عرض/ حسين عبد العزيز

التجربة الدستورية في الدولة القوية تحدد ملامحها الدولة وليس المجتمع، حيث تنفرد الدولة بصنع الخيارات الدستورية، متولية وحدها الإجابة عن أسئلة من قبيل: هل ينبغي أن يكون للدولة دستور؟ وما نوع هذا الدستور؟ وما الوقت المناسب لإصداره؟ وكيف تتم صياغته؟

وفي سعي المؤلفة الإجابة عن هذه الأسئلة، تبحث الدراسة في الخيارات المحورية التي رسمت ملامح تجربة عُمان الدستورية، عبر فهم هذه التجربة في سياقها التاريخي والسياسي، معتمدة على نظرية جويل ميغدال للدول الضعيفة والمجتمعات القوية كإطار نظري لهذه التجربة.

-الكتاب: التجربة الدستورية في عمان
-المؤلف: بسمة مبارك سعيد
-الصفحات : 271
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2013

يبحث الكتاب في التجربة الدستورية في عُمان، وفي الأسباب التي حالت دون وضع دستور للبلاد حتى وقت متأخر، ثم الأسباب التي دفعت إلى إصدار النظام الأساسي عام 1996، مع تحليل مضمون هذا النظام وحدوده، ودور الربيع العماني في تعديله عام 2011.

عمان الدولة القوية
خلال حكم سعيد بن سلطان (1807 ـ 1856) برزت عُمان كقوة بحرية كبرى، حيث امتدت إمبراطوريتها إلى المحيط الهندي، غير أن هذا الازدهار بدأ بالتراجع مع حظر بريطانيا تجارة الرقيق بداية القرن التاسع عشر في المناطق التي تسيطر عليها عُمان في شرق أفريقيا.

ومع نهاية القرن الـ19 انهار الاقتصاد وهاجر الكثيرون إلى شرق أفريقيا، وقاد الاستياء المتنامي في داخل عُمان إلى نداءات عديدة بإحياء الإمامة الإباضية التاريخية، وبالفعل أسست القبائل الإباضية من جديد الإمامة عام 1913 الأمر الذي تسبب بمواجهة عسكرية مع حكام البلاد، انتهت بتوقيع اتفاق المسيب الذي يعطي السلطان فيصل بن سعيد حكم مسقط والساحل، ويعطي الإمامة السيطرة على الداخل.

ومع اكتشاف النفط عادت الأزمة بين الجانبين مع رفض الإمامة عمليات التنقيب في الداخل عن النفط، في وقت يسعى السلاطين إلى الاستفادة من النفط لتعزيز الاقتصاد، تلاقت مصالح حكام البلاد مع البريطانيين الذين دعموا السلطان في القضاء على الإمامة، وبالفعل تم ذلك عام 1959، واسترد السلطان سعيد بن تيمور سيطرته على الداخل، لكنه لم يستوف شروط ميغدال للدولة القوية لعدم قدرته على اختراق المجتمع بحسب ما تنقل المؤلفة عن الباحثة إلهام المانع.

في عام 1970 أطاح السلطان قابوس بن سعيد حكم والده بمساعدة البريطانيين، وقام على الفور بتأسيس مجلس استشاري يرأسه وزير الدفاع ودعي عمه طارق بن تيمور للعودة من منفاه ليشغل منصب رئيس الوزراء ويضع أساس الحكومة الجديدة، كما دعي العمانيون في المنفى للعودة، وأنهيت القيود على الحركة، وأعلنت خطة تنموية طموحة، تم من خلالها تحقيق نمو لافت، لكن الدولة الحديثة في الوقت نفسه، لم تعاود النظام القبلي أو تلغ وجوده، بل حاولت استغلال تراث البلاد القبلي لبناء شرعيتها الخاصة وضمان حكمها.

النظام الأساسي للدولة
تولد الدساتير عادة في لحظات تاريخية من حياة الأمة، إما بعد الاستقلال أو بعد ثورة، أو بعد حكم جديد، لكن الدستور في حالة عُمان -بحسب المؤلفة- قُدم في توقيت يبدو اعتباطيا في الظاهر ومن دون مقدمات أو أحداث، فقد كان من المنطقي أن يقر الدستور بعد تولي السلطان قابوس مقاليد الحكم عام 1970، لكنه انتظر 26 سنة لإصداره.

تحاول المؤلفة في هذا الفصل توضيح أسباب التأخر في إصدار دستور عماني إلى:
- الشعب غير مستعد: أحد أهم الأسباب التي استند إليها السلطان في رفض مسألة الدستور، هو عدم جاهزية الشعب لهذه الخطوة، مستندة إلى ما نقل عنه في بداية حكمه أن صياغة دستور وتأسيس نظام برلماني سيكون خطأ كبيرا، لأن معظم الناس لا يعرفون ما يعني التصويت، وبعد 26 سنة قال قابوس إن " .. التغيير لا بد أن يأتي شيئا فشيئا، كان على المستوى التعليمي أن يبلغ نقطة معينة حتى يدرك الناس ما كنا نتحدث عنه".

لقد اعتقد السلطان أن افتقار الناس للتعليم الكافي سيفرغ الدستور من معناه، لكن هذا الرأي -بحسب المؤلفة- أغفل نقطتين هامتين:
1- الدستور في الأساس إعلان قانوني لنظام الحكم، والمبادئ التي توجه سياسات الدولة، ولا شك أن المثقفين سيستفيدون من هذه الوثيقة، لكن هذا لا يعني أن الشعب الأقل وعيا سيُفقد الدستور قيمته إذا ما التزمت الحكومة باتباعه.

2- إصدار الدستور في ذلك الحين كان سيسرع من تطور البلاد السياسي، ويرفع من مستوى الوعي لدى الناس.

كانت عُمان تمر بوضع سياسي حرج لم يهدد سلطة قابوس فحسب، وإنما حكم أسرة البوسعيد كلها، مما جعله يتردد في التنازل عن شيء من صلاحياته

- التخلخل السياسي الحرج: كانت البلاد تمر بوضع سياسي حرج لم يهدد سلطة قابوس فحسب، وإنما حكم أسرة البوسعيد كلها، فالجنوب كان مشتعلا بنيران الثورة الظفارية، بينما كانت الإمامة ناشطة في الخارج وتحاول حشد قواها للهجوم، وهذه العوامل -وفق المؤلفة- جعلت قابوس يتردد في التنازل عن شيء من صلاحياته.

- المجتمع القبلي: لم يكن هناك ضغط شعبي حقيقي يجبر السلطان قابوس على تقديم تنازلات سياسية، ولم يألف المجتمع العماني فكرة الحكومة الحديثة، حيث كانت غالبية الناس مهتمة بنتائج سياسات الحكومة والفوائد المباشرة.

- البعد الدولي: بحلول منتصف التسعينيات كانت عُمان بين الدول القليلة في العالم التي لم يكن لها دستور مكتوب، وعلاوة على ذلك مارس الغرب ضغوطا كبيرة على الدول العربية والخليجية لدمقرطة أنظمتها، وفي ظل هذه الظروف كان الإبقاء على فجوة الدستور يضر على نحو متزايد بصورة النظام كحكومة قانونية حديثة.

عملية صياغة الدستور
في حالة الدستور العماني، لم يسمح بالمشاركة الشعبية في أية مرحلة من مراحل العملية، ولم يسمح بوجود رقابة عامة عليها، فقد كانت العملية أبعد ما تكون من الشفافية أو الديمقراطية، الأمر الذي أثر في محتوى الوثيقة وعلاقتها بالشعب وفي الواقع السياسي للدولة.

فوفقا للنظام الأساسي منحت السلطة التنفيذية نفسها صلاحيات غير محدودة، وتجنبت إيجاد آليات رقابة على أدائها، وبقي الشعب معزولا عن عملية اتخاذ القرار.

وقد ساهم غياب التجربة البرلمانية وضعف المجتمع المدني، واحتكار السلطة للمشهد السياسي، في جعل عملية صياغة الدستور مغلقة إلى حد بعيد، وهو ما انعكس مباشرة في عجز الدستور عن توفير حماية كافية للحقوق والحريات الأساسية، وفشله في تقييد صلاحيات الحكومة، وإيجاد رقابة قضائية فاعلة.

المعارضة وبدايات التغيير
في أواخر عام 2009 قدم بعض المثقفين عريضة تطالب بصياغة دستور تعاقدي للبلاد، وفي يناير/كانون الثاني 2011 خرج مئات المحتجين إلى شوارع مسقط في مسيرة أطلقوا عليها اسم المسيرة الخضراء، مطالبين بتعيين رئيس للوزراء وبتوسيع صلاحيات مجلس الشورى وعزل بعض الوزراء، وتحسين مستوى المعيشة.

واستجابة لهذه المطالب، أمر السلطان بتعديلات وزارية شكلية تبادل فيها الوزراء حقائبهم، وفي شهر فبراير/شباط خرجت مجموعة من العاطلين عن العمل في صحار احتجاجا على أوضاعهم، ثم ما لبثت المظاهرات أن تحولت إلى اعتصامات ضمت الآلاف ممن خيموا في الشوارع في صحار ومسقط وصلالة وصور، الأمر الذي دفع السلطان للتدخل مباشرة، حيث أمر بوقف العنف ضد المتظاهرين، وأصدر مرسوما بتوفير خمسين ألف وظيفة، وإقالة 12 وزيرا بارزا، وإجراء تعديلات دستورية من دون مشاركة شعبية أو استفتاء عليها، لتقضي بـ:
-تعديل آلية الخلافة، بحيث يمنح القضاء ومجلس الشورى دورا محدودا فيها.
-توسيع صلاحيات مجلس عُمان التشريعية والرقابية.

وفي خطوة لاحقة، أعاد السلطان تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، ليمنحه استقلالية أكبر عن السلطة التنفيذية، ونقل تبعية المحاكم والاعتمادات المالية من وزارة العدل إلى مجلس الشؤون الإدارية برئاسة المحكمة العليا، ليستقل القضاء إداريا وماليا عن وزارة العدل.

خاتمة
بدأت المؤلفة كتابها بفرضية أن في الدول القوية التي تتمتع بسيطرة اجتماعية عالية، تكون التجربة الدستورية مصاغة كلية بما يتناسب مع رغبات الدولة ويحقق مصالحها.

التغيير الدستوري ليس ممكنا إلى أن تضعف سيطرة الدولة الاجتماعية وتبدأ القوة بالانتقال من الدولة إلى المجتمع، هنا تجد الدولة نفسها مضطرة إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة

وعليه، لن يكون التغيير الدستوري ممكنا إلى أن تضعف سيطرة الدولة الاجتماعية وتبدأ القوة بالانتقال من الدولة إلى المجتمع، هنا تجد الدولة نفسها مضطرة إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة، واستطاعت السلطة إقناع المجتمع بخطابها مستندة في ذلك على ثلاثة عوامل:

- احتكارها واستغلالها للإعلام والتربية ومؤسسات المجتمع المدني.
- قدرتها على تقديم حوافز اقتصادية جذابة وتنفيذ خطط تنموية.
- القيادة الكارزمية ممثلة بشخص السلطان قابوس.

وتتساءل المؤلفة هنا، كيف يمكن استشراف مستقبل التجربة الدستورية في عمان؟ وتقول إن المستقبل يحمل إجابتين:

- تزداد قوة الدولة وسيطرتها الاجتماعية، بعد الضعف الطارئ الذي عكسته أحداث الربيع العماني عام 2011، وبالتالي تعود إلى كونها المتحكم الأوحد في مسار التجربة السياسية.

- يزداد ضعف الدولة وتقل سيطرتها الاجتماعية، وتجد نفسها عاجزة عن بسط احتكارها على مسار التطور الدستوري.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك