عرض/ زياد منى

موضوع هذا الكتاب المثير في أطروحاته واستنتاجاته، هو أصول العلوم في أوروبا الغربية. فثمة رأي سائد يقول إن التطور في أوروبا أخذ جذوره من الحضارتين الإغريقية والرومانية. والرأي هذا يتمسك بادعاء أن العرب كانوا مترجمين ليس غير.

-الكتاب: محاربو الأديرة: الأصول الآسيوية الوسطى للعلوم في العصور الوسطى
-المؤلف: كرتسفر بكوِث
-عدد الصفحات: 232
-الناشر: دار نشر جامعة برنستن
الطبعة: الأولى/ 2012

المؤلف، وهو أستاذ متخصص بآسيا الوسطى في جامعة إنديانا بالولايات المتحدة، ينظر إلى المسألة من منظور مختلف تمامًا، لا شك أنه استثار الرأي السائد لأنه يتناقض معه على نحو كامل.

كتب المؤلف أن موضوع الكتاب المنهجية العلمية في القرون الوسطى، الميلادية طبعًا، وكيف انتقلت من البوذيين إلى المسلمين في وسط آسيا، ومن ثم إلى أوروبا الغارقة في عصور ظلام قرونها الوسطى.

يركز المؤلف على المنهج العلمي كما عرف في القرون الوسطى، وهي منهجية الأسئلة الجدلية، والمعروفة أيضًا بمنهجية النقاش المتكرر أو المنهجية المدرسية، وكذلك بمنهجية الأسئلة الجدلية.

الوصول إلى جوهر هذه المنهجية العلمية وكيفية تطبيق العلماء العرب لها في مختلف أعمالهم ذات العلاقة اقتضى معرفة الكاتب معرفة عميقة بتاريخ المنطقة، وهي موضوع تخصصه، وكذلك معرفة بمحتوى المؤلفات العربية ذات العلاقة، إضافة إلى المؤلفات البوذية المسجلة بالصينية وغيرها.

ولذا نرى أن الكتاب يحوي، إضافة إلى أسماء الفلاسفة الإغريق، أسماء كبار علماء العرب في العصور الذهبية ومنهم على سبيل المثال ابن سينا والفارابي والغزالي والفرجاني والخوارزمي والرازي وابن رشد، وغيرهم الكثير.

المؤلف قسم عمله المثير حقًا إلى فصول عديدة تحمل عناوين دالة. فبعد الفصل الأول، يخصص الفصل الثاني لمناقشة منهجية النقاش المتكرر لعلوم القرون الوسطى الميلادية. والفصل الثالث وعنوانه من الكلية إلى الجامعة حيث خصصه المؤلف للحديث في مسألة تأسيس الجامعات في غربي أوروبا. أما الفصل الرابع يستعرض فيه المؤلف ابتكار بوذيي آسيا الوسطى للمنهجية. وفي الفصل الخامس يستعرض فيه المؤلف الأسلمة بوساطة العربية القياسية في وسط آسيا. أما الفصل السادس فخصصه المؤلف للحديث في كيفية انتقال المنهجية العلمية إلى أوروبا القروسطية. وفي الفصل السابع يقدم فيه المؤلف مجموعة من الحالات ذات العلاقة التي استخدمت فيها المنهجية في الهند والتبت والصين وبيزنطة وغيرها.

ويثري الكاتب مؤلفه بملحقين أولها مخصص للترجمة اللاتينية لمؤلف ابن سينا، أو لقسم منه بالأحرى وهو كتاب الشفاء. أما الملحق الثاني فيتعامل مع مؤلفات بيتر بواتييه الذي يفترض أنه أقدم عمل لاتيني يوظف منهجية الأسئلة الجدلية، ويوضح عدم صحة الرأي السائد ويشدد على ظنه بأنه مأخوذ من العرب ومرتبط بزيارة قام بها إلى الأندلس حيث تعرف هناك على علوم العرب ومنهجية البحث.

منهج الأسئلة الجدلية يعد الرافع الأساس لتحليل معضلات الفلسفة واللاهوت أو علم التوحيد كما يعرف من منظور إسلامي.

المنهجية العلمية القروسطية وكذلك المدرسة/الكلية انتقلت إلى غربي أوروبا عبر الحضارة العربية القياسية

الكتاب يقول إن المنهجية العلمية القروسطية وكذلك المدرسة/الكلية انتقلت إلى غربي أوروبا عبر الحضارة العربية القياسية، أي الكلاسيكية. ويوضح، عبر أمثلة كثيرة لا مجال للتعامل معها هنا لتفادي الدخول في تفاصيل نصوص مقارنة محددة، كيف وظفها البوذيون في كتاباتهم، ومن ثم كيفية انتقالها إلى العرب الذين أوصلوها إلى أوروبا الغربية.

المهم في الأمر أن المؤلف يناقض برأيه الادعاء السائد بأن المنهجية العلمية ولدت في أوروبا حيث يوضح أنها لم تظهر قبل القرن الثالث عشر للميلاد، أي بعد انتهاء آخر حملات الحروب الصليبية التي أدت بدورها إلى زيارة المشرق العربي آلاف الأشخاص من أوروبا الذين نقلوا معهم كتب علوم العرب وبادر غيرهم، بعد حين، بترجمتها حيث قادت إلى تعرف الأوروبيين المنهجية ومن ثم الأخذ بها.

ومن المعروف أن هذه المنهجية استخدمها كبار علماء الغرب حينذاك ومنهم ألبرت الكبير وطوماس الإقويني وروجر بيكون وغيرهم. والمؤلف يخوض في بعض مؤلفات هؤلاء العلماء ويوضح كيفية تطبيقهم المنهجية التي وظفها العرب قبلهم.

الأمر ذاته ينطبق على الكلية أو المدرسة. فمن الأمور المعروفة أن أقدم كلية أو مدرسة في غربي أوروبا أسسها شخص من بارس كان قدم للتو من مدينة القدس في بلاد الشام. والمؤلف يرى في حقيقة كون المدينة برية دليلاً على أن الزائر أحضر معه علوم العرب لأنه كان عليه المرور بكثير من المدن والبلدات قبل أن يصل إليها.

المدرسة نشأت في ديار العرب قبل ذلك التاريخ بوقت طويل وفي آسيا الوسطى الإسلامية تحديدًا، وقبل ذلك في آسيا الوسطى البوذية، أي قبل الفتوح الإسلامية، ما يؤكد، في ظنه، أن العرب تعلموها من البوذيين.

كما يجد المؤلف دعمًا لرأيه هذا في حقيقة أن الترجمات الهندية القياسية إلى العربية تمت قبل فترة طويلة من ترجمة الأعمال القياسية أو الكلاسيكية اليونانية/ الإغريقية إلى العربية، ما يعد برهانًا على أصول أقدم للعلوم العربية ولمنهجية البحث العلمي.

الهدف من العرض هو استثارة انتباه القارئ العادي إلى الجديد في هذا المجال وفي الوقت نفسه تحفيز أهل الاختصاص والمهتمين من أبناء أمتنا للاطلاع عليه

المؤلف يقول إن العلماء الغربيين يعرفون هذه الحقائق تمامًا، لكنهم يرفضون التعامل معها إيجابيًا.

في الوقت نفسه يتعجب المؤلف من إصرار العرب على تجاهل هذه الحقيقة ويصرون على القول إن الحضارة العربية تطورت على الأرضية اليونانية/الرومانية.

هذا الكتاب ليس من المؤلفات السهلة التي تخاطب العامة حيث إنه يخاطب على نحو رئيس أهل الاختصاص وطلاب العلم. فهو يحوي تحليلات معمقة لنقاشات أهل الفكر موضوع البحث واقتباسات من كتبهم، مترجمة بالطبع عن لغاتها الأصلية، ونقاشات مقارنة لمختلف النصوص.

لهذا رأينا عدم الخوض في هذه التفاصيل لأن هدف العرض استثارة انتباه القارئ العادي إلى الجديد في هذا المجال، وفي الوقت نفسه تحفيز أهل الاختصاص والمهتمين من أبناء أمتنا للاطلاع عليه والتفاعل معه إما نقضًا أو إثراءً، أو كليهما.

المصدر : الجزيرة

التعليقات