عرض/ محمد تركي الربيعو

حظيت المسألة الكردية السورية خلال الأعوام القليلة الماضية باهتمام كبير داخل الحقل الاجتماعي السوري، بيد أن الإشكالية في رؤية هذه المسألة بقيت كامنة في أن معظم الدارسين غالبا ما نظروا تجاهها من عدسة مثيلاتها في تركيا والعراق.

ويبدو ذلك تحديدا من جانب النخب المعارضة السورية التي غالبا ما تضامنت في السنوات العشر الأخيرة مع الأكراد من منطلق النضال ضد الاستبداد المشترك من جهة، ومن باب "فقه النكاية" السياسي بالسلطة والذي طبع السلوك السياسي للمعارضة العربية في أحيان عديدة.

- الكتاب: مسألة أكراد سوريا
- المؤلف: فريق من الباحثين
- عدد الصفحات: 193
- الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
- الطبعة: الأولى 2013

وجاء ذلك على الرغم من مطالب الفدرالية والانفصال التي تجاهر بها الأوساط السياسية الكردية علانية عبر مفرداتها السياسية اليومية، والتي ساهمت في نسج سردية "ميتا اجتماعية" للواقع والتاريخ الكردي في سوريا، حتى غدت أشبه بحقائق مطلقة.

وفي هذا السياق الساعي إلى إعادة تفكيك بعض الأساطير الكردية السورية، تأتي هذه الدراسة التي أعدها فريق من الباحثين في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بإشراف الدكتور عزمي بشارة، كمحاولة لتقديم حكاية تاريخية مغايرة للرواية الكردية التي سعت -كما أسلفنا- إلى "كردنة " الجغرافيا والتاريخ على حد سواء خلال الأعوام القليلة الماضية.

الأكراد في سوريا
نعثر في الفصول الثلاثة الأولى من الدراسة والتي أعدها الباحث السوري جمال باروت على حفريات تاريخية حول الوجود الكردي في سوريا ، من خلال التمييز بين ما يسميه "أكراد الداخل" ذوي التاريخ المستقر، و"أكراد الأطراف" المهجرين قسريا.

فقد مثل القرن الحادي عشر الميلادي بدء الانتشار الكردي الحقيقي الكثيف في المدن والمناطق الساحلية الشامية، مع استقرار الفرسان الأيوبيين بداخلها، وذلك لمواجهة الإمارات الصليبية. وقد ساهم هذا التواجد في اندماجهم وتعربهم بشكل كامل كما في حالة جبل الأكراد في الساحل السوري، أو في حالة مدينة دمشق التي شهدت نشوء "حي الأكراد" داخلها والذي لعب دورا حيويا في فضائها الاجتماعي والاقتصادي حتى نهاية الحقبة العثمانية.

من جانب آخر، شكل "أكراد الأطراف" حالة مجتمعية جديدة مرتبطة بالتحولات في كردستان تركيا أكثر مما هي مرتبطة بسوريا نفسها، فقد أدى تحطيم الكماليين لمعاهدة سيفر 1920م والتي نصت على التأسيس لدولة كردية داخل جغرافية الأناضول، وقيام الجمهورية التركية الجديدة بقومنة مجالها البشري السيادي وفق نموذج الدولة القومية الحديثة، إلى نشوب 17 ثورة كردية بين عامي 1925 و1936 كان مصيرها المعتاد القمع الشديد، مما أسفر عن هجرات جماعية بالمئات والآلاف إلى سوريا "الانتدابية " التي تركزت بمعظمها في منطقة الجزيرة السورية والمعروفة حاليا باسم محافظة الحسكة.

قومنة الجمهورية التركية الكمالية لمجالها البشري السيادي وفق نموذج الدولة القومية الحديثة، أدى إلى نشوب 17 ثورة كردية بين عامي 1925 و1936 كان مصيرها القمع الشديد

وبينما اندمج أكراد الداخل في فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946) داخل الحياة السياسية والمجتمعية السورية، من خلال الانخراط في ثورة الشمال بقيادة إبراهيم هنانو سليل إحدى العائلات الكردية العريقة، ولاحقا في الانخراط الفاعل والكبير لحي الأكراد في الثورة السورية الكبرى 1925م، فإن بعض القيادات الاجتماعية في مجتمع الأطراف المتشكل حديثا لعبت -بعكس ذلك- دورا مساندا للسياسات الفرنسية ذات الصبغة الإثنية والتقسيمية.

فقد شهدت منطقة الجزيرة بين عامي 1937 و1939 اندلاع الحركة الانفصالية الكردية إثر ضلوع مباشر لقادة الجيش الفرنسي، وذلك -كما توضحه بشكل جلي أوراق الأرشيف الفرنسي- للحيلولة دون إبرام المعاهدة الفرنسية-السورية التي تنهي الانتداب خلال أعوام.

وما يثير الاهتمام -برأي الباحث- أن هذه النزعة الانفصالية حازت على قاعدة شعبية واسعة بحكم تبنيها لمفاهيم التنمية المحلية، لكن ما إن تكشف مضمونها الانفصالي حتى انحسر نفوذها وخاصة مع رحيل الزعيم الكردي المعروف "حاجو آغا" عام 1940 والذي مثل رأس الحربة الفرنسية في الحركات الإثنية الكردية، وأيضا بعد تأثرها بالتحولات الجيوسياسية التي جلبتها الحرب العالمية الثانية، معلنة بذلك نهاية الطور الأول من الحراك الكردي الحديث في سوريا.

الاندماج في مرحلة الاستقلال
يستكمل جمال باروت في هذا الجزء من الدراسة متابعته للواقع الكردي بعد مرحلة الجلاء الفرنسي عن سوريا عام 1946، والتي شهدت عملية اندماج سياسية واسعة للنخب الكردية -ولا سيما الجزراوية- في مختلف الأجهزة التشريعية والتنفيذية، بعدما سلّمت بهوية سوريا العربية على قاعدة الاندماج بمعناه التكاملي وليس اللفظي.

وقد شهدت مرحلة الانقلابات العسكرية في سوريا وصول عدد مهم من كبار الضباط الأكراد العرب أو المتعربين، وشغل بعضهم منصب رئاسة الدولة مثل حسني الزعيم وأديب الشيشكلي اللذين لم يكونا يحتفظان بسياسات مغايرة في اتجاهاتها عن سياسات الوطنيين العرب السوريين من ناحية هوية الكيان السوري أو الصراع مع إسرائيل، بل إن المراسيم التي قيدت تملك الأجانب للأراضي في محافظة الجزيرة غالبا ما صيغت في عهد الشيشكلي الذي كان يفكر في الجزيرة السورية بصفته رئيسا للدولة.

وواصلت السياسة السورية في مرحلة الاتحاد مع مصر هذا الاتجاه، وكان من أبرز نتائج ذلك تخصيص ركن للغة الكردية في راديو صوت العرب، بما يوحي بغياب أي سياسة تمييزية ضد الحقوق الثقافية الكردية في تلك الأيام.

اختراع كردستان الغربية
يرى باروت في هذا الفصل أن المناطق التي يتكثف فيها الوجود الكردي السوري حاليا لم تكن في أي مرحلة من مراحل الحركة الكردية الحديثة جزءا من كردستان، كما أن الأكراد لم يشكلوا غالبية سكانها في يوم من الأيام،
حيث تبين الخريطة التي قدمها القوميون الأكراد عام 1948 أن دولة كردستان لا تضم من الأراضي السورية سوى جيب صغير جدا في منطقة عفرين المتاخمة للحدود السورية-التركية، بينما لا يظهر أي حضور للجزيرة السورية على الخريطة.

بيد أن جملة التغييرات التي حصلت بعد حصار العراق وتشكيل المنطقة الكردية الآمنة، ثم تأليف حكومة إقليم كردستان ومأسستها بعد الاحتلال عام 2003م، أدخلت كلها تحولات في اتجاهات المجتمع الكردي السوري، إذ أخذ مفهوم "غرب كردستان" ينتعش ويبرز في سياق إقليمي جديد تنتشر فيه أفكار غامضة عن الحكم الذاتي والفدرالية، وذلك عبر الدعوة إلى تحويل الدولة السورية الراهنة من دولة بسيطة إلى دولة مركبة تخفي التقسيم الكياني الإثني تحت طلاء فضفاض من البلاغة اللامركزية.

الثورة السورية ومنطق" الغنيمة" الكردي
يعالج الباحث حمزة مصطفى الذي أشرف على هذا الشق من الدراسة، موقف الحركات السياسية الكردية من الثورة الوطنية السورية الحالية، حيث رأت أن أزمة النظام ستنعكس إيجابيا عليها، من خلال اضطراره إلى تقديم تنازلات مستمرة للأكراد بشكل يحقق مطالبهم وطموحاتهم السياسية.

ولذلك سعت هذه الحركات إلى منع أنصارها من الانخراط الفاعل في ثورة الاحتجاج الاجتماعي رغم الأخذ ببعض شعاراتها وإبراز الصبغة التضامنية معها، بما يسمح بهامش من المناورة للابتزاز والحصول على تنازلات من النظام والثورة على حد سواء.

الحركات الكردية في سوريا سعت لمنع أنصارها من الانخراط الفاعل في الثورة، بما يسمح بهامش من المناورة للابتزاز والحصول على تنازلات من النظام والثورة على حد سواء

ولعل ما يدعم هذه الفرضية -برأي الباحث- عدم سقوط أي قتيل في بركة الدم السورية داخل المناطق التي تتميز بكثافة ديمغرافية كردية حتى اغتيال القيادي في تيار المستقبل الكردي مشعل تمو يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2011.

ورغم المحاولات المتكررة للهيئات التنظيمية في الثورة السورية لتوجيه خطاب إيجابي للأكراد من أجل الحفاظ على الإطار الجامع للحراك الاحتجاجي، فإن المشاركة الكردية بقيت تتميز بمحدوديتها وتغليبها الأهداف الحزبية "القومية" على أهداف الثورة. هذا إضافة إلى نقدها وتحفظها المستمر حيال الجيش السوري الحر، بينما كانت تتعاون مع إقليم شمال العراق لتشكيل كتائب مسلحة كردية، وهو ما خلق مزاجا سلبيا داخل الأوساط الشعبية والسياسية المساندة للثورة حيال الوسط السياسي الكردي.

نحو حل ديمقراطي للمسألة الكردية
في نهاية هذه الدراسة يرى فريق الباحثين القائم على الدراسة أن حل المسألة الكردية السورية لا يتم إلا في اطار حل وطني سوري محض خارج اختراعات "كردستان الغربية"، وذلك عبر التوصل إلى قناعة بأن هذه المسألة قابلة للحل الديمقراطي في إطار ما يشمله من حقوق سياسية وثقافية، وصياغة للمناهج التعليمية تساهم في التعريف بالتنوع الثقافي واللغوي لأبناء سوريا، والعمل على تمكين المجتمعات المحلية من إدارة نفسها وفق النموذج اللامركزي، أو نظام الإدارة المحلية في إطار وحدة الجمهورية "العربية" السورية.

وهذا سيتطلب من الوسط السياسي الكردي طرح مطالبه في إطار البنية البسيطة للدولة السورية وليست المركبة من منظور القانون الدستوري، لبلورة تصورات واقعية لبرنامج ديمقراطي وطني يضمن مأسسة المواطنية والتعددية، ويجيب عن الأسئلة المطروحة لما بعد سقوط نظام الاستبداد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك