عرض/ أحمد صبري

الحقائق التي حاول المؤلف عبد الملك أحمد الياسين وضعها في خدمة القارئ والرأي العام تتعلق بفترة هي من أشد فترات الإثارة في تاريخ العراق منذ سقوط الملكية وما أعقبها من أحداث وحروب، وصولاً إلى غزو العراق واحتلاله.
-الكتاب: حتى لاتضيع الحقيقة
-المؤلف:عبد الملك أحمد الياسين
-عدد الصفحات: 370
-الناشر: دار آمنة للنشر والتوزيع
-الطبعة: الأولى/ 2013

وما يزيد من أهمية الحقائق التي سلّط الياسين الضوء عليها في كتابه "حتى لا تضيع الحقيقة" أنها كشفت أسراراً وأجابت على أسئلة كانت ومازالت تشغل الرأي العام العراقي والعربي لحقبة مثيرة ومضطربة من تاريخ العراق والمنطقة، من شاهد عاصر فصولها على مدى نصف قرن.

فالمؤلف عمل في السلك الدبلوماسي سفيراً للعراق في عدة عواصم عربية وعالمية في تلك المراحل، وهي إيران، والجزائر، وتونس، ولندن، والسعودية، وأفغانستان، وممثلا للعراق في الجامعة العربية، والمؤتمر الإسلامي، حتى أصبح وكيلاً لوزارة الخارجية.

وعزا المؤلف أسباب فشل الوحدة بين العراق وسوريا عام 1979 إلى أن قوى داخلية وخارجية أوحت لصدام حسين -الذي كان نائباً للرئيس العراقي الراحل أحمد حسن البكر- أن الاتفاق الوحدوي الذي أبرم مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد كان يستهدفه، ويهدف إلى استبعاده عن المشهد السياسي، لاسيما وأن الاتفاق تضمن أن تكون رئاسة دولة الوحدة بالتناوب بين البكر والأسد. وهذه التطورات أدت إلى استقالة البكر في 17/7/1979 وتنازله عن جميع صلاحياته لصدام حسين، وأعقبها الإعلان عن مؤامرة سورية بالتعاون مع بعض أعضاء القيادة العراقية.

العراق وإيران والجزائر 
وعاش الياسين مرحلتي نهاية حكم الشاه وبداية الثورة الإيرانية -وصفها بغطرسة الشاه وعناد الخميني- عندما كان سفيراً لبلاده في إيران، وتوقف طويلاً عند مسار العلاقة بين البلدين وانعطافاتها في العهدين، ودور الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في تحقيق المصالحة التاريخية بين البلدين، بإبرام اتفاق الجزائر الذي وقعه صدام وشاه إيران في مارس/آذار 1975 في الجزائر، وموقف الشاه وتهربه من تنفيذ الشق المتعلق ببلاده في اتفاقية الجزائر، رغم إقرار العراق لإيران بحقوق إضافية في شط العرب. وفسر موقف إيران بأنه كان بسبب استضافة العراق للخميني، مما دفع شاه إيران إلى رفض الدعوة العراقية لزيارة بغداد بسبب وجود الأخير فيها.

ونص اتفاق الجزائر -الذي وقعه صدام حسين وشاه إيران في الجزائر في 6/3/1975على هامش قمة الدول المصدرة للنفط- على ترسيم حدود الدولتين النهرية حسب خط الثالوك في شط العرب، وإجراء تخطيط نهائي للحدود البرية بناءً على بروتوكول القسطنطينية لسنة 1913، كمقدمة للحل الشامل، وبناء الثقة بين البلدين.

ويعتقد المؤلف أن موقف العراق من إيران استند إلى رأيين مختلفين داخل القيادة العراقية، الأول يتبناه الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، يدعو إلى ضبط النفس والمرونة بالتعاطي مع الخلافات مع إيران والرهان على عامل الوقت، فيما يتبنى الموقف الآخر نائب الرئيس صدام حسين، الذي يدعو إلى الوقوف بحزم وصلابة لمواجهة إيران وسياستها تجاه العراق.

وكشف الياسين أن إيران اقترحت عودة البكر إلى رئاسة العراق واستقالة صدام كشرط لموافقتها على وقف الحرب، مما دفع صدام إلى عقد اجتماع للقيادة العراقية حيث اقترح وزير الصحة رياض إبراهيم حسين عودة البكر للرئاسة مؤقتاً واستقالة صدام، لاختبار نوايا إيران وإسقاط ذرائعها.

صدام زار الجزائر سراً عام 1982 وقدم اعتذارا لقيادتها عن سقوط طائرة وزير خارجيتها بصاروخ طائرة عراقية
وحسب رواية المؤلف، فإن صاحب المقترح أعفي من منصبه وأعدم فيما بعد. ورغم عدم استقرار العلاقة بين العرق وإيران، إلا أن المؤلف يعتقد أن علاقة البلدين في عهد الرئيس العراقي الراحل عبد الرحمن محمد عارف 1966/1968 كانت أكثر استقرارا وهدوءاً، حيث رفض عارف مقترحاً للشاه خلال زيارته لإيران يتضمن إعادة النظر باتفاقية عام 1937، لتحصل إيران على موضع قدم في شط العرب، الذي كان تحت السيطرة العراقية بالكامل لغاية العام 1975.
 
وخلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 تلقى الياسين -الذي كان سفيرا لبلاده في الجزائر- أمراً من بغداد بطلب تدخل الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين لدى القيادة السورية لتزويد القوات العراقية بناقلات سورية لنقل الدبابات العراقية إلى جبهة القتال، فاستجابت دمشق لوساطة بومدين، بعد أن رفضت دمشق في البداية تزويد العراق بالناقلات المطلوبة.

ويروي المؤلف أن صدام قام بزيارة سرية إلى الجزائر عام 1982 لتقديم الاعتذار للرئيس الجزائري الراحل الشاذلي بن جديد عن حادثة إسقاط طائرة وزير الخارجية الجزائري محمد بن يحيى بصاروخ من طائرة عراقية، عند ما كان في مهمة لوقف الحرب بين العراق وإيران.

مصر وسوريا
وعن أسرار انفراط عقد الوحدة بين مصر وسوريا يقول المؤلف إنه كان في مهمة بدمشق عام 1961 والتقى القيادي في حزب البعث السوري صلاح الدين البيطار الذي حملّه رسالة إلى القيادي في حزب البعث العراقي أحمد حسن البكر، توقع فيها حدوث الانفصال مع مصر بسبب المشاكل التي رافقت التجربة، ونصحه بمغادرة سوريا حفاظاً على حياته، حيث نقل الياسين الرسالة إلى البكر. وفي إحدى محطاته يكشف المؤلف أن العراق رفض مقترحاً رومانياً جاء على لسان رئيس وزرائها -الذي زار العراق عام 1977- حيث اقترح على صدام حسين أن يغير العراق من سياسته تجاه إسرائيل، ويعترف بها كدولة، للفوائد التي سيحصل عليها جراء ذلك، مما سيعزز من مركز العراق دولياً، ويحقق استقرار وأمن المنطقة.

محطة لندن
ويعتقد أن محطة لندن التي ترأس البعثة الدبلوماسية فيها كانت مهمة، لأنها جاءت بعد قطع العراق علاقاته الدبلوماسية مع بريطانيا عام 1971 احتجاجا على تسليم بريطانيا لإيران الجزر الإماراتية الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى.

ورغم محاولاته لتطوير العلاقات مع بريطانيا، إلا أن الياسين خلص إلى نتيجة مفادها أن تداعيات تأميم العراق لشركات النفط البريطانية مطلع سبعينيات القرن الماضي كانت سبباً في بقاء علاقات البلدين على مستوى محدود.

العراق والسعودية لم يتخلصا من عُقدة الشك وعدم الثقة، وهو أمر كان يسيطر على السعودية أكثر مما كان يسيطر على العراق خلال الثمانينيات

السعودية
وخلال ذروة الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 كان الياسين سفيراً لبلاده في السعودية، التي أشاد بدورها في دعم العراق بمواجهة إيران، وفتح منافذها البحرية لاستقبال شحنات الأسلحة للعراق. وكشفَ أن العاهل السعودي الراحل فهد بن عبدالعزيز عَرَضَ عليه الإقامة في السعودية بعد انتهاء عمله والاستفادة من خبراته، كما كَشَفَ أن السعودية قدمت للعراق مساعدات متنوعة قدرها نحو عشرين مليار دولار خلال فترة حربه مع إيران.

وعلى مدى السنوات الخمس التي قضاها في السعودية، خلص المؤلف إلى القول بأن كلاً من العراق والسعودية لم يستطيعا أن يتخلصا من عُقدة الشك وعدم الثقة، وهو أمر كان يسيطر على السعودية أكثر مما كان يسيطر على العراق.

الاجتياح العراقي للكويت
وعن تداعيات الاجتياح العراقي للكويت في الثاني من آب/أغسطس1990 يشير المؤلف إلى أن الرئاسة العراقية شكلت لجنة من خبراء ومستشارين -كان هو أحد أعضائها- لتقييم تداعيات اجتياح الكويت والموقف المطلوب لتجنب آثاره، فاقترحت اللجنة على صدام حسين الانسحاب من الكويت لتجّنب العمل العسكري وآثاره التدميرية على العراق، غير أن رئيس اللجنة رفض رفع المقترح، والسبب كما قدمه هو أنه كان في اجتماع ترأسه صدام وسمعه ينتقد ويهدد من يدعو للانسحاب من الكويت، إلا أن أعضاء اللجنة أصروا على موقفهم ورفعوا توصيتهم إلى صدام الذي ردّ على المقترح بحل اللجنة وإنهاء عملها.

أخطاء عبد الكريم قاسم
ويصف الياسين الفترة التي عاشها العراق منذ سقوط الملكية -في 14 يوليو/تموز عام 1958 ولغاية الثامن من فبراير/شباط عام 1963 سقوط عبدالكريم قاسم- بأنها من أشد فترات الاضطراب في العراق، إذ شهدت صراعاً سياسياً بين القوى القومية والشيوعيين، حُسم بسقوط عبدالكريم قاسم في العام 1963.

قَدَرُ العراق -بتاريخه وحضارته ودوره ومديات تأثيراته على محيطه- أن يكون رائداً وطليعياً وملبياً نداء الواجب القومي حين تقتضي المسؤولية القومية

وحدد المؤلف ثلاثة أخطاء ارتكبها عبد الكريم قاسم أدت إلى نهايته في الثامن فبراير/شباط 1963 وهي: 
1-السماح للشيوعيين بتنظيم مؤتمر أنصار السلام في مدينة الموصل شمالي العراق عام 1959، وانطلاق قطار السلام الذي نَقل آلاف الشيوعيين من بغداد إلى الموصل، مما تسبب بوقوع ضحايا في صفوف الذين رفضوا إقامة المؤتمر في الموصل.

2- ردة فعل التيار القومي على ما جرى بالموصل، بقيام العقيد عبد الوهاب الشواف بإعلان ثورته على عبد الكريم قاسم، التي فشلت بعد حين.

3- إعدام كوكبة من الضباط القوميين ممن تعاطفوا مع حركة الشواف، رغم دعوات تخفيض أحكام الإعدام، وردة الفعل في الشارع العراقي.

ورغم هذه الأخطاء التي ارتكبها قاسم، إلا أن الياسين وصفه بأنه نزيه ولم تمتد يده على المال العام، وكان نصيراً للفقراء، وأقدم على خطوات إيجابية، في مقدمتها خروج العراق من حلف بغداد، وإصدار قانون (80) الذي استعاد العراق بموجبه كافة الأراضي غير المستغَلة من شركات النفط الأجنبية. وخلص الدبلوماسي المتقاعد عبدالملك الياسين في مذكراته إلى القول إن قَدَرَ العراق -بتاريخه وحضارته ودوره ومديات تأثيراته على محيطه- أن يكون رائداً وطليعياً، وملبياً نداء الواجب القومي حين تقتضي المسؤولية القومية. وهذا الدور والمشروع القومي الذي سعى العراق لتحقيقه واجه انتكاسات وحروبا وصراعات وحصارا وعدم فهم واستيعاب المتغيرات الإقليمية والدولية، أدت خواتيمها إلى غزوه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك