عرض/محمد تركي الربيعو 

تسعى أستاذة علم الاجتماع التركية يسيم آرات في هذا الكتاب الصادر عن جامعة نيويورك والمترجم مؤخرا للعربية، إلى تقديم قراءة مغايرة لمسار الانبعاث الديني في تركيا من خلال دراسة الجمعيات النسائية الإسلامية، التي ساهمت في نقل العمل السياسي إلى المجال اليومي للنساء التركيات من خلال تفعيل الحس السياسي لديهن عبر المناسبات الاجتماعية التقليدية مثل حفلات الشاي والأزياء.

ما ساهم في أن تلعب هذه الفضاءات الاجتماعية التقليدية دورا جديدا من خلال تجاوز الحدود بين السياسة الانتخابية الحديثة، والشبكات المجتمعية التقليدية بما سهل ووسع من حدود المشاركة الديمقراطية.

ولذلك يقوم متن هذا الكتاب يقوم على القطيعة بشكل كبير مع المقاربات التقليدية للمجال السياسي والاجتماعي التركي، والذي غالبا ما نظر لمساراته من خلال ثنائيات (ريف/مدينة)(إسلاميين/علمانيين) باتت بمثابة سرديات مهيمنة داخل الحقل المعرفي الغربي والعربي، بينما تبدو هذه الثنائيات من خلال هذه الدراسة باعتبارها قادرة على تقديم قراءة وصفية أكثر منها تفسيرية.

-الكتاب: الإسلام والديمقراطية الليبرالية في تركيا
-المؤلف: يسيم آرات
- المترجم: منى محسن الصاوي
- عدد الصفحات: 206
-الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر
-الطبعة: الأولى/ 2013

نساء الجمهورية والإسلام
تسعى الكاتبة في مقدمة دراستها إلى تقديم خلفية تاريخية لأحوال النساء في ظل التحول السياسي الذي حدث في الجمهورية التركية الحديثة، وأخذ يتجه بعيدا عن الدين من خلال علمنة الدولة والمجتمع بشكل راديكالي.

فعلى الصعيد السياسي اعتمدت الدولة على مجموعة من الإجراءات كما في القانون الذي أقر عام 1926 وجاء بديلا للقانون العثماني السابق والقائم في جوهره على الشريعة، وذلك من خلال منع تعدد الزوجات وتعديل حقوق المرأة فيما يتعلق بالتركة العائلية وغيرها من الإجراءات التي تساهم في صياغة شكل جديد للعلاقة بين الجنسين.

بيد أن قواعد الإجماع حول الواقع النسوي الكمالي أخذت تشهد مع بداية الثمانينيات حالة من التفكك، وذلك بحكم التحولات التي بات يشهدها الواقع المجتمعي في شروط إدراك العلمنة، وذلك وفقا لمسارين متمايزين:

الأول: تمثل في بروز جيل جديد من المتعلمات من بنات سيدات الجيل الأول للجمهورية، اللاتي طالما شعرن بأنهن مدينات للكمالية بسبب الفرص التي وفرها لهن برامجها التحديثية. ولذلك وعكس أمهاتهن، أخذن الفرص المتاحة كمعطى وركزن على نقاط الضعف في هذا النظام من "العلمانية المقيدة" من خلال الدعوة إلى إدخال تعديلات جوهرية على القوانين البالية لعلمانية العشرينيات، كما سعين إلى نقد أفكار الآباء المؤسسين للجمهورية الذين قاموا بمحاكاة الغرب دون تطبيق الليبرالية.

أما المسار أو المنعرج الاجتماعي الآخر، فقد ظهر من خلال شرائح كبيرة من النساء ممن تلقين تعليما علمانيا جعلهن على استعداد للانخراط في الحياة المهنية داخل المجال العام، بيد أنهن في الوقت نفسه أبدين تأثرا بالإسلام من خلال تغطية رؤوسهن وسعيهن إلى البحث عن بديل فكري مغاير للعلمانية.

غير أن ردة فعل الدولة تجاه هذه التحولات ترجم من خلال فشله في تقديم نموذج وظيفي يساهم في إلحاق الفتيات وهن يرتدين حجابهن داخل مجال الحقل العام، مما دفعهن في ظل هذا التهميش إلى الانخراط في لجان السيدات التابعة لحزب الرفاه الإسلامي الذي أبدى قدرة كبيرة على احتواء واستثمار قدراتهن المهنية، بدل أن يكون خيار ربة المنزل أفضل الخيارات المتاحة لهن في المستقبل.

الإسلاميات والشبكات الاجتماعية التقليدية
بعد تقديم هذا المدخل التاريخي للتغيرات التي جرت في عالم النساء داخل تركيا، تسعى الباحثة وبحكم اعتمادها على أدوات الأنثروبولوجيا السياسية إلى تتبع دور النساء داخل مؤسسات حزب الرفاه الإسلامي، وإلى  التعرف على الإستراتيجيات البديلة لهؤلاء النسوة من خلال بعض الشبكات والأساليب المجتمعية التقليدية للتواصل الاجتماعي، مثل أيام الاستقبال وحفلات الشاي.

بيد أن المثير للاهتمام -برأي المؤلفة- أن هذه التقنيات السياسية الجديدة في تعبئة النساء المهمشات  لم تجر من خلال الأيديولوجيا الدينية، بل من خلال حرص النساء في لجان السيدات على نسج سياسات لا مركزية حول الحقائق الاقتصادية والثقافية المتنوعة للبيئات المحلية.

ففي إسطنبول وفي الأحياء التي يقطنها المهاجرون الجدد، تحدثت الناشطات في الحزب عن نقص الخدمات والاحتياجات المادية، مثل الطرق غير الممهدة والمدارس غير المفتوحة والعيادات الطبية غير المجهزة.

قدمت أعضاء حزب الرفاه الكثير من الخدمات مما أدى إلى توطيد العلاقات والصلات مع المجموعات العلمانية التي ضمت عددا كبيرا من المطربات والنجمات البعيدات كل البعد عن الدين

بينما في المقاطعات "الأغنى" نظمت اللجان عرضا للأزياء الإسلامية في أشهر كازينو يقوم فيه عدد من النجوم والمغنين بإحياء الحفلات، وذلك لجذب انتباه الأخريات غير المهتمات بالحزب عبر إثارة فضولهن لحضور عرض للأزياء في الكازينو، وعن طريق القيام بحوارات جانبية حول السياسات الاقتصادية ونسبة التضخم وقضايا حقوق الإنسان.

ومن ناحية أخرى كانت للطقوس والشعائر المحلية التي لها أساس في الدين والثقافة داخل تركيا دور حيوي ضمن أنشطة لجان السيدات. ففي حالات استقبال مولود جديد أو في حالات الزواج أو الوفاة والتي تغلب عليها الشعائر الدينية، عادة حاولت اللجان الاستفادة من فرص التواصل الاجتماعي التي تقدمها هذه الأعراف القائمة والمبنية على الدين.

وفي هذا السياق فإن الطبقات التي تتضمن البرجوازيين والبيروقراطيين والمفكرين، غالبا كانت تراعي هذه الأعراف رغم الجذور الدنيوية التي تسير عوالمها، مع ذلك كان أداء بعض الطقوس مثل تلاوة القرآن عقب إجراءات الجنازة غير معلومة أو ممارسة في بيئاتهن العلمانية.

وفي هذا الإطار عرضت أعضاء حزب الرفاه تقديم هذه الخدمات، مما أدى إلى توطيد العلاقات والصلات مع المجموعات العلمانية التي ضمت عددا كبيرا من المطربات والنجمات البعيدات كل البعد عن الدين. مما ساعد على التواصل مع الآخر وعلى بناء صورة توافقية ليس فقط في لجان السيدات، ولكن على صعيد الحزب عموما، كما ساهم في إيجاد قنوات اجتماعية بديلة للقاء العلماني والديني من خلال الاحتكاك المدني البعيد عن حقول السياسة.

اللباس واللسان والسياسة
ترى الباحثة أن دور النساء داخل شبكات حزب الرفاه لم يقتصر على تنويع خطابه، وإنما شمل ذلك السلوك واللباس أيضا، إذ أدركت العديد من الناشطات المحجبات أن الأفراد عادة يحتفلون بالأعياد الدينية مثل الاحتفال بالعام الجديد بشيء من البهجة يضاهي الاحتفال بالأعياد الدينية. ولذلك قمن بتنظيم أنشطة للعلاقات العامة من خلال إعطاء الأولوية للاحتفال بهذه المناسبات الدنيوية، حيث رأين أن عملية تغيير النساء تتطلب منهن أولا أن يقبلنهن على حالهن ويحترمن آراءهن وإلا فلن يستمع أحد لهن.

ولذلك كانت الناشطة التي تذهب إلى أحد المنازل في أثناء الاحتفال بعيد الأم ترتدي مثل ما يرتدي معظم من يقطن هذه المقاطعة ذات النفس العلماني، عبر خلع المعطف الإسلامي الطويل وتغييره لبذلة طويلة وحجاب متناسب بشكل أفضل مع عالم الموضة والاستهلاك. وبذلك ترتدي لباسا إسلاميا وفي الوقت عينه تتخذ مظهرا دنيويا في اللباس لغاية جذب النساء في البيئات العلمانية.

وفي ما يتعلق بلغة التواصل الاجتماعي، فقد كانت الناشطات حريصات على انتقاء كلمات تركية خالصة لا تتخللها مفردات من اللغة العربية. فعندما تأسست الجمهورية هدفت الكمالية إلى إنهاء سلطة الإسلام وكسر شوكته في عقول الشعب التركي من خلال إصلاح لغوي جوهري يقوم على استبدال الأبجدية اللاتينية من الأبجدية العربية لأجل تنقية اللغة التركية المعاصرة من الآثار العثمانية.

كانت المرأة الممثلة عن حزب الرفاه عندما تقرع باب إحداهن تلقي التحية بقولها "صباح الخير" بدلا من "السلام عليكم"، وبذلك تكون واحدة منهن وليست شخصا يخاف منه

ولذلك بات التكلم باللغة التركية الخالصة يرمز إلى احترام التحديثات الكمالية وأهدافها، ويعني كذلك أن الشخص المتحدث بذلك لا يمثل تهديدا لقواعد الجمهورية الصعبة. ومن هنا كانت المرأة الممثلة عن حزب الرفاه عندما تقرع باب إحداهن تلقي التحية بقولها "صباح الخير" بدلا من "السلام عليكم" التي غالبا تستخدم بين الجماعات المتدينة التقليدية في تحية بعضهم بعضا.

وهكذا تكون الناشطة واحدة منهن وليست شخصا يخاف منه، دون أن تعتبر أن في الأمر نفاقا أو مكرا بل تعبيرا عن فهم للعالم الذي تنتمي إليه من تحاول جذبهن إلى الحزب.

وأخيرا ما تسعى هذه الدراسة لقوله، هو أن أصل الخلاف الذي حدث في تركيا خلال العقدين السابقين، لا يمكن اختزاله في عودة دراويش الطريقة المولوية إلى إدارة جسد الدولة العلماني, بمقدار ما يعبر عن حقيقة مفادها أن اختلالا كبيرا أخذ يؤثر في هيكل العلمانية الكمالية من خلال التطورات التي شهدها المجال السياسي، والذي تمثل في عودة الخاص واليومي إلى فضاءات الحقل العام .

وأن في مقابل هذا التحول في علاقة الدولة بالمجتمع المدني، برزت معادلة جديدة إزاء التغيرات في شروط التعبير عن الإيمان والذي بدأ يظهر بشكل عميق من خلال رمزية الحجاب الجديدة ذات المنحى الثقافي والاجتماعي المغاير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك