عرض/ محمد تركي الربيعو

تشهد الأوساط الاجتماعية السورية في الفترة الأخيرة من عمر الثورة السورية الطاهرة جدالا محتدما حول شروط النظام السياسي القادم، ومدى قدرة هذا الهيكل الجديد على التفاعل مع رياح التحولات الاجتماعية والثقافية التي أخذت تتأثر بها الشخصية السورية في السنوات الفائتة.

ولذلك ضمن هذا السياق الباحث عن رؤية مستقبلية جديدة غالبا يجري التطرق لطبيعة تيارات الإسلام السياسي في سوريا، التي يظن العديد من المراقبين بحتمية وصولها إلى مؤسسات الحكم أسوة ببقية بلدان الربيع العربي.

-الكتاب: الحرية والمواطنة والإسلام السياسي
-المؤلف: د. لؤي صافي
-عدد الصفحات: 176
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر
-الطبعة: الأولى/2013

بيد أن التمثلات والدروب السياسية في الساحة المصرية التي تحظى بمتابعة دقيقة في الشارع السوري، ساهمت في خلق مزاج عام سلبي وحالة من عدم الثقة والخوف من أن تقوم هذه الحركات بتكرار نفس التجربة المتعثرة داخل المشهد السوري، بما يساهم في زيادة عمق جراحه التي تأبى على الالتئام تحت ظلال سيوف مريدي العمامة الإيرانية.

ورغم مشروعية بعض هذه الانطباعات، بقيت برأينا عاجزة على تشكيل معرفة دقيقة بطبيعة الجمهور السياسي/الديني الذي أخذ يتشكل في سوريا والشرق الأوسط عموما، ويبدي ولعا شديدا بعوالم التكنولوجيا والأناقة والوجبات السريعة، كما يتميز بنفس ليبرالي وديناميكية لم تشهدها تاريخ هذه الحركات سابقا.

وربما ما يشير إلى هذه المرحلة من الانعراج الفكري الذي باتت تعيشه الأوساط الإسلامية السورية الاهتمام اللافت الذي أخذت تبديه دراسات المفكر السوري الإسلامي د. لؤي صافي لدي قياداتها ونخبها، وباتت تعده بمثابة "النموذج الغنوشي" داخل الواقع الإسلامي السوري، بحكم سعيه بأدوات ومفاهيم ما بعد حداثوية إلى بناء مرجعية ومنظومة نظرية جديدة في الفقه السياسي الإسلامي المعاصر.

وفي هذا السياق، يرى د. لؤي صافي في كتابه الصادر حديثا -الذي يعد حلقة ضمن مشروعه الذي بدأ بالعمل عليه منذ التسعينيات، والقائم على إعادة تقميش جديدة للعلاقة بين العقيدة والسياسة في الوعي الإسلامي المعاصر- أن القيادات السياسية في القوى الإسلامية الصاعدة لا تزال تقتات في أدبياتها على تصورات القادة المؤسسين لهذه الحركات التي تعود إلى حقبة الاستعمار والجهود التحريرية للخلاص منها.

ولذلك من الضروري في المرحلة الحالية والمستقبلية العمل على خلق قيادات سياسية جديدة داخل هذه الأوساط، تتميز برغبة صادقة وليس براغماتية بضرورة الحفاظ والدفاع عن الحريات السياسية والفردية داخل المجتمع.

المثقف والحرية في الإسلام
يرى د. صافي في هذا المحور من كتابه أن الدارس لتطور الأنساق الثقافية في التاريخ الإسلامي يلحظ وجود حركة مد وجزر بين نسقين أساسيين، يرتبط الأول بنوازع التعصب القبلي المؤكدة على أولوية التضامن القبلي والعرقي والمحلي، بينما يتعلق الآخر بالعالمية الإسلامية الساعية إلى بناء نموذج مجتمع مدني يقوم على تساوي البشر في الكرامة الإنسانية، وحقهم في اختيار قيمهم ومعتقداتهم ضمن إطار قيمي عام حددته "صحيفة المدينة" التي صاغها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين في يثرب. إذ أعلن هذا العقد المدني عددا من الحقوق السياسية شملت كل أفراد المجتمع السياسي المسلمين منهم وغير المسلمين، مثل حماية المظلوم في المجتمع، وحرية الاعتقاد التي ترد في نص الصحيفة "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم".

ولذلك فإن ميثاق المدينة أنشأ مجتمعا مدنيا عالميا قائما على الولاء التعاقدي بين أفراده وجماعاته، من خلال الالتزام بمجموعة من المبادئ الأخلاقية الكلية التي أخضعت الولاء العضوي للجماعات السكانية المختلفة (من مسلمين ويهود ومشركين) للولاء التعاقدي.

غير أن النزعة القبلية ما لبثت أن عادت بلبوس جديد في خضم الفوضى التي أعقبت مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان. وهكذا تحول التمزق القبلي لمجتمع الجزيرة العربي إلى تمزق عقدي في المجتمع الإسلامي الفتي، وأدى ذلك إلى انقسام المثقفين المسلمين إلى عشرات الفرق والمذاهب.

المهمة الأساسية للمثقف الإسلامي هي تأدية دور فاعل سياسيا ينصب على حياة الناس اليومية، ويسعى لخلق قاعدة اجتماعية/سياسية تساهم في بناء نموذج اجتماعي ينطلق من قيم الإسلام الكلية

بيد أن نظرة متمعنة إلى أطروحات المثقفين الإسلاميين -برأي المؤلف- تدعونا إلى تصنيفهم ضمن تيارين رئيسيين، يتعلق الأول بمثقف السلطة الساعي إلى ترويج الأفكار والمعتقدات التي تضفي الشرعية على نظام سياسي يقوم على تسلط العشيرة على المجتمع، والذي وجد في مقولة الجبرية (الإرادة الإلهية) أساسا ينطلق منه لتحقيق مهمته. وبين مثقف الأمة الذي أنكر مقولة الجبر، وسعى إلى تأكيد الحرية الإنسانية ومسؤولية الفرد على كل أفعاله بغض النظر عن أصوله العرقية أو القومية، أو انتمائه العقدي أو الديني. واستطاع بذلك تحقيق نهضة حضارية عالمية ساهم فيها العربي والفارسي والهندي والبربري والكردي والتركي، كما ساهم فيها المسلم والنصراني واليهودي.

بعد هذه القراءة لدور المثقف في الحضارة الإسلامية، يعرج بنا الكاتب على حياة المثقف الإسلامي المعاصر الذي تكمن مهمته الأساسية برأيه في تأدية دور فاعل سياسيا ينصب على حياة الناس اليومية، ويسعى لخلق قاعدة اجتماعية/سياسية تساهم في بناء نموذج اجتماعي ينطلق من قيم الإسلام الكلية، ومن تجارب وخبرات الحضارة الغربية الحديثة.

مع التأكيد على أن الفعل السياسي الذي يهيب بالمثقف القيام به لا يتعلق بالعمل الحزبي الضيق التي اكتوت بناره أجيال من المثقفين العرب، بل بسياسة التغيير باعتبارها تهدف إلى تقوية وتطوير مؤسسات المجتمع المدني، والتي تشكل الأوعية الفاعلة للجسد المجتمعي، بحيث تمكن الفرد من القيام بوظائفه الاجتماعية المختلفة، وإعطائه الفرصة للمبادرة وزرع الشعور بالمسؤولية الاجتماعية في وجدانه.

الإسلام والدولة
نعثر في هذا الفصل على حفريات ومقاربة جديدة للعلاقة بين الدين والدولة داخل الحقل التاريخي الإسلامي والمعاصر. حيث يرى الكاتب أن إشكالية العلاقة بين الديني والعلماني إشكالية حديثة، ترتبط مباشرة بالتجربة التاريخية للمجتمعات الغربية التي سعت إلى وقف الاقتتال الديني بين الكنيسة الرومية والكنائس المنشقة إبان بروز حركات الإصلاح الديني في الغرب، وبروز الحاجة إلى فصل المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية.

لذلك فإن الذاكرة الجمعية للمجتمعات الغربية بخصوص العلمنة تتصف بالإيجابية، في حين اتسمت الذاكرة الجمعية للمجتمعات المسلمة بالسلبية. حيث إن الحديث عن الدولة العلمانية يعني لدى الغربي مدخلا للكلام حول الحريات الدينية وحق الأفراد بممارسة أديانهم بعيدا عن تدخل الدولة، في حين أخذت تعني لغالبية المسلمين تسلط الدولة وتحكمها بحريات الناس، بما في ذلك حرياتهم الدينية.

ولذلك يعتقد د. صافي في أن الإشكالية بين الدين والعلمانية في تاريخنا الإسلامي تتعلق بطبيعة وفلسفة الدولة الحداثية التي هيمنت على المجتمعات السياسية المسلمة في العصر الحديث، التي تتمتع بصلاحيات واسعة في دوائر الحياة العامة، لا الدوائر السياسية والاقتصادية فحسب، بل الدوائر الثقافية والتعليمية والأسرية. في حين أن مثل هذه الصلاحيات الواسعة التي تمتلكها الدولة الحداثية لم يكن لها نظير في تاريخ المجتمعات الإسلامية.

فقد تميزت الدولة في التاريخ الإسلامي بصلاحياتها المحدودة والمقتصرة على دوائر الأمن والدفاع، بينما اتسم المجتمع الأهلي في ذاكرتها بحيويته وحضوره المستمر وقدرته على تنظيم المجتمع بعيدا عن هيمنة أجهزتها، من خلال ارتباطه الوثيق بوظائف التعليم وتنظيم المهن التجارية والمرافق العامة: من مستشفيات، ودور لإقامة الطلبة، والمنح الدراسية وغيرها من الخدمات التي تشغل بال المجتمع الأهلي، بالاعتماد على مؤسسة الوقف التي ساهمت في تأمين مصادر الإنفاق على تلك الخدمات. مما ساعد على خلق حالة من الاستقلال المادي عن مؤسسات دولة الخلافة/السلطنة.

ولذلك يرى الكاتب أن التحول من النموذج التاريخي إلى النموذج الحداثي، وسوء الفهم لطبيعة المؤسسات التاريخية هو المسؤول عن الدعوات المتهافتة إلى شرط قيام الدولة بتطبيق الشريعة، وذلك انطلاقا من رؤية ومنطق مغلوط يرى أن الدولة الغربية الحديثة تتميز بتطبيق القوانين الغربية مما وجب أن تطبق الدولة الإسلامية شريعتها الدينية. بينما كان واقع مؤسسة الدولة في العالم الإسلامي من الناحية التاريخية لا يشير إلى ارتباطها بمهمة التقنين والزام المجتمعات المحلية بقراراتها المركزية، إذ بقيت مهمة تبني القانون مرتبطة بالكتل الاجتماعية المحلية.

ولذلك كان من الخطأ ربط الشريعة الإسلامية التي تطورت وهي تسعى للحيلولة دون توسع سلطة الدولة المركزية بمؤسسات الدولة الحداثية ذات الصلاحيات الواسعة التي تخولها التقنين للمجتمع عبر مختلف دوائره.

وانطلاقا من هذه الرؤية فإن المطلوب -برأي الكاتب- يتمثل في إعادة النظر بصلاحيات الدولة، وعلاقتها بالقوانين ومؤسسات المجتمع. والبحث من جديد في العلاقة بين القانون والمؤسسات الاجتماعية، وآليات سن التشريعات وإلزام المجتمع المدني بها في زمان تتقارب فيه المسافات، وتتعدد مسارات الاتصال وقنوات الحوار والتبادل الثقافي والديني بين الشعوب والأمم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك