عرض/ وليد الزبيدي

يقدم الباحث اللبناني صلاح الدين الدباغ تعريفا مكثفا بمؤلف الكتاب، لما له من دور بارز في هذه الحركة، مشيرا إلى أن هاني الهندي من طلائع المناضلين والمفكرين العرب الذين كرّسوا حياتهم، بل وهبوها للعمل القومي العربي، وقد ولد في بغداد عام 1927، وانتهى المطاف بالهندي بالعيش في سوريا، بعد أن نُزعت عن عائلته الجنسية العراقية على خلفية مشاركة والده في ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الإنجليز عام 1941.

يتفق الهندي مع غالبية من كتبوا في موضوعة القومية العربية من أن الدعامتين الأساسيتين للقومية العربية هما الوحدة العربية وتحرير فلسطين، ويرى في مسألة الوحدة العربية أنها الركيزة النوعية الأساسية، وهي الأصل والهدف الذي يرجوه ويريده كل عربي، كما يهتم اهتماما كبيرا بفلسطين وتحريرها، ويستشهد بقول المرحوم د. عبد الوهاب الكيالي "في فلسطين عرف العرب قمة التحدي، وعلى أرض فلسطين سوف يتقرر المستقبل العربي".

-الكتاب: الحركة القومية العربية في القرن العشرين (دراسة سياسية)
-المؤلف: هاني الهندي
-عدد الصفحات: 570
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, لبنان
-الطبعة: الأولة/2012

التجربة العربية
قبل ولوج الهندي موضوعه، يذهب إلى بدايات الاهتمام بهذه القضية "القومية العربية"، ويطلق عليها مصطلح "التجربة العربية" التي يرى أنها تعود إلى المحاولات التي بذلها المثقفون والنشطاء العرب في مختلف الأقطار العربية خلال قرابة القرنين الأخيرين، للنهوض من السبات العميق واللحاق بركب الحضارة والتقدم. ويحدد الفترة الزمنية لهذا السبات من أنها تمتد لأكثر من ألف سنة، ابتلت به الأمة العربية.

في سبيل الوصول إلى جوهر القضية التي يتناولها بالبحث والتحليل، يرصد المؤلف الاحتلالات التي تعرضت لها الأقطار العربية، فقد كان أول تلك الاحتلالات قد بدأت في القرن الخامس عشر، وكان البرتغاليون أول من احتل أراضي عربية ، وبعد ذلك الإسبان والعثمانيون وصولا إلى الاحتلالات الفرنسية والبريطانية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى مطلع القرن العشرين، ومن ثم حصول نكبة العرب الكبرى عند احتلال إسرائيل فلسطين عام 1948.

وفي دراسته للتجربة العربية، يخلص إلى أن مصر قد تميزت بأنها قد كانت رائدة منذ أوائل القرن التاسع عشر في محاولة بناء دولة حديثة، وإرساء الأسس للمؤسسات المصرية كالجيش والتعليم والثقافة وبناء اقتصاد حديث، وهو ما دفع بهذا القطر خطوات كبيرة إلى الأمام، أما في الدول العربية الأخرى، فقد شهد القرن التاسع عشر تحركات سياسية وعسكرية كبيرة، مثل ثورة عبد القادر الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وثورة السودان، إضافة إلى ظهور حركات وتيارات فكرية وسياسية ومفاهيم حديثة، مثل الوطنية والديمقراطية وإنشاء مجالس تشريعية، وتيارات دينية كالسنوسية والمهدية، وكذلك انتشار الوهابية وحركة الإصلاح الإسلامي.

جغرافيا، يقول الهندي، إن فكرة القومية العربية قد انبعثت من بقعة صغيرة، هي بلاد الشام، ولم تكن فكرة العروبة ثم فكرة القومية العربية معروفتين حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كما أن ظهورها كان محصورا في وسط محدود جدا من المثقفين.

نهاية الغيبوبة
بعد دراسة الباحث لتجارب القومية في الدول الأوروبية وبعض التجارب الآسيوية، يخصص الفصل الثاني للوطن العربي مختارا له عنوان "نهاية الغيبوبة"، مشيرا إلى أن سكان الوطن العربي يعيشون في أكثر من عشرين دولة وكيان سياسي، تضمهم جميعا مؤسسة إقليمية ضعيفة الروابط والقدرات هي "جامعة الدول العربية" ومعظم هؤلاء ينسبون أنفسهم إلى أمة واحدة، ويقولون بـ"الوجود العربي"، أي أن الهوية السائدة اليوم لسكان هذه المنطقة الواسعة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي هي الهوية العربية.

يرى الباحث أن القرن العشرين قد شهد تبلور فكرة القومية العربية، نظرا لارتباط المفهوم السياسي بكيان الدولة العربية الحديثة، وحتى في بدايات القرن العشرين لم يكن هذا التصنيف أو الانتساب موجودا أو مقبولا، لكن النصف الأول منه شهد انتقالات واضحة ومؤثرة على هذا الصعيد، فقد كانت المفاهيم مختلفة، واتسمت الهوية بسمة "الدولة الحاكمة"، فكانت الهوية "عثمانية" بالنسبة لغالبية سكان المشرق العربي، ويقول الهندي إن كلمة "العرب" لا تُستعمل كثيرا، وغالبا كان المقصود بها "البدو "سكان البادية في بلدان المشرق العربي.

إذا كان مطلع القرن العشرين هو بداية تشكّل وعينا العربي، أليس قرن من الزمان كافيا لتكون أحوالنا أفضل ممّا هي عليه اليوم، ولتزدهر "الدعوة العربية" ؟ أم أن "التركة الموروثة " ثقيلة جدا والسبات كان عميقا؟

في دراسته للحقبة التي أسماها "الصحوة بعد السبات الطويل" وفي الفصل المشار إليه بعنوان "نهاية الغيبوبة" يطرح الباحث عدة تساؤلات، يقول فيها، إذا كان مطلع القرن العشرين هو بداية تشكل وعينا العربي، وبعد هذا الزمن ها هي أحوالنا اليوم لا تسر إلا الأعداء، وما أكثرهم وما أشد حقدهم علينا، أليس قرن من الزمان كافيا لتكون أحوالنا أفضل ممّا هي عليه اليوم، ولتزدهر "الدعوة العربية"؟ أم أن "التركة الموروثة" ثقيلة جدا والسبات كان عميقا، أم أن هناك قوى وعوامل حملت العداء كله لمسيرتنا النهضوية؟ أم أن أهدافنا وغاياتنا أكبر كثيرا من قدراتنا وطاقاتنا الراهنة؟

في محاولة المؤلف الإجابة على كل ذلك، يبحث في أربع قضايا، عسى أن يتوصل إلى الإجابة المقنعة، وبما يفضي إلى إحداث تحولات أعمق وأشمل في حياتنا السياسية، بحيث -كما يقول الهندي- نزداد تجمعا وترابطا، ونحسّن أوضاعنا في اتجاه اتحادي أو وحدوي، وإلا فإن أياما أكثر سوادا وحلكة تنتظرنا.

الجوانب التي يبحث فيها المؤلف هي في الجذور العميقة والتحول التاريخي الكبير، وتحت الراية العثمانية، وخريف الاستبداد العثماني.

وفي محاولة المؤلف الفصل بين "الغيبوبة" والحقبة الجديدة، يخصص الفصل الثالث من القسم الثاني لهذا الموضوع تحت عنوان "بداية اليقظة"، ويقدم بهذا الصدد ستة عناوين، يتناول في أولها بدايات الوعي العربي، الذي يفترض أنه بدأ بالوعي بسوء أحوالنا، بسبب تسلط الغير علينا، وبخضوع هذه الأمة ذات العمق التاريخي لحكم الأجانب، متسائلا، عما إذا أمكننا اعتبار انتفاضات جبل الشوف (لبنان) ضد العثمانيين هي البداية، حيث لم يكن قد مضى عقد واحد على احتلالهم لبلد الشام ومصر، ويتطرق إلى العديد من الأحداث والوقائع المشابهة.

كما يتناول الجوانب التالية: من مصر كانت البداية، مصر وأحوالها في ظل حكم المماليك والعثمانيين، تحولات كبيرة، محمد علي حاكما لمصر وأخيرا تحجيم مصر أم تحجيم محمد علي؟

البدايات حتى الحرب العظمى
يفرد المؤلف القسم الثالث من الكتاب لبدايات القومية العربية، ليبدأ بمسألة النشأة والتكوين، ويبحث في ما أسماه الخطة الإمبريالية العظمى، ثم البذور الأولى، وصولا إلى القومية العربية .. ما هي؟

ويقول في هذا الصدد، للقومية تعاريف ومنطلقات متعددة، ولها مفهوم واسع، فهناك أكثر من تعريف وتحديد لها، ويتوصل إلى أن القومية العربية عقيدة مستمدة من العرب، عائدة إليهم، جامعة لهم، مؤلفة بقواهم الثقافية السياسية والاقتصادية. هدفها تحرير الأمة العربية تحريرا كاملا من النفوذ الأجنبي بشتى مناحيه وأشكاله وصوره وأسمائه.

ثم ينتقل في بحثه إلى الفكرة وأين نشأت وبزغت، مستشهدا في هذا الصدد بقول ساطع الحصري، رائد الفكرة القومية العربية، في محاضرة له عن "نشوء الفكرة القومية في البلاد العربية" إن الدولة العثمانية، بوصفها "دولة إسلامية بكل معنى الكلمة"، عاملت المسلمين العرب معاملة تختلف عن معاملتها للمسيحيين منهم كل الاختلاف، ولهذا السبب كان ارتباط العرب بالدولة العثمانية يختلف باختلاف أديانهم اختلافا بارزا".

ويعطي الباحث أهمية استثنائية في هذا الجانب للعامل الديني، وما تركه ولاء المسلمين للحاكم العثماني وانخراطهم في الجيش وولاؤهم الكامل للسلطنة العثمانية، وأن العرب المسلمين تحت حكم السلطنة العثمانية كانوا ينظرون إلى التاريخ نظرة إسلامية بحتة، كما يزعمون أن الخلافة الإسلامية قد تسلسلت من الراشدين إلى الأمويين إلى العباسيين ثم العثمانيين.

لكن التحول الأهم أن المفكرين المجددين مع بداية اليقظة من السبات العربي الطويل راحوا يتحدثون ويؤكدون "أن سلاطين العثمانيين ليسوا خلفاء شرعيين، وأن الخلافة الإسلامية من حق العرب ويجب أن تعود إلى العرب، وهذه كانت أولى مظاهر الفكرة القومية عند العرب المسلمين. فكرة ممتزجة باعتقاد ديني ومرتبطة بغايات دينية".

تصاعدت القومية العربية في حقبة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وكانت تلك المرحلة مفصلية وانتقالية وذات أهمية بالغة في تاريخ الأمة العربية وتطور مسيرتها النهضوية

بتأسيس الدولة العربية الأولى في الشام بعد الحرب العظمى أي في المناطق التي حررتها قوات الثورة العربية في أكتوبر/تشرين الأول 1918، تكون القومية العربية قد دخلت مرحلة جديدة، كما يرى الكاتب.

أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد تصاعدت القومية العربية في الحقبة الممتدة من العام 1945 حتى العام 1970، عازيا الكاتب ذلك إلى دور الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، ويقول إن هذه المرحلة كانت مفصلية وانتقالية وذات أهمية بالغة في تاريخ الأمة العربية وتطور مسيرتها النهضوية.

لقد زخرت السنوات التي أعقبت الحرب الثانية بالعديد من الأحداث الكبيرة، فقد احتلت إسرائيل فلسطين عام 1948، وأعقب ذلك ثورة يوليو/تموز في مصر عام 1952، وتعرضت مصر للعدوان الثلاثي عام 1956 وجاءت حرب يونيو/حزيران 1967، أما على الصعيد الدولي فقد تصاعدت الحرب الباردة بين القطبين المتنافسين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي).

ألقى كل ذلك بثقل كبير في نفوس ومشاعر العرب مما أوجد مناخات مواتية لانتشار الشعور القومي في الكثير من الدول العربية.

في ختام مؤلفه القيّم، يقول الهندي، "نعيش الآن مرحلة الهزائم والنكسات، خاصة بعد ضياع فلسطين عام 1948، وهزيمة يونيو/حزيران 1967 ثم سقوط العراق بيد الإمبريالية الأميركية في مارس/آذار 2003، ويتساءل، ما عمر التيار القومي العربي؟ ونقارن ذلك العمر القصير -قرن من الزمان- بأعمار الأمم والشعوب التي نهضت وحققت أهدافها في التحرر والوحدة القومية.

المصدر : الجزيرة