك تحالفت هذه الأنظمة العربية مع إسرائيل، لتحافظ على ما وصفها بـ"التصاميم" الاستبدادية، وفي الوقت نفسه كي تبدو قوية إقليميا.

الولايات المتحدة
في سياق منفصل، يقدم البروفيسور "إيتان غلبوع" الخبير في شؤون الولايات المتحدة، ورئيس مدرسة الاتصالات، في دراسته تحليلا نقديا للسياسات الأميركية تجاه الانتفاضات في الدول العربية الرئيسية، بما في ذلك مصر واليمن والبحرين وليبيا وسوريا، حيث يجد هناك فجوة كبيرة بين الخطاب والإجراءات في السلوك السياسي الأميركي، وأثبت أنها تختلف اختلافا كبيرا، حتى في ظروف مماثلة، وتضمنت الإجراءات بعضا من الضغوط الدبلوماسية والسياسية الثقيلة، والتدخل العسكري.

ويرى أن هذا التناقض تسبب بضرر كبير في مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بسبب انكشاف أوجه القصور في النهج الأميركي تجاه انتقال الدول العربية من الاستبداد إلى الديمقراطية في المنطقة.

أما د. ألكسندر بلاي، فقد تطرق لما عده غياب القضية الفلسطينية في خضم الثورات العربية، وفي حين تكافح العديد من البلدان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع الأنظمة القديمة، وبعضها انخرط في حروب أهلية دامية، فإن السكان الفلسطينيين لم يوجهوا أي معارضة لقيادتهم الحالية، سواء كانت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وحكومة حماس في قطاع غزة، وهو استمرار لمنهج "الانتظار والترقب" الذي سار عليه الفلسطينيون طيلة مسيرتهم التاريخية، متوقعا أن الوضع الراهن لا يحتمل أن يبقى على حاله فترة طويلة، رغم أن حماس لديها بالفعل وسائل للوصول إلى السلطة، والسيطرة عليها، من تلقاء نفسها.

التحدي الأمني
الخبير في شؤون الجماعات المسلحة د."بوعاز غانور"، الرئيس التنفيذي لمعهد مكافحة الإرهاب في مركز الدراسات متعددة الاختصاصات بهرتسليا، ذكر أن ما عدها "التغيرات الكونية" التي تحدث في العالم العربي تشكل تحديا أمنيا رئيسيا لإسرائيل وغيرها من الدول الغربية الحليفة، ونظرا للتداعيات السياسية الأمنية أمامها بفعل هذه الثورات يمكن القول إن الصراعات الداخلية في المستقبل ضمن الأنظمة الجديدة ستعمل على تفاقم التهديد الأمني لإسرائيل ضمن عدة مستويات:

المستوى الأول: في المدى القصير، من حيث إن زعزعة استقرار الحكومات العربية قد تساعد في تسهيل الهجمات المسلحة عبر الحدود ضد إسرائيل.

المستوى الثاني: في المدى المتوسط، التي قد تكون عبر هذه الحكومات العربية الجديدة، من خلال قيادتها للمنظمات المسلحة، وفي السير على طريق ذات اتجاه واحد نحو صراع عسكري ضد إسرائيل.

المستوى الثالث: فترات طويلة، من خلال إنشاء الأنظمة الإسلامية الجديدة في العالم العربي التي قد تؤدي لظهور المنظمات الجهادية الجديدة.

عدم الاستقرار الاقتصادي هو السمة الأبرز لدول الربيع العربي، بجانب العديد من المشاكل، مثل بطالة الشباب، والفساد على نطاق واسع، والتفاوت في الدخل

الآثار الاقتصادية
في الفصل المتعلق بالمحور الاقتصادي، يتناول د."غيل فيلر" الأسباب والآثار الاقتصادية للربيع العربي، ويحدد أوجه التشابه بين الشعوب العربية، واكتشافه للقواسم المشتركة التي تسببت باندلاع هذه الثورات: هروب رؤوس الأموال وأهمية السياحة، وهو ما يفسر الاختلافات في نتائج هذه الثورات، متوقعا أن يكون عدم الاستقرار الاقتصادي السمة الأبرز لدول الربيع العربي، بجانب العديد من المشاكل، مثل بطالة الشباب، والفساد على نطاق واسع، والتفاوت في الدخل، محاولا التكهن بما ستؤول إليه الظروف الاقتصادية، ووضع توصيات للمستقبل.

الربيع العربي وإسرائيل
يركز البروفيسور "شموئيل ساندلر"، عميد كلية العلوم الاجتماعية بجامعة "بار إيلان"، والأستاذ الزائر في المدرسة اللاهوتية اليهودية بنيويورك، على التبعات المتوقعة للربيع العربي على إسرائيل، بوصفه له بأنه "زلزال إقليمي"، لأنه أثر على السياسة الداخلية والخارجية الإسرائيلية، معتمدا على الربط النظري لتحليل التفاعل بينهما، نتيجة للانتفاضات الشعبية، وصولا لفحص تأثير "الربيع العربي" على الرأي العام الإسرائيلي، مشيرا إلى أن الحكومة الإسرائيلية بزعامة "بنيامين نتنياهو" تعاملت مع الثورات العربية كمن أبحر عبر مياه غير مستقرة في الشرق الأوسط، بفعل الظروف غير المواتية في الداخل والخارج.

وهو نفسه، ما ذهب إليه محرر الكتاب البروفيسور "أفرايم عنبار"، الذي تناول عبر جملة من النقاط الأساسية الآثار الكبيرة للربيع العربي على الأمن القومي الإسرائيلي، والمتمثلة في: إضعاف الدول العربية الحليفة لإسرائيل، التغيرات في موازين القوى في المنطقة لغير صالح إسرائيل، والانسحاب الأميركي الواضح من المنطقة.

ثم يركز على المخاوف الجديدة التي تهدد الأمن القومي الإسرائيلي، من بينها تصاعد مخاطر التغير السريع والمفاجآت الإستراتيجية، وزيادة النشاط المسلح المعادي، وانخفاض الردع الأمني، وتزايد العزلة الإقليمية، والتهديد النووي الإيراني، مقترحا جملة من النقاط لإبداء استجابة إسرائيل لهذه التهديدات، بما في ذلك توسيع الجيش لمكانته، وزيادة الاستثمار في البحث والتطوير، وإقامة حدود يمكن الدفاع عنها، وتشكيل تحالفات إقليمية جديدة، والحفاظ على علاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة.

مخاطر المستقبل
يكتسب الكتاب أهميته انطلاقا من تأكيده على عدم الاستخفاف بالأهمية الفائقة للثورات العربية على إسرائيل، فقد تواصلت متابعاتها الحثيثة لتطورات الموقف الميداني في العواصم العربية، على مختلف الأصعدة السياسية والأمنية والعسكرية، وطغى المشهد العربي، على مجمل التحركات السياسية الإسرائيلية، الداخلية والخارجية، مؤكدا أن ما يحصل في شوارع القاهرة وتونس وطرابلس وصنعاء ودمشق لم يعد شأنا عربيا داخليا بل إسرائيليا بامتياز!

كما حاول الكتاب الإجابة عن عدد من التساؤلات التي أرهقت الباحثين الإسرائيليين على مدار العامين الماضيين، ومنها: لماذا لم تتوقع الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية الثورات العربية؟ وكيف نظرت إسرائيل لهذه الثورات، ومدى تأثيرها على الواقع الإسرائيلي؟ وإلى أي حد تدخلت إسرائيل في بعضها، لتجييرها خدمة لمصالحها الإستراتيجية؟ وما طبيعة التقدير الإسرائيلي لأثر هذه الثورات على واقع القضية الفلسطينية؟

اجتهد الكتاب في إيراد الآثار السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية لهذه الثورات العربية على إسرائيل، بتطرقه للقضايا التي شغلت صانع القرار الإسرائيلي

إضافة لذلك، اجتهد الكتاب في إيراد الآثار السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية لهذه الثورات العربية على إسرائيل، بتطرقه للقضايا التي شغلت صانع القرار الإسرائيلي، من جهة تقييم الموقف الإسرائيلي للثورات العربية الحاصلة، وأثر الحراك السياسي والميداني في المنطقة العربية على القضية الفلسطينية، والتخوفات الإسرائيلية من تحول الدول العربية من حالة "دول الجوار إلى دول السوار"! فضلا عن آفاق الحرب في المنطقة، والاستعداد الإسرائيلي لها، بفعل الثورات العربية، وتراجع العملية السلمية.

ويصل الكتاب إلى خاتمة مفادها أن الموقف الإسرائيلي من تعاظم "كرة الثلج" رويدا رويدا، وتغير الأنظمة العربية المقربة منها، سيسفر عنه تغير جذري في الموقف الإقليمي، ولن يكون بوسع تلك الأنظمة تجاهل مشاعر جماهيرها فيما يتصل بالعلاقة مع تل أبيب، حتى الدول التي قد لا تتغير أنظمتها بالكامل لاعتبارات معينة، ستضطر لتغيير موقفها من القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي.

ولذلك جاءت محاور الكتاب كما مر معنا موزعة على جملة من التطورات ذات العلاقة بالثورات العربية، ومنها تأثير هذه الثورات على واقع الصراع العربي الإسرائيلي، وإستراتيجيات إسرائيل المتوقعة للتعامل مع الواقع العربي الجديد، ومستقبل القضية الفلسطينية في ضوء التطورات الثورية في المنطقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك