عرض/ مركز الإعلام العربي

تطرح المشكلات الحالية في مصر، والممانعة التي يواجهها المشروع الإسلامي من جانب أتباع النظام القديم ومعارضي المشروع من النخب التي تتبنى أيديولوجيات أخرى، مثل القوميين والليبراليين، حزمة من القضايا، من أبرزها قضية البديل، بديل الحكم الراهن في مصر، والذي أفرزته ثورة الخامس والعشرين من يناير.

-الكتاب: الدولة والإخوان بين ثورتَيْن.. البديل الإسلامي, هل له بديل؟!
-المؤلف: د. رفيق حبيب
-عدد الصفحات: 88
-الناشر: دار التوزيع والنشر, القاهرة
-الطبعة: الأولى/ 2013

وبين أيدينا كتاب للمفكر المصري المسيحي الدكتور رفيق حبيب، الذي شغل لفترة طويلة منصب المستشار السياسي للمرشد العام للإخوان المسلمين، وكان عضوًا في الهيئة الاستشارية لرئيس الجمهورية الحالي في مصر، الدكتور محمد مرسي، يناقش سؤالاً مهمًّا في هذا الإطار، وهو ما هو البديل الممكن للإسلاميين في الحكم في مصر.

وفي هذا الإطار، يتناول حبيب مجموعة من القضايا المرتبطة، من أهمها حالة التدافع الحالية القائمة في مصر بين نظامَيْن، الأول الذي أفرزته ثورة يوليو/تموز من عام 1952، والثاني ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، وكيف أدى هذا التدافع إلى تعطيل المرحلة الانتقالية في مصر، بعد ثورة يناير.

كما يناقش ملامح ما أسماه محاولات بعض الأطراف في مصر لإفشال المشروع الإسلامي، ويقول: إن القضية الأخطر في هذا الإطار، هي أن من يحاولون ذلك لا يملكون بديلاً فاعلاً يقدمونه، بما يعرض الدولة في مصر بأكملها إلى خطر الانهيار.

مصر بين ثورتَيْن
يبدأ الكاتب مؤلَّفه بالقول: شاركت جماعة الإخوان في ثورتَيْن؛ ثورة يوليو/تموز 1952، التي بدأت كانقلاب عسكري، ثم تحولت إلى ثورة شعبية بحكم التأييد الشعبي لها، وثورة يناير/كانون الثاني 2011، التي بدأت كثورة شعبية، واستمرت كذلك.

واختلف دور جماعة الإخوان في الثورتَيْن، ففي ثورة يوليو/تموز، طلب تنظيم الضباط الأحرار من الإخوان تأييد حركة الجيش، وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر نفسه عضوًا في الجناح العسكري لجماعة الإخوان، وأصبح بعد ذلك مسؤولاً عنه، ثم ترك الجماعة بالاتفاق معها، حتى يتمكن من تجميع ضباط من مختلف الاتجاهات، وحتى لا يكون لتنظيم الضباط الأحرار توجه إسلامي ظاهر.

ويضيف أن حركة الإخوان مهدت ريعًا لتحول الحركة إلى ثورة تلقى تأييدًا شعبيًّا؛ لأنها كانت أول كيان شعبي يؤيد الثورة ويحشد لها.

ولكن الاختلاف بين حركة الضباط الأحرار وجماعة الإخوان كان حتميًّا في النهاية؛ لأن حركة الضباط الأحرار لم تكن تحمل مشروعًا إسلاميًّا، وجماعة الإخوان تحمل مشروعًا إسلاميًّا.

في البداية، حاول الضباط الأحرار إقناع الإخوان أن مشروعهم بدورهم إسلامي، ولكن هذا لم يكن حقيقيًّا، وهو ما تأكد في الأيام الأولى للثورة؛ فقد كانت حركة الضباط الأحرار تحاول بناء الدولة القوية والجيش القوي، على النمط الحديث المستمد من الغرب، كما أن حركة الضباط الأحرار، شُكلت على أساس ألا تكون لها هوية سياسية محددة، وجمعت اتجاهات مختلفة، وكان منها بالطبع من انتمى لجماعة الإخوان، مثل عبد الناصر.

لذا لم يكن المشروع يوحد بين حركة الضباط الأحرار وجماعة الإخوان، ولم تكن حركة الضباط مستعدة لفتح الباب أمام تنافس المشاريع المختلفة، ولم تكن مستعدة بالطبع لفتح الباب أمام المشروع الإسلامي فقط، بل كانت في الواقع تميل لحصر القيادة في النخبة العسكرية، لتبني المشروع الذي تحمله الحركة، وهو لم يكن مشروعًا واضحًا أو محددًا من البداية، ولكنه تشكل عبر الوقت، كما يقول رفيق حبيب.

والثابت الوحيد في توجه حركة الضباط الأحرار، كان بناء الدولة وتحقيق التنمية، بعيدًا عن الممارسة السياسية الديمقراطية، وعلى نمط الدولة الحديثة في الغرب.

لذلك -يقول حبيب- كان توجه عبد الناصر في الخمسينيات رأسماليًّا، ثم تحول إلى التوجه الاشتراكي في الستينيات، لأن توجهه قام أساسًا على توازنات القوى الدولية، وارتبط بالقوة التي تسانده دوليًّا.

عهد مبارك لم يكن مختلفًا عن سابقيه، فقد بدأ بهدنة مع الإخوان، استمرت لأكثر من عقد من الزمان، ثم انقلب عليها، عندما رأى أن قوتهم سوف تصبح منافسًا حتميًّا له ولنظامه

ومن بين أبرز الأوجه التي قادت إلى افتراق الإخوان عن ثورة يوليو من وجهة نظر حبيب، أن دولة يوليو "لم تكن مشروعًا للانفصال عن النموذج الغربي السياسي، ولم تكن مشروعًا للتحرر الحضاري، ولم تكن مشروعًا للاستقلال الكامل عن القوى الدولية، بل كانت فقط مشروعًا للتحرر من الاستعمار العسكري".

ويقول حبيب: إنه بهذا لم يكن طريق دولة يوليو مناسبًا أو متفقًا مع طريق جماعة الإخوان، مما جعل الصدام والخلاف حتميًّا، ويشير أيضًا إلى أنه لم يخلُ عهد من عهود دولة يوليو من صدام مع جماعة الإخوان. وكان كل عهد يبدأ بهدنة مع الإخوان، وينتهي بالصدام معها، وهو ما حدث في عهود عبد الناصر وأنور السادات، وحتى حسني مبارك.

ويقول الكاتب: إن عهد مبارك لم يكن مختلفًا، فقد بدأ بهدنة مع الإخوان، استمرت لأكثر من عقد من الزمان، ثم انقلب مبارك عليها، عندما رأى أن قوة الإخوان المسلمين تتمدد على الأرض، وسوف تصبح منافسًا حتميًّا له ولنظامه.

وعبر كل هذا التاريخ الممتد من الصراعات والصدامات بين الإخوان ودولة يوليو، جاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، وشاركت فيها جماعة الإخوان المسلمين، وكانت العمود الفقري، أو الجزء المنظم القوي القادر على حماية الثورة في جميع مراحلها.

ويضيف الكاتب أن جماعة الإخوان في مصر تمثل العمود الفقري للمجتمع، أي النواة الصُّلبة له، كذلك كانت الجماعة هي النواة الصُّلبة للثورة الشعبية المصرية، في جميع مراحلها.

ولأن الثورة المصرية كانت شعبية، لذا لم تكن لها قيادة، ولم يكن لها برنامج سياسي محدد، ولم تكن ثورة قامت بها الدولة، ولا انقلابًا عسكريًّا، مما جعلها ثورة المجتمع كله، لينال حريته، فتحت الطريق أمام تشكيل دولة جديدة، ونظام سياسي جديد، حسب الخيارات الشعبية، حيث حررت الإرادة الشعبية، ليصبح الشعب هو مصدر السلطات، مما يمكن المجتمع من تحقيق المستقبل الذي يريده، من خلال خياراته الحرة.

هنا تغير الصراع، وبدأت مرحلة الصراع المفتوح، أي الصراع الذي لا تحكمه قواعد محددة، أو مسار محدد، فهو صراع بين مكونات الماضي وميراثه، وفي الوقت نفسه هو صراع بين كل مكونات الحاضر، وأيضًا هو صراع حول المستقبل.

بين يوليو ويناير
ظل الصدام مستمرًّا بعد ثورة يوليو بين النواة الصُّلبة للدولة، والنواة الصُّلبة للمجتمع، أي بين القوات المسلحة وجماعة الإخوان، وإن كان هذا الصراع ظهر للسطح في مرات وتوارى مرات أخرى، لكنه كان الصراع الأهم.

فالنواة الصُّلبة للدولة مثلت في الواقع المالك الحقيقي لها، وأصبحت الدولة والنظام السياسي مستندًا على القوات المسلحة، نظريًّا وعمليًّا، وأصبحت النواة الصُّلبة للدولة، هي التي تحمي الدولة والنظام، وهي التي خرج منها النظام، ويأتي منها رأس النظام.

واجهت هذه النواة الصُّلبة للدولة، نواة صُلبة للمجتمع، شكلت قوة موازية لها، ولها حضور اجتماعي، وهي جماعة الإخوان المسلمين، شكلت تهديدًا لهيمنة ثورة يوليو على المجتمع المصري.

ولذلك يمكن رد ما حدث ويحدث في مصر في مرحلة ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، إلى هذا العمق التاريخي، الذي شرَّحه رفيق حبيب بكفاءة، ويتهم دولة يوليو بأنها في طريقها للهيمنة على المجتمع، قامت بتفكيك كل مؤسسات ومكونات المجتمع، وتعطيل العمل الأهلي فيه، ولكن ظلت جماعة الإخوان عصية على أي تفكيك، حتى في أحلك المراحل.

الإخوان وتيار الإسلام السياسي بشكل عام، ليس وافدًا طارئًا على الحياة السياسية في مصر، وإنما هو مُكوِّن أصيل من مكونات الحياة السياسية والمجتمعية في مصر

ويشير إلى أنه في مرحلة ما بعد الثورة، وبرغم تأييد الجيش لها، كثورة شعبية كان الإخوان جزءًا أصيلاً منها، استمر هذا الصراع بشكل آخر، على مائدة السياسة، مع تصدي الإخوان وحزبهم، الحرية والعدالة، لمحاولات المجلس العسكري الذي حكم مصر بعد مبارك، لجرف الثورة عن مسارها الأساسي، ومنع السلطة التنفيذية من العودة إلى الهيمنة على الحكم مرة أخرى، والتأسيس لحكم نيابي قائم على أساس الإرادة الشعبية.

والفكرة الرئيسية التي يخرج بها الكاتب في هذا الإطار هي أن الإخوان وتيار الإسلام السياسي بشكل عام، ليس وافدًا طارئًا على الحياة السياسية في مصر، وإنما هو مُكوِّن أصيل من مكونات الحياة السياسية والمجتمعية في مصر.

ولذلك، فهو ينفي أولاً بعض المزاعم التي ترددها بعض التيارات المعارضة للإخوان في مصر الآن، من أنهم بديل مؤقت لحكم مبارك، ومن ثم يمكن أن يتغير، باعتبار عدم استقرار الأوضاع في البلاد بعد عامين ونصف العام من الثورة، ويحذر من أن محاولة الإطاحة بالإخوان المسلمين، على تجذرهم، وعدم وجود برنامج واضح لمعارضيهم، قد يقود إلى فوضى في مصر!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك