عرض/ نزار الفراوي

في  كتابه "أوهام الغرب عن الإسلام" يعيد الباحث المغربي محمد رضوان بناء قصة عداء ممنهج، ترعرع في حضن الكنيسة، وانسحب على مختلف واجهات الإنتاج الفكري والثقافي والسياسي، التي يحضر فيها الإسلام/الآخر، كعدو، منافس في خلق القيم الرمزية و التعبئة على مشروع كوني حضاري، أو كموضوع للتوسع وبسط الهيمنة، أو كمصدر تهديد أبدي لبنيان الحضارة الغربية، كرؤية للعالم، ونمط حياة ومنظومة قواعد للاجتماع الإنساني ككل.

الكتاب الذي صدر بالدار البيضاء في طبعة ورقية بعد طبعة إلكترونية في لندن، يصل حاضر العلاقات الغربية الإسلامية بماضيها، من خلال استعادة الجذور التي أرست التصورات الكلية للعالم الغربي تجاه العالم الإسلامي، دينا وحضارة وواقعا بشريا، وتفكيك ينابيع المغالطات والأحكام النمطية التي لا تخمد في عصر إلا لتنتعش في عصر آخر.

تراث لاهوتي معاد للإسلام
لقد اتخذت العلاقات بين الغرب والإسلام صيغا وأبعادا مختلفة، بامتداد قرون التماس والتفاعل بين الكتلتين الحضاريتين، إلا أن الثابت الإبستمولوجي في المقاربة الغربية -كما قال بذلك المفكر الكبير محمد عابد الجابري- هو تحديد الأنا عبر الآخر، تصنعه بالصورة التي تجعله قابلا لأن يقوم بالوظيفة التي تريدها منه.

-الكتاب: أوهام الغرب عن الإسلام
-المؤلف: محمد رضوان
-عدد الصفحات: 162
-الناشر: الأندلس, الدار البيضاء, المغرب
-الطبعة: الأولى/2013

بدأ هذا المسار عبر الفكر الكنسي الذي أنتج جملة من المقولات التي تدعي "بطلان الإسلام كدين سماوي قائم على الوحي الإلهي" وتلصق به تهم الإرهاب والشهوانية، كما ترمي سيرة النبي الكريم بالتهم المخلة.

ويعتبر الكاتب أن القاعدة العدائية التي رسختها الكنيسة المسيحية تجاه الإسلام -خصوصا أنها اضطلعت خلال العصور الوسطى بأدوار هامة في سياسة الدول وحياة الأفراد ونشاط المفكرين والعلماء- حفزت كل هؤلاء على مناهضة دينية عابرة للعصور، أعادت إنتاج مشاعر الحقد على الدينامية التوسعية التي اكتسبها الإسلام خارج الجزيرة العربية، وفي كل الاتجاهات.

إبداع غربي ينضح بالأحكام النمطية
لم يبق التجنيد العقدي لمناهضة الإسلام حبيس جدران الكنائس، بل امتد مفعوله ليطال مختلف شرائح المجتمعات الغربية، معتمدا التعليم كوسيط لنقل الأفكار الجاهزة وغرس المواقف المسبقة. وشكلت النخبة الفكرية والأدبية موقعا خصبا لبلورة هذه الصورة الذهنية، وتسويق التمثلات التي أثرت إلى اليوم في صورة الإسلام والمسلم لدى الغرب، مع تحولات في الصيغ والمقاربات.

وكما يبين ذلك الكتاب، فإنه لم يسلم آباء الإبداع الغربي من التخندق في معسكر الحرب على الإسلام، وفي مقدمتهم الشاعر الإيطالي الكبير أليغري دانتي -مؤلف "الكوميديا الإلهية"- الذي يصف في رحلته الوهمية إلى العالم الآخر "كيفية عذاب النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلي بن أبي طالب في الجحيم" (ص 41).

هذا مع العلم بأن الشاعر الإيطالي تأثر بشكل واضح بأبي العلاء المعري وكبير الصوفية ابن عربي، وهي واقعة تبين من زاوية أخرى مدى نبذ الإيديولوجيا الغربية للحضارة الإسلامية ككل، إذ نفى بعض النقاد الغربيين -وخصوصا الإيطاليين- وجود أي بصمة للثقافة العربية في الكوميديا الإلهية.
وتفسير ذلك بسيط بالنسبة للباحث محمد رضوان: فبالنسبة لهؤلاء "مصادر الإلهام في الأعمال الكبرى والخالدة في تاريخ الفن والأدب بأوروبا لا يمكن تصورها خارج نسق الإبداع الإغريقي الروماني، أو حكايات وأساطير الشعوب الجرمانية".

حظي القرآن الكريم والسنة النبوية بنصيب وافر في عملية النقد التي لم تتورع عن ترويج مغالطات تستهدف زعزعة الثوابت الدينية على غرار الطعن في السنة ونسبتها إلى عمل المسلمين خلال القرون الأولى

الاستشراق.. و"اختراع الشرق"
يتوقف الكاتب عند الدور الذي اضطلع به الاستشراق في اختراع الشرق بوجوه عديدة، أحيانا غرائبية وأخرى متخلفة واستبدادية. سيصبح الشرق اختراعا غربيا بتعبير المفكر الراحل إدوارد سعيد، لأنه مشحون بحمولات دينية وثقافية وفكرية.

ويبين الباحث في هذا السياق أيضا أن نشأة الفكر الاستشراقي لم تكن بعيدة عن الرعاية الكنسية، انطلاقا من دعوة مجمع فيينا الكنسي عام 1312م إلى إنشاء عدد من كراسي اللغة العربية بعدد من الجامعات الأوروبية. وكثير من طليعة هذه النخبة الاستشراقية ذات المرجعية الدينية نهل من ثمار الثقافة العربية الإسلامية في الأندلس، وبدأت بعض الترجمات الغربية لمصنفات العرب في الفلسفة والطب والفلك.

كما انبرى آخرون إلى تقصي مختلف مصادر الدين الإسلامي ترجمة ونقدا ومقارنة. وحظي القرآن الكريم والسنة النبوية بنصيب وافر من هذه الحركة التي لم تتورع عن ترويج مغالطات تستهدف زعزعة الثوابت الدينية، على غرار الطعن في السنة ونسبتها إلى عمل المسلمين خلال القرون الأولى (ص49).

من الحروب الصليبية إلى الاستعمار
لم يكن للكتاب أن يغفل محطة هامة في تشكيل المخيال الجماعي للغرب تجاه الشرق العربي الإسلامي، وتتمثل في الحروب الصليبية التي لم يتردد بعض المؤرخين الأوروبيين في اعتبارها هبة مسيحية لإنقاذ نصارى الشرق من الاضطهاد الديني، علما أن جمهرة من المنصفين الغربيين تتفق على طابع التسامح الذي ميز الحكم العربي الإسلامي بفلسطين على وجه الخصوص، على خلاف ما عاشوه تحت قبضة الإمبراطورية الرومانية أو البيزنطية.

وتأتي الحركة الاستعمارية استئنافا لهذه الحروب في نظر الكاتب، الذي يحرص على إبراز الصلات بين هاتين الظاهرتين التاريخيتين، خاصة من ناحية الدوافع والمنطلقات، وكذا النتائج والأهداف والانعكاسات.

إن محمد رضوان يرفض وضع هذه الحملة تحت يافطة الحاجة الاقتصادية الناجمة عن نمو الرأسمالية الأوروبية، ودينامية البحث عن أسواق جديدة ومصادر للمواد الأولية والسواعد البشرية.

يكتب في الصفحة 66: "ولعل هذه النخبة الجديدة من الأوروبيين، التي مسكت زمام الأمور بأوروبا بعد عصر النهضة، هي التي قادت في ما بعد تجربة الحركة الاستعمارية في الشرق والغرب من العالم الإسلامي، وكان امتلاك الأرض والثروة واستغلال الموارد الطبيعية ضمن أهداف هذه الحركة، لكن أيضا كان من أهدافها غير المعلنة هذه المرة تغيير البنية العقدية والفكرية واللغوية والاجتماعية لكثير من شعوب البلاد الإسلامية، في مسعى لتحقيق أهداف الحركة الصليبية القديمة، حتى وإن بدت العلاقة بعيدة، أو غائبة، بين آباء الكنيسة المسيحية ودعاة الحركة الاستعمارية الأوروبية".

الإسلام العدو الاحتياطي
بهذه الخلاصات المنبثقة عن استعادته لتاريخ "أوهام الغرب عن الإسلام"، يتناول الباحث المغربي محددات المقاربة الغربية للإسلام في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تلك المفاجأة السعيدة التي أفاق معها الغرب على واقع فراغ إستراتيجي عظيم، رشحت النخبة الأميركية في مراكز البحث، وصناع القرار الإسلام لشغله، ليصبح الخصم العالمي الجديد، خصوصا مع إطلاق نظرية "صدام الحضارات" لصمويل هنتنغتون الذي حسم بأن الاختلافات الثقافية والحضارية ستكون المصدر الأساس للصراع الدولي، في فترة ما بعد القطبية الثنائية.

وبغض النظر عن الجدل حول مدى مصداقية هذه النظرية، وعدم قدرتها على كسب تيار واسع من النخبة العلمية والسياسية في الغرب نفسه، فإنها -على الصعيد التنفيذي- كسبت موقعا لها داخل بعض أجنحة الحكم في الولايات المتحدة وأوروبا.

ويلاحظ الكاتب أن العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالي شهدا "عدة أحداث ومواقف تشي بالأحقاد الغربية الدفينة تجاه العالم الإسلامي، فتعرض كثير من أجزاء هذا الأخير لعمليات تدمير ونهب ونشر للفوضى العارمة، كما لم تخل كثير من تلك الأحداث والمواقف من دوافع عدائية دينية وحضارية قديمة، برغم من محاولات إخفائها باعتبارات سياسية أو أمنية أو قانونية". (ص 80).

جاءت أحداث سبتمبر/أيلول 2001 لتفجر علاقات الغرب بالإسلام والمسلمين، حيث مثلت مدخلا لإعادة صياغة العديد من السياسات الدبلوماسية والأمنية والعسكرية وحتى الثقافية تجاه العالم الإسلامي

وجاءت أحداث سبتمبر/أيلول2001 لتفجر هذه الخلفيات الحضارية في علاقات الغرب بالإسلام والمسلمين، حيث مثلت مدخلا لإعادة صياغة العديد من السياسات الدبلوماسية والأمنية والعسكرية وحتى الثقافية تجاه العالم الإسلامي، فتنامت الضغوط من أجل تجفيف ما يسمى بمنابع الإرهاب والقضاء على أسباب التطرف الديني، وإصلاح البرامج التعليمية وغيرها.

الاستقصاء العميق، وتنوع المراجع نقطة قوة كتاب "أوهام الغرب عن الإسلام" الذي يقدم إسهاما مقدرا في مسعى فهم خلفيات الذهنية الغربية تجاه الإسلام والمسلمين، ومحددات السلوك الإستراتيجي الغربي في هذا السياق، غير أن الجهد البحثي للمؤلف ظل قاصرا من جانبين:

أولا، الطابع التعميمي الذي لا يخلو من انطباعية واندفاعية عاطفية في باب حشد حجج وشواهد "الحقد" الغربي على الإسلام، وهو ما لم يتح القدر الكافي للوقوف على شرائح لا يمكن تجاهلها من المثقفين والإعلاميين وحتى الناشطين السياسيين الذين يبدون تعاطفا ورغبة حقيقية في فهم قضايا العالم الإسلامي، وينقلون أصواته ويدافعون عن إسهامه.

أما الجانب الثاني فيهم المسؤولية البديهية للعالم الإسلامي -ولو جزئيا- في إنتاج الصورة السلبية عنه، إن بانسحاب النخب السياسية والثقافية من حقل التدافع الإعلامي "لصنع صورتنا بأنفسنا بدل أن يصنعها الآخرون" أو بخفوت أصوات العقل مقابل ارتفاع أصوات زائغة، تطرفا أو تخلفا، توفر للآلة الدعائية والتحريضية في الغرب المادة الخام التي تشبع عملها الإيديولوجي الذي يستهدف فاعلا حضاريا يراد له أن يظل عدوا أبديا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك