عرض/عدنان أبو عامر

يقدم الكتاب مسحا تاريخيا عن الآثار والنتائج التي أسفرت عن هجرة مليون يهودي من الاتحاد السوفياتي السابق إلى إسرائيل بين العامين 1990 و2010، وهو ما أسهم بدور كبير في تغيير وجه الدولة، خاصة على صعيد التزايد السكاني، للرد على ما يعده المؤلفان "القنبلة الديموغرافية الفلسطينية".

وتكمن خصوصية الكتاب في كونه يقدم مقاربة نظرية مستندة لأعمق أدبيات الهجرة في العالم، بحيث يعيد وضع الهجرة الروسية إلى إسرائيل في سياقها التاريخي، بعيدا عن التقديمات الأيديولوجية التي تقدمها الرواية الصهيونية التقليدية، ولعل ما يكسب الكتاب أهمية خاصة التقديم الذي استهله رئيس جهاز الموساد الأسبق "أفرايم هاليفي".
 
- العنوان: مليون يهودي غيروا الشرق الأوسط
- المؤلفان: ليلي غليلي ورومان برونفمان
- الناشر: ميتر للنشر-تل أبيب
- لغة الكتاب: العبرية
- الصفحات: 288 صفحة
- طبعة: 2012
-هجرة الذعر
يؤكد المؤلفان أن أول اليهود الروس وصل إسرائيل في سنوات السبعينيات من القرن العشرين، لكن ما يعدها "الهجرة الكبرى"، وهي موضوع الكتاب، لم تبدأ حتى أواخر عقد الثمانينيات، في السنوات الأخيرة من الاتحاد السوفياتي، قبيل انهياره النهائي، وتحديدا بين العامين 1989 و1993 واصفا إياها بـ"هجرة الذعر"، بسبب الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، علما بأن كثيرا منهم لم يكن لديه أي علاقة مع الصهيونية في مكان إقامتهم السابق، وجاء معظمهم من روسيا وأوكرانيا، وروسيا البيضاء وآسيا الوسطى، ولذلك لم يكن لديهم الكثير من التقدير لوطنهم الجديد "إسرائيل".

ويستند الكتاب إلى المعطيات الرقمية التي أصدرها الجهاز المركزي للإحصاء السوفياتي الأخير للعام 1989، وأكد حينها تواجد 1.4 مليون يهودي يعيشون في البلاد، منهم 877 ألفا هاجر لإسرائيل، وكانت هذه الموجة من الهجرة في هذه الفترة القصيرة من الوقت، أكبر تدفق للمهاجرين إليها منذ تاريخ إنشائها، كاشفا النقاب عن تسريبات مفادها أن جزءا كبيرا منهم ليسوا يهودا، واستخدم العديد منهم وثائق مزورة للقدوم لإسرائيل، لتحسين مستوى معيشتهم، وتعزيز وضعهم المالي الشخصي.
 
الكتاب ينقل ما أسماها وثائق تجد طريقها للنشر للمرة الأولى، ومفادها أن إسرائيل احتالت على مليون مهاجر روسي عام 1989 من خلال فرض قيود عليهم تمنع هجرتهم لأي دولة في العالم باستثنائها، عبر دفع رشى للديكتاتور الروماني السابق "نيكولاي تشاوشيسكو"، وبموجبها تحصل رومانيا على 100 مليون دولار على شكل قرض من الولايات المتحدة.

وقام بتنفيذ عملية الاحتيال الكبرى هيئة "ناتيف" التي تركز نشاطها بين يهود دول الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية، وبمصادقة رئيس الوزراء الراحل إسحاق شامير، على اعتبار أن هذه الهجرة ستعمل على تغيير التوازن الديمغرافي بين العرب واليهود في إسرائيل، وبين الفلسطينيين والإسرائيليين في المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط.

- البراغماتية وليس الأيديولوجية
يرى الكتاب أن الهجرة اليهودية الكبيرة من دول الاتحاد السوفياتي إلى إسرائيل جاءت في ظل ظروف وشروط تاريخية خاصة لم يسبق لها مثيل، فالموجة التي وقعت في حقبة تسعينيات القرن الماضي جاءت على أرضية الفوضى التي استشرت في روسيا الجديدة عقب بشائر الضعف والتفكك في الاتحاد السوفياتي، والضبابية التي سادت الحياة والخوف مما يسميه اليهود "اللاسامية"، والرغبة بالخروج لما عدوه في حينه "العالم الحر".

ولذلك فإن عددهم، حوالي مليون مهاجر، شكل في حينه كتلة متماسكة، قادرة على تشغيل وتغذية الكثير من المناحي في إسرائيل على الأصعدة: السياسية، والتشغيلية، والثقافية، خدمتها وأتاحت لها فرصة التواصل والبقاء، واعتبرت هجرة ذات معايير "رأس مال بشري" كبيرة.
 
اتضح لليهود الروس أن إسرائيل دولة تواجه العديد من المشاكل، ولم تحل المشاكل الأساسية التي يجب على كل دولة أن تحلها كالوضع الأمني والتشريع والنظام السياسي
وهو ما دفع بإسرائيل لزيادة أسباب ودوافع هذه الهجرات اليهودية من الاتحاد السوفياتي، وتمحورت حول الأزمة التي انتابته، وأدت لانقسامه إلى دويلات وجماعات عرقية، والمشاكل القائمة على صعيد العلاقة والتعامل بين اليهود وغيرهم، فضلا عن الدعاية في أوساط اليهود السوفيات بأنهم سيجدون الجنة في "إسرائيل"، إلى جانب العامل الصهيوني في اليقظة القومية اليهودية، ودعمها يهود الولايات المتحدة، وقاموا على تمويلها على الصعيدين المادي والثقافي، على أن يتجهوا لإسرائيل، وليس لأي مكان آخر.

ويتطرق الكتاب لمجموعة من السمات الإيجابية للمهاجرين اليهود الروس إلى إسرائيل، كونهم يتمتعون بنسبة ثقافة مهنية عالية مقارنة بباقي الإسرائيليين، خصوصا ببعض المجالات التي تهم الدولة، وتعمل فيها على صعيد التسويق العسكري كالصواريخ والأسلحة، والمهن الأساسية الأخرى كالطب والهندسة، وزيادة تعداد الملتحقين بالجيش، وارتفاع حجم الاحتياط، واتساع الأسواق الاستهلاكية، وخطوط الإنتاج، بما يصاحبه من نمو.

أما عن السمات السلبية لهم فيذكر الكتاب أهمها، ومنها أن الكثير من المهاجرين الروس يعملون في مجال الفساد والجريمة، بما يعكسه ذلك على المجتمع الإسرائيلي من آثار سلبية، وعدد كبير منهم لا يؤمنون بالديانة اليهودية، ولا يؤمون الكنس، ولا يؤدون الشعائر، ويوجد بينهم عدد من العملاء للمخابرات الروسية، سبق أن جندتهم إبان تواجدهم في دول الاتحاد السوفياتي، وأبقت على صلتها بهم عقب هجرتهم لإسرائيل.

ويستمد المهاجرون اليهود الروس تأثيرهم من كثافتهم العددية، وتماسكهم النسبي مقارنة بطوائف أخرى، مما عكس نفسه في شتى مناحي الحياة، كالتوظيف واحتلال المراكز الهامة، ونسبتهم في الكنيست التي تجعلهم "بيضة القبان" في أي تشكيلة ائتلافية حكومية، واحتلال مراكز هامة في الوزارات، ومن شخصياتهم السياسية المؤثرة وزير الخارجية السابق "أفيغدور ليبرمان"، ونائبه "داني أيلون"، ورئيس الوكالة اليهودية "نتان شيرانسكي".
 
ويتناول الكتاب بتوسع الجوانب المختلفة للمهاجرين اليهود السوفيات، والدوافع وراءها، والتكوين الإثني، وأنماط الهوية والتوجهات الاجتماعية والتعبئة السياسية لديهم، ويتمحور حول انعكاسات هذه الهجرة على النسيج الاجتماعي والثقافي لإسرائيل، من خلال تحليل تلك القضايا على ضوء التغييرات السياسية والاقتصادية والأيديولوجية في المجتمع الإسرائيلي، وديناميكية الصراع الإسرائيلي العربي، ومحاولات التسويات السلمية، وتدهور العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية.
 
ويستند المؤلفان لأبحاث ميدانية أجريت على مدى العشرين عاما الماضية منذ قدوم الموجة الأولى من المهاجرين الروس في سنوات التسعين من القرن الماضي، وتشمل البحوث مجموعة من استطلاعات الرأي، ومقابلات شخصية مع مجموعة تمثيلية منهم، وتحليلا للصحف الصادرة في إسرائيل باللغة الروسية، حيث أظهرا أن دوافعهم للهجرة كانت "براغماتية" وليست "أيديولوجية"، وهو ما عبرت عنه توجهاتهم ومواقفهم وسلوكياتهم.

كما أظهر الكتاب أنه لا يزال لدى عدد كبير من المهاجرين اليهود الروس حنين قوي للوطن الأم "روسيا"، واشتياق لوجود روابط اجتماعية وثقافية مع بلدانهم الأصلية، وفخر عميق بثقافتهم الأصلية مقترنا بشعور بالاستعلاء الثقافي مقابل الثقافة الإسرائيلية، لأن لديهم فكرة لا تصب كثيرا في مصلحة إسرائيل.

فقد عدوها دولة صغيرة لا تصل في مقاييسها للاتحاد السوفياتي، وهم قادمون من دولة عظمى، وعدوا ثقافتها محدودة جراء صغر حجمها وضيق أفقها الديني، واتضح لهم أنها دولة تواجه العديد من المشاكل، ولم تحل المشاكل الأساسية التي يجب على كل دولة أن تحلها كالوضع الأمني والحدودي والنظام السياسي والتشريع، ولذلك شعروا بغربة كبيرة وعميقة عن حياة اعتادوها، فأغلقوا أنفسهم داخل شرنقة صغيرة.
 
يوضح الكتاب أن اليهود الروس يعانون من التمييز في الرواتب والضمانات الاجتماعية، وتتبع المؤسسات الإسرائيلية سياسة التمييز ضدهم، وتقوم الكثير من المؤسسات المشغلة للروس بطردهم
- صعوبة الاندماج
يؤكد الكتاب أن اليهود الروس يتكلمون اللغة الروسية لأطفالهم، ويقرؤون واحدة من الصحف السبع باللغة الروسية التي أنشؤوها، ويشاهدون محطات القنوات الخاصة الروسية في إسرائيل، ومحطات روسية في الخارج، وبعد سنوات زادت على العشرين عاشوها، فإن مئات الآلاف منهم ما زالوا ناطقين بالروسية، ولا يمكنهم مواصلة محادثة هاتفية باللغة العبرية، وعدة آلاف منهم لا يمكنهم الاستفسار عن اتجاهات الطرق بالعبرية، رغم أنهم يشكلون ما يقرب من 20% من مجمل المواطنين في إسرائيل.

ويذهب المؤلفان لنقطة في غاية الأهمية، ربما لم تحظ بنفس الاهتمام من مؤلفين آخرين، وهي أنه رغم الإجماع الإسرائيلي الواسع على استجلاب المهاجرين اليهود من دول الاتحاد السوفياتي السابق، لأنهم يعززون الحالة الديمغرافية لصالح اليهود في إسرائيل، بجانب كونه عملا صهيونيا أيديولوجيا قوميا، فإن الحماسة لاستيعاب الروس وغيرهم من يهود رابطة الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي السابق أخذت بالتلاشي تدريجيا، ووصل الحد في العديد من الأطياف السياسية لتوجيه أصابع الاتهام للقادمين الجدد بجلب ظواهر وآفات جديدة على المجتمع الإسرائيلي.

وأضاف أن هؤلاء المهاجرين اليهود الروس، يتهمهم باقي اليهود بأنهم جلبوا معهم أفكارا لم تكن منتشرة أو قائمة في المجتمع الإسرائيلي، كالجريمة المنظمة والدعارة والإدمان على الكحول وغيرها، إضافة لدخول عصابات المافيا، وانتشار ظاهرة رشوة وشراء الأحزاب الفاعلة في الحلبة السياسية الإسرائيلية.

وبعد مرور كل هذا السنوات على موجة الهجرة الكبرى لليهود السوفيات، يظهر الكتاب عددا من المشاكل التي شكلت صعوبات أمامهم، وحالت بينهم وبين الاندماج في المجتمع اليهودي في إسرائيل، أبرزها: عدم توفر أماكن عمل، فهناك صعوبة في تأمينها حيث يفوق عدد العاملين من بينهم 400 ألف مهاجر، 33% فقط منهم يعملون بمجال تخصصاتهم، علما بأن 82% من حملة الشهادات العليا، بينهم 107 آلاف مهندس، و25 ألف طبيب، و14 ألف عالم، و21 ألف ممرض وممرضة، و5000 مدرس، و2000 خبير اقتصادي.

ومع ذلك، يوضح الكتاب أنهم يعانون من التمييز في الرواتب والضمانات الاجتماعية، وتتبع المؤسسات الإسرائيلية سياسة التمييز ضدهم، وتقوم الكثير من المؤسسات المشغلة للروس بطردهم، بادعاء الإساءة إليها، وهناك مؤسسات ترفض استيعابهم أصلا.

-التوزيع الجغرافي
في المقابل، فإن 50% منهم انخرطوا في حياة الدولة، وأصبحوا عنصرا مركزيا مهما في كل مجالات الحياة، كالاقتصاد والأمن والأكاديمية والطب وفي الثقافة وغيرها، وهناك 80 ألفا يعملون في الصناعات الإسرائيلية، ويشكلون 22% من العاملين فيها، كما خدموا في الجيش، وشاركوا في الكنيست، وأقاموا إذاعات ومحطة تلفزيون خاصة بهم ناطقة بالروسية، وعددا من الصحف والمجلات للحفاظ على اللغة الروسية.
رغم أن هؤلاء مهاجرون جددا، فقد أصبحوا قوة لا يستهان بها في النسيج السياسي والاجتماعي الإسرائيلي، وقد يقدمون على تشكيل جسم متوحد ومتكاتف داخل دولة تعاني من اختلاف الثقافات وتناقضها
ويقدم المؤلفان خريطة جغرافية تبين توزيع هؤلاء المهاجرين اليهود الروس في أنحاء إسرائيل، حيث يتركزون في المدن المتوسطة مثل "الكاريوت، وأشكلون ونتسيرت عيليت وحيفا وأسدود وبئر السبع وتل أبيب وبات يام"، ومنهم 70% لم يتجاوزوا سن الخمسين، و70% حاصلون على ثقافة ثانوية ومتوسطة، وهم متمسكون بالعادات والتقاليد، وحتى المأكولات الروسية حتى اليوم، وتوجد متاجر لبيع المشروبات والمأكولات المستوردة من روسيا، رغم أنها تخالف الشريعة اليهودية لأنها تبيع اللحم والسمك الذي لم يشرف عليه حاخام يهودي.

المؤلفان ينقلان عن شخصيات نافذة فيما يمكن أن تسمى "الطائفة اليهودية من أصل سوفياتي" قولها إن القضية الحساسة التي يعانونها هي تعريف اليهودي وفق الشريعة اليهودية، فالحديث يدور عن 33% منهم ليسوا يهودا وفقها، وتشكل لهم أمرا معرقلا بقضايا الزواج والدفن، وهناك جدل داخل الأوساط السياسية حول الموضوع، فثمة جهات تدعو لتخفيف الشروط المطلوبة التي تضعها الحاخامية الرئيسية، وهناك من يدعو للتشديد.

وفي مفارقة تاريخية، يبدي الكتاب قلقه من أنه بعد مرور 24 عاما على أكبر هجرة يهودية من روسيا إلى إسرائيل، فإن الأخيرة تشهد في الآونة الأخيرة ارتفاعا في قائمة المهاجرين اليهود الروس منها، ولا تزال القائمة تزداد طولا، وهم يتوجهون لبقاع مشتتة في جميع أنحاء العالم، لأنهم لم يحصلوا على ما حصل عليه المهاجرون الأوائل في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، رغم أنهم قدموا خبرات تلقوها في الخارج، بعد أن ترك عدد منهم وراءه شركات ومؤسسات تأسست في روسيا.

ويحذر المؤلفان صناع القرار في إسرائيل بأنهم سيخسرون الدولة نفسها، إن لم يتدارك الموقف الخطير، الذي عداه حالة "استنزاف بشري" للدولة، وتهديدا لا يقل عن سواه من التهديدات الأمنية المحيطة بها، رغم أن هؤلاء اليهود الروس قد يصبحون بعد عدة عقود أغلبية في إسرائيل، ومن الممكن أن يصبح رئيس الدولة أو رئيس الحكومة منهم.
 
ورغم أن هؤلاء مهاجرون جدد، أصبحوا قوة لا يستهان بها في النسيج السياسي والاجتماعي الإسرائيلي، وقد يقدمون على تشكيل جسم متوحد ومتكاتف داخل دولة تعاني من اختلاف الثقافات وتناقضها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك