عرض/ الصادق الفقيه

تشهد البشرية اليوم تحولات وخضات عنيفة، وتواجه عدداً من التحديات الدولية التي تتعدى الحدود الوطنية، حيث أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الهيئات التي أنشئت للمساعدة في الحكم العالمي -مثل الأمم المتحدة والبنك وصندوق النقد الدوليين- غير كافية لمهمة إدارة المخاطر في القرن الحادي والعشرين. 

- الكتاب: الأمم المقسمة.. لماذا يفشل الحكم العالمي؟ وماذا يمكننا أن نفعل حيال ذلك؟
- المؤلف: إيان غولدين
- عدد الصفحات: 200
- الناشر: مطبعة جامعة أكسفورد، لندن ونيويورك
- الطبعة: الأولى/ 2013

فقد تم إنشاء هذه المؤسسات جميعها في عالم ما بعد الحرب، الذي يختلف اختلافاً جذرياً عن عالمنا اليوم، وهي تكافح الآن للتعامل مع التحديات التي تواجهها في عالم معولم مترابط من القرن الحادي والعشرين.

فالتكامل العالمي السريع والتطور الحضري، مع تغير قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية بسبب القفزات الهائلة التي حققتها الحضارة الإنسانية المعولمة، والتي أصبحت تمتلك تقنية المعلومات، والاتصالات، والتنقل، والأعمال، تجلب جميعها مزايا عميقة، وأيضاً مخاطر منظمة يجري الآن فقط تحديدها ومحاولة فهمها.

فالعديد من أكبر التحديات التي تواجه العالم اليوم يتعدى الحدود الوطنية، مثل تغير المناخ، والتمويل، والجريمة، والأوبئة، والأمن السيبراني، والهجرة، وآثار ظاهرة الاحتباس الحراري. والحقيقة المرة أن هذه المؤسسات العالمية التي خُلقت في أربعينيات القرن الماضي، هي ببساطة لا ترقى إلى مهمة إدارة هذه المخاطر.

العالم تغير
في كتابه بعنوان "الأمم المقسمة.. لماذا يفشل الحكم العالمي؟ وماذا يمكننا أن نفعل حيال ذلك؟"، يقول عميد مدرسة سانت مارتن بجامعة أكسفورد البروفيسور إيان غولدين، الاقتصادي البارز والمستشار السابق لنيلسون مانديلا، ونائب الرئيس ومدير السياسات في البنك الدولي..

يقول إننا بحاجة إلى حلول عالمية للتحديات العالمية، ومع ذلك يعتقد بأننا نفتقر إلى القيادة العالمية، ويشك حتى في وجود وعي بحجم التحديات العالمية التي نواجهها جميعاً. ويضيف أن "قرننا هذا يمكن أن يكون أفضل من أي وقت مضى"، وقد يكون "الأسوأ".

ويعتقد غولدين بأن المؤسسات "المتحجرة" تخسر المعركة لمعالجة المخاوف الحديثة التي تتجاوز الحدود الوطنية، ويزعم أن النتيجة ستعتمد على "قدرتنا الجماعية على فهم واتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة التحديات الرئيسية"، مؤكداً أنه ما لم نكن قادرين على إدارة المخاطر المرتبطة بالعولمة على نحو أكثر فعالية فستطغى علينا، وأن هذا سيكون التحدي الأساسي في عصرنا، كما تمثل تحدياً للمجتمع المدني والمنظمات الدولية والوطنية للمساعدة في خلق وتطوير بدائل معالجات جديدة.

ويأخذ مثلاً أنه في عام 2007 -كما هو الحال اليوم- كان العالم يستعد لمواجهة وباء إنفلونزا الطيور المحتملة والناشئة من آسيا. ومع المزيد من الوفيات التي فاقت أي بلد آخر جراء الفيروس، أرادت إندونيسيا الحصول على ضمانات بأنها ستكون قادرة على الوصول إلى أي لقاح ينتج من عينات الفيروس الذي تشترك في توفيره مع الآخرين.

ومعروف أن الحصول على اللقاحات مسألة تكلفة، لكنه أيضاً مسألة ذات أولوية، لأنه في حال حدوث وباء فإن القدرة العالمية لإنتاج اللقاح لا تتطابق مع المتطلبات الملحة. وهذا قد يبدو طلباً معقولاً. ولكن المحادثات مع منظمة الصحة العالمية وصلت إلى طريق مسدود، وقررت إندونيسيا حجب عينات الفيروس التي لديها، فوضعت بذلك العالم فعلياً تحت رحمتها، إذ إنه عندما يتعلق الأمر بأزمة أمنية وطنية مثل وباء الإنفلونزا، فإن جميع الدول تتخذ شيئاً من مبدأ الواقعية.

ملاحظات شارحة
الكتاب الذي يحوي خمسة فصول هي: تحديات الحكم العالمي الجديد، والتوفيق بين المصالح العالمية والوطنية، وإعادة النظر في الإصلاح.. الأمم، والشبكات، والمعرفة، وقوة الواحد.. دور الأفراد، وأخيرا.. ما الذي يمكن عمله؟ يبدو -في انطباع أولي بعد قراءته- كأنه موعظة حسنة للتفكير في تحويل ديناميات القوة العالمية التي كان يمكن أن تكون قضيتها أقوى بكثير من دون هذه الجرعة القوية من العولمية المغالية في التطرف.

فالمؤلف يجد نفسه في موقف مثالي لتقديم وجهات نظر عميقة وطرح أساليب جديدة لعالمنا، وهو هنا يستكشف ما إذا كان الجواب هو إصلاح الهياكل القائمة أو النظر في طريقة جديدة وجذرية لمعالجة أوجه القصور الكامنة.. إنه يحدد طبيعة المشاكل ومختلف المناهج المتبعة في الحكم العالمي، ويسلط الضوء على التحديات التي أردنا التغلب عليها، وتعتبر خارطة طريق للمستقبل.

بيد أن هناك مشكلة في طرحه، فالمؤلف في المثال الإندونيسي يريدنا أن نعتقد بأن "منظمة الصحة العالمية كراعية للنظام الصحي الدولي كانت تحقق نجاحاً ملحوظاً في الوقاية من الأوبئة"، ويقترح أنها باعتبارها هيئة متخصصة ولها شبكة محددة من المسؤولين الحكوميين والخبراء التقنيين، قادرة على التغلب على عقبات التعنت الوطني بالمفاوضات وقليل من "القوة الناعمة"، لحل هذا النوع من المشاكل العابرة للحدود الوطنية والتي تميز عصر العولمة.

العالم غير مستعد على الإطلاق لمواجهة وباء لا مفر منه, كما أن الحالات الأخيرة تحولت إلى أن تكون مجرد إنذارات كاذبة اعتمدت على التخمين لا على قوة أنظمة المراقبة لدى المنظمة الدولية

نعم، المثال الذي استخدمه يبدو غريباً، إذ إن الحقيقة تقول إن العالم غير مستعد على الإطلاق لمواجهة وباء لا مفر منه. والشاهد أن الحالات الأخيرة تحولت إلى أن تكون مجرد إنذارات كاذبة اعتمدت على التخمين لا على قوة أنظمة المراقبة لدى المنظمة الدولية.

فعندما يصل وباء الإنفلونزا الجائحة، فإن الخطوط العريضة للاستجابة ستقتفي الأعراف السائدة في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، وهي حينئذ وظيفة القدرات الوطنية. فتوزيع الأشخاص الـ34 مليونا في العالم الذين يعيشون مع فيروس نقص المناعة المكتسب، والذين استشهد بهم غولدين أيضاً، يقول لنا كل ما نحتاج إلى معرفته حول كيفية تعامل العالم مع الأوبئة.

وبينما يجد القارئ لبعض الأمثلة في الكتاب -مثل الهجمات الإلكترونية- تمثلات حقيقية في القرن الحادي والعشرين يمكن الإحساس بها، سيجد نفسه أقل اقتناعاً بالأمثلة الأخرى.

ومع ازدياد السفر الجوي، يصعب الشعور بأن وباء الإنفلونزا يمكن أن يعيث فساداً الآن أكثر مما أحدثته الإنفلونزا الإسبانية التي ربما قتلت قرابة 50 مليون شخص عام 1918.

وعلى العكس، ربما كان أعظم نجاح لمنظمة الصحة العالمية خلال القرن الماضي هو القضاء على الجدري في فترة السبعينيات. ويمكن للمرء أن يكوّن حجة مماثلة حول العديد من أمثلة المؤلف الأخرى، فالأزمات المالية في ثلاثينيات وسبعينيات القرن الماضي، وموجات الهجرة المتتالية، وحتى تغير المناخ له سابقة في الطبيعة -إن لم يكن النطاق- وفي حظر مركبات الكربون الكلورفلورية لحماية طبقة الأوزون في الثمانينيات.

بحثاً عن الحقيقة
الافتراض الذي يدخل به القارئ إلى متن الكتاب هو أن غولدين له معرفة واسعة بالواقع، خاصة أنه صاحب سيرة ذاتية تتضمن خبرة احترافية في منظمة التعاون والتنمية الأوروبية وفي مصرفيْن إقليميين، إضافة إلى مناصبه السياسية والاقتصادية التي جعلته في مطبخ صنع القرار كأحد التنفيذيين الكبار في وضع السياسات الوطنية والدولية.

لهذا، جاء الكتاب أكثر إقناعاً في تحليله لبيرقراطيات المنظمات الدولية، وتقديم وصفات من أجل تحسينها، إذ سيندهش القارئ -مثلا- مما طرحه من أفكار عن تكوين الموظفين في المنظمات الدولية.

ورغم أهمية الفصول الأربعة الأولى فإن الفصل الأخير وضع خمسة مبادئ أساسية تستحق التأمل، مثل مبدأ "التبعية" الذي يقيد استخدام الحكم العالمي فقط في القضايا التي تحتاج إليه، و"الإدراج الانتقائي" الذي يحافظ فقط على مشاركة تلك الجهات التي تؤثر أو تتأثر بالمسألة، و"الهندسة المتغيرة" التي تعمل على تطابق شكل الحكم مع مضمون المسألة. وهناك مبدأ يطلق عليه غولدين "الشرعية"، ولكن يبدو أنه يصف بشكل أكثر وضوحاً السلطة المتصورة للمؤسسة. وأخيراً المسألة الشائكة المتعلقة بمبدأ "الإنفاذ"، لأن الضغط من المنظمات غير الحكومية هو بالفعل العنصر المشترك الآن.

فالمؤلف يقدم لنا حشداً من الأفكار من منظور خاص يقول إن الحكومات -على ما يبدو- عقبة في طريق حل العديد من المشاكل، لذا ينبغي أن تسعى المنظمات الدولية إلى تطوير "اتصال أقوى بدوائرها" من المواطنين. وهذا ليس فقط بسبب القيود التي تفرضها المصلحة الوطنية، وإنما لأن الديمقراطية هي أيضا لا تعمل بشكل جيد جداً.

ولذا، فإن من السهل أن نرى كيف يمكن للمسؤول الذي تعوّد على حل المشاكل من وراء مكتب في مقر عمله أن يشعر بجدوى هذه الطريقة، لكنها قطعاً تجعل الآخرين غير مرتاحين أو غير مقتنعين بأنها الطريقة المثلى للحل.

ففي حديثه عن نقاط القوة والضعف في المنظمات الدولية الكبرى على سبيل المثال، يبدو أن المؤلف يجادل بأن واحدة من نقاط القوة هذه تكمن في قدرة هذه الكيانات على التفكير والتصرف خارج القيود الديمقراطية الوطنية، إذ إنه مع ولاية مدتها أربع أو خمس سنوات، وجماعات الضغط، وإغراءات الشعوبية، تبدو الحكومات الوطنية أقل قدرة على تكييف أوضاعها بالشكل الصحيح. وتلك هي حجته في أخذ حالة منظمة التجارة العالمية واستخدامها كمثال إيجابي، وربما ينتقد هنا منظمات المجتمع المدني أكثر من مؤسسات الحكم العالمية الأخرى، ويتهمها بتقويض الحكومات الديمقراطية وتعزيز مصالح جماعات الضغط التجارية.

وإذا كان هناك خطأ ارتكبه غولدن، فإنه يتمثل في تعميم تأملاته حول العولمة المفرطة في سرد "أزمة الحكم العالمي"، ففي مطلع الألفية الثالثة وتحول ديناميات القوة العالمية وظهور شبكة الإنترنت، قد تكون لحظة جيدة وفرصة للتأمل وتحسين الحكومة العالمية.

إذا كانت مشاكل القرن الحادي والعشرين ليست مثل تلك التي تمت مواجهتها في الماضي، فإن هذه الأخطار التي يخلقها الاتصال المفرط الجديد أوجدت الحاجة إلى اتخاذ قرار جماعي عاجل

الخاتمة
إذا كانت الحجة المركزية في الكتاب هي أن "مشاكل القرن الحادي والعشرين" ليست مثل تلك التي تمت مواجهتها في الماضي، فإن هذه "الأخطار التي يخلقها الاتصال المفرط" الجديد أوجدت "الحاجة إلى اتخاذ قرار جماعي عاجل".

و"الفجوة بين هياكل الأمس ومشاكل اليوم،" مثل "المعاهدات والاتفاقات الأخرى التي أفرزت هياكل الحكم العالمي، هي في أفضل حالاتها قادرة على التعامل مع عدد من التحديات الرئيسية من الماضي"، رغم أنها غالباً ما كانت تفشل في ذلك أيضاً.

إن الاعتراف الواجب الإشارة إليه هنا كما يعبر عن ذلك المؤلف، هو أننا لن نجد حلولاً جديدة إذا ما واصلنا القيام بأشياء بنفس الطريقة القديمة. فالاعتقاد الراسخ الآن أن السياسة العالمية وصلت إلى طريق مسدود، وهدف هذا الكتاب تحفيز الحوار والنقاش الذي من شأنه تطوير حلول جديدة لهذه التحديات المعقدة.

ورغم الملاحظات المذكورة، فالكتاب محاولة جادة للغاية، ويقدم قراءة ثاقبة للراغبين في دراسة العولمة والحكم الدولي، إذ يساعد على تحديد سياق في المناقشات التي ينبغي أن تأخذ مكانها في المنتديات الفكرية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك