عرض/حسين عبد العزيز

شهد قطاع التعليم في الوطن العربي خلال السنوات الماضية تغييرات مهمة تمثلت في تزايد دور الأبعاد التجارية، وتغيير الطبيعة الاجتماعية والتنموية للتعليم، وتراجع دوره بوصفه خدمة عامة تقدمها الدولة.

-الكتاب: التجارة بالتعليم في الوطن العربي.. الإشكاليات والمخاطر والرؤية المستقبلية
-المؤلفة: محيا زيتون
-الصفحات: 335

-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
-الطبعة: الأولى/2013

وجاءت هذه التغيرات نتيجة التزاوج بين العولمة والنيوليبرالية التي مدت أذرعها لتتحكم في مختلف القطاعات الاجتماعية والثقافية والعلمية، لا الاقتصادية فحسب.

يلقي الكتاب الضوء على أهم المستجدات التي شهدتها أنظمة التعليم على الصعيد العالمي، ثم يتناول أوضاع التعليم في الوطن العربي ومدى تأثره بالمناخ العالمي.

المستجدات العالمية
تكشف التحولات التي حدثت في الدول المتقدمة تراجع الإنفاق العام على التعليم العالي، مقابل فرض رسوم دراسية مرتفعة في مؤسسات التعليم العالي، وبحسب تقديرات اليونسكو تستوعب مؤسسات التعليم العالي 30% من إجمالي عدد الطلاب في العالم.

وتؤكد المؤلفة خطورة هذا الوضع عند معرفة أن الشكل الحالي لمؤسسات التعليم الخاصة لا يعتمد على دعم الحكومة ولا على مبدأ التبرع والعمل الخيري أو الأهلي، ولكنها تدار وفقا لنمط أنشطة الأعمال (الربح).

ولقد لعبت الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات (غات) دورا رئيسيا في عملية تحرير التعليم ولبرلته، حيث تساعد في ضمان حرية الوصول إلى أسواق التعليم بواسطة مقدمي الخدمة الأجانب الذين يمكنهم إقامة فرع لمؤسسة تعليمية في أي دولة عضو في منظمة التجارة العالمية.

ويعدّ التعليم العابر للحدود -كما تؤكد المؤلفة- ذا توجه سوقي في الأساس، ويمكن اعتبار مقدمي خدمات التعليم عبر الحدود مستثمرين أكثر من كونهم تربويين، فجودة التعليم تنخفض بشكل ملحوظ في المؤسسة ذاتها داخل البلدان العربية -على سبيل المثال- مقارنة بمستوى التعليم الذي تقدمه في موطنها الأصلي.

كما أصبح الطلبة الدوليون، الذين يسافرون إلى الدول المتقدمة طلبا للعلم، مصدرا مهما للربح لهذه الدول، فبحسب الأرقام التي يوردها الكتاب، أصبحت خدمات التعليم في أستراليا واحدة من صناعات التصدير الرائدة، حيث حققت ربحا تجاوز 14 مليار دولار خلال عامي 2007-2008، وفي كندا قدر أن الاقتصاد حظي عام 2008 بنحو 6.5 مليارات دولار من خلال نشاط الطلبة الأجانب، وقد قدمت بعض الدول، التي تشهد انخفاضا في معدل الولادات ككندا وأستراليا، فرصا وتسهيلات للطلبة الأجانب في البقاء داخل البلاد من أجل استثمار ما تعلموه.

وتصنف المؤلفة مؤسسات التعليم العالي إلى ثلاث فئات:
- جامعات نخبوية، تولي أهمية كبيرة للبحث العلمي الأساسي، وتحتل قمة التصنيفات العالمية.

- جامعات شبه نخبوية، تهتم بالتدريب والتدريس الجيد علاوة على تميزها في مجال البحث العلمي التطبيقي.

- مؤسسات غير نخبوية، تقوم على استيعاب أعداد كبيرة من الطلبة، وتكون شروط الالتحاق ميسرة، ويشغل البحث العلمي فيها مكانة هامشية.

كثير من الدول المتقدمة لوحظ أن طبيعة أنشطها الاقتصادية القائمة ومدى اعتمادها على كثافة المعرفة، أصبحا المحرك الرئيسي للتنمية والدافع وراء بناء نظام تعليمي يرقى إلى مستوى المنافسة العالمية

العرب واقتصاد المعرفة
تأثر صناع القرار في الوطن العربي بالتغيرات التي سادت المناخ العالمي، وتوصيات المؤسسات المالية الدولية، التي ترجمت فكر الليبرالية الاقتصادية الجديدة إلى سلوك سياسي قدم لكثير من الدول العربية بوصفه حلا وحيدا للمشكلات الاقتصادية.

لكن تطبيق سياسات التعليم هذه شيء، ومدى قدرة الوطن العربي على بناء اقتصاد المعرفة شيء آخر، يؤكد الكتاب، ففي كثير من الدول المتقدمة لوحظ أن طبيعة الأنشطة الاقتصادية القائمة ومدى اعتمادها على كثافة المعرفة أصبحا المحرك الرئيسي للتنمية والدافع وراء بناء نظام تعليمي يرقى إلى مستوى المنافسة العالمية.

ووفقا لبيانات اليونسكو، تصاعد معدل الإنفاق على البحث والتطوير في دول متقدمة ونامية عديدة، في حين ظل المعدل للوطن العربي دون تغيير من عام 2002 وحتى عام 2007، وأن إنفاق الدول العربية يقل كثيرا عن الحد الأدنى الحرج اللازم لتحقيق أثر ملموس في تطوير الأنشطة الاقتصادية.

وتتناول المؤلفة نقطة في غاية الأهمية، وهي أن الاقتصاد العربي القائم على الريع انعكس على التعليم الضعيف في نوعيته، ومستوى خريجيه في المراحل المختلفة، ومحدودية الالتحاق بتخصصات العلوم والتكنولوجيا، وغياب الجامعات القادرة على إنجاز البحث العلمي الأساسي والتطبيقي المتميز.

ويقول الكتاب إن التباين بين الدول المتقدمة والعربية يظهر أيضا في تطبيق سياسات اللبرلة ذاتها، فهناك مثلا دول أوروبية لم تفرض رسوما للدراسة في مؤسساتها التعليمية، وظل الاعتماد الرئيسي على الإنفاق العام كفرنسا ودول الشمال الأوروبي، وحتى في حالة الدول التي اتبعت نهج فرض رسوم مرتفعة -كبريطانيا وأستراليا- اتخذت إجراءات لتخفيف عبء هذه الرسوم، مثل ربط بدء سداد القرض بحصول الخريج على وظيفة، وهو الأمر الذي يصعب الأخذ به في العالم العربي بسبب قلة فرص العمل وارتفاع معدل البطالة.

التعليم العابر للحدود.. دول الخليج
النموذج الأهم وذو المعالم الواضحة الذي ينبني على إقامة مناطق خاصة للتعليم تتوفر لها بنية أساسية عامة وتعليمية غاية في التقدم الهندسي.

ورغم الوفرة المالية، تتطلع بعض دول الخليج إلى تنويع اقتصاداتها والتخفيف من حدة الاعتمادات على النفط، يصل أحيانا بحسب المؤلفة إلى الرغبة المتعجلة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة.

وتعتقد هذه الدول أن آلية استيراد فروع الجامعات ومؤسسات التعليم الأجنبية يمكن أن تؤدي دورا هاما في هذا الشأن، ويمكن اعتبار قطر والإمارات الدولتين الخليجيتين اللتين سارتا خطوات واسعة في سبيل إقامة مدن خاصة للتعليم لجذب مؤسسات التعليم الأجنبية.

فعلى سبيل المثال، أدخلت قطر تغييرات جذرية في نظام التعليم ما قبل العالي وفقا للنظام الأميركي، وأصبح لديها ستة فروع لأكبر الجامعات الأميركية.

- فرع جامعة فرجينيا كومونولث
- فرع كلية طب كورنل
- فرع جامعة تكساس
- فرع جامعة كارنيجي ميلون
- فرع كلية العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون
- فرع جامعة نورث ويسترن

نماذج من دول المشرق العربي
بحكم اقتصادها الضعيف، لا تستطيع حكومات دول المشرق العربي القيام بالدور الذي تقوم به دول الخليج في دعم التعليم، لكنها تشجع إقامة علاقات بين المؤسسات الأجنبية والمحلية، وتتخذ هذه العلاقة ثلاثة أشكال:

- شراكة رمزية تعتمد على استشارة الإدارة الأجنبية الشريكة.
- علاقة إشراف رسمي على عملية التعليم.
- ارتباط عميق يتخذ شكل حراك برامج أو تراخيص، واعتماد شهادات أو منح.

تعتبر التجربة المصرية ذات دلالة خاصة تقول المؤلفة، وترجع أهمية الحالة المصرية إلى أنها كانت الدولة العربية الرائدة في مجال التعليم ومستوى تنمية الموارد البشرية، فقد أسست عددا من الجامعات الحديثة ونظاما للتعليم العالي في وقت ندرت فيه الجامعات على مستوى الوطن العربي.

عمدت مؤسسات التعليم العالي في المغرب العربي إلى الاعتماد على الدول الأوروبية في إعادة هيكلة تعليمها عبر الاستشارات وحلقات البحث والنقاش المستمر

أما لبنان، فله وضع خاص في ما يتعلق بتدويل التعليم العالي، فبينما بدأت الجامعات في معظم الوطن العربي كجامعات محلية، ثم حدث التحول نحو التعليم الأجنبي، كانت بداية التعليم العالي في لبنان من خلال مؤسسات أجنبية، فأول جامعتين أنشأهما المبشرون الأجانب كانتا الجامعة الأميركية عام 1866 التي كانت تسمى الكلية السورية الإنجيلية، وجامعة سان جوزيف أو القديس يوسف التي أسسها الآباء اليسوعيون عام 1875، وفي عام 1960 أنشئت جامعة بيروت العربية.

نموذج المغرب العربي
انعكس الارتباط الوثيق بين دول المغرب العربي وأوروبا على إعادة هيكلة نظام التعليم العالي لديها بالكامل، حتى يتوافق مع نظام التعليم الأوروبي القائم على ثلاث مراحل:

- الليسانس (الإجازة): يتطلب ثلاث سنوات دراسية بعد الشهادة الثانوية.
- الماجستير: يشمل الدراسة لسنتين بعد الليسانس.
- الدكتوراه: يخصص لها ثلاث سنوات للبحث بعد الماجستير.

وقد عمدت مؤسسات التعليم العالي في المغرب العربي إلى الاعتماد على الدول الأوروبية في إعادة هيكلة تعليمها عبر الاستشارات وحلقات البحث والنقاش المستمر.

الإشكاليات والمخاطر
تخصص محيا زيتون هذا الفصل للوقوف على مخاطر استمرار سياسة لبرلة التعليم العالي في الوطن العربي، وأولى هذه المخاطر أن الجامعات الأم في أميركا وأوروبا لا تخاطر بمواردها في دول أخرى ولذلك لا ترقى فروع الجامعات في الدول النامية إلى مستوى التعليم في الجامعات الأم، ولا إلى مستوى هيئة التدريس.

ومن الإشكاليات الأخرى، الاعتماد المتزايد على اللغة الأجنبية بشكل عام والإنجليزية بشكل خاص ليس كلغة تدريس ثانية، بل كوسيط رئيسي للتدريس، ومن ثم أصبح التعليم بحسب -المؤلفة- آلية لتجزئة أنظمة التعليم العربية، وتنتقل التجزئة والتباينات من نظام التعليم إلى عالم العمل عندما يتم التمييز لصالح فئة من الخريجين تعلموا بغير لغتهم الأصلية، ضد فئة أخرى تعلمت بلغتها الأم.

ومن أكثر النتائج كارثية في حال استمرار الأوضاع الراهنة على مستقبل الأمة العربية، هو التأثير الأجنبي في المحيط السياسي من خلال آلية التعليم، فقد أصبح ثابتا في عقول المسؤولين في الدول المتقدمة أن ما لا تستطيع السياسة أو القوة العسكرية تغييره يمكن أن يتغير من خلال القوة الناعمة، وعلى رأسها التعليم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك