عرض/ ياسر باعامر

عند استعراض كتاب الباحث الفقهي السعودي عبد الله بن سليمان العتيق، ستجد منذ الوهلة الاستعراضية الأولى للمادة العلمية للمؤلف، أنها تحمل في طياتها جدلاً يتجاوز الخلاف على "المسائل الفقهية"، إلى محاولة كسر التابوهات الدينية في مجتمع عرف عنه أنه "محافظ حتى النخاع".
-الكتاب: ثقافة التحريم.. قراءة في فتاوى وآراء التحريم
-المؤلف: عبد الله بن سليمان العتيق
-عدد الصفحات: 160
-الناشر: دار مدارك للنشر, السعودية
-الطبعة: الأولى/ 2013

العتيق الذي لازم المدرسة الفقهية التقليدية السعودية لسنوات، قام بتحليل بعض "النماذج" والمواقف التي أنتجتها المؤسسة الدينية الرسمية المعروفة محلياً بـ"هيئة كبار العلماء"، في القضايا التي تحمل دلالات وانعكاسات اجتماعية ودينية ترتبط ببنية المجتمع، مشيرا إلى أن قضايا التحريم التي لجأت إليها "فتاوى العلماء" الرسميين، في عدد من الموضوعات لم يكن لها أساس في التحريم، بل جاءت لسببين، الأول بفعل التأثيرات الكبيرة للعادات والتقاليد الاجتماعية، التي سيطرت على إخراج بعض الفتاوى المناهضة مثلاً للرياضة النسائية وقيادة المرأة للسيارة، فيما السبب الثاني الذي يدفع إلى "ثقافة التحريم" هو المبالغة في حفظ هوية البلاد.

بلورة التحريم
لفهم "بلورة التحريم"، يمكن الاستشهاد بجزئية من مقدمة العتيق الواردة في الصفحة العاشرة والتي تحمل مؤشرات مهمة لعمق المؤلف الذي يقول: "هذه أوراق مساهمة حول ثقافة التحريم، من خبرة عيش في سراديبها زمناً، ومن مطالعات على مأسوف عليه من نتاجها، لأجل صيانة الدين من عبث أهله، ولا أضر على الأديان من أتباعها، والدين بريء من نتاج هذه الثقافة، كما هو بريء من الكثير المنسوب إليه".

الكتاب واجه تضييقاً كبيراً في معرض الرياض الدولي للكتاب الذي عقد في مارس/آذار الماضي، من قبل مراقبي وزارة الثقافة والإعلام، الذين طالبوا دار النشر بعدم إبرازه للحساسية التي يعالجها، إلا أن المنتديات والإلكترونية، وشبكتي مواقع التواصل الاجتماعي، رأت في الكتاب نظرة مقاصدية شرعية مختلفة عن السائد المطروح في الخارطة الفقهية المحلية.

مناقشة للمؤلف للفتاوى استندت على الأدلة نفسها التي قام عليها التحريم، فهي إما من الأدلة العامة الشرعية نقلية كالوحيين، ومناقشة توظيفها أو تنزيلها على القضية المستفتى عنها، حيث اعتمد المؤلف تحرير الأدلة وبيان وجهها الصحيح، إلى جانب المناقشة بما جاء في المذاهب الأخرى.

الأصل الإباحة
يتكلم الكتاب عن ظاهرة "ثقافة التحريم" التي انتشرت لتقطعَ أصْلَ نعمة الإباحة، من خلال تحريم الكثير من المباحات بلا استناد على دليل واضح صريح، فكان من البُدِّ أن تكون هذه الظاهرة في محكِّ النظر، وفي ميزان العلم، لتُقامَ على ميزان العمل، ويتكون الكتاب من قسمين، الأول مقدمات، والثاني تحليل نماذج تحريمية واقعية.

الحديث في المقدمة تعرض إلى خطورة التعرض لتحريم ما أباحه الله تعالى، والحذر من الوقوع في تضييق حياة الناس وتحجيرها بسبب منعهم من المباحات بدون أي استناد شرعي، وكذلك بيان أصول المحرَّم في الشريعة التي يُقصَد بها منزلة المحرَّم وبعض قضاياه، وأنه لم يُترَك ليضعه الناس حسبما اتفق وراق لهم، فكان الكلام عن أن المحرَّم استثناء وليس أصلاً، فهو طارئٌ، وله أحكامٌ خاصةٌ تناسبُه، والطارئُ لا يكون إلا محدوداً معدوداً، فليس هو بالكثير الذي يُزاحمُ الأصليَّ، ولا هو بالذي يُشابِهه في الكثرة.

المحرَّمُ مُعلَّلٌ، بعللٍ خاصة به تجعلُ وصفَه بالحرام دقيقاً، وهذه العلة التي حُرِّمَ بها الحرام تحتاج إلى أصولٍ حتى تُعتمَد، منها الثبوت، وثبوتها بشيئين: نص صريح وعقل رجيح

وعلى ذلك فالمحرَّمُ مُعلَّلٌ، بعللٍ خاصة به تجعلُ وصفَه بالحرام دقيقاً، فلا يُنقَل الوصف بالتحريم إلى غيره إلا عند التوافق في تلك العلل، وهذه العلة التي حُرِّمَ بها الحرام تحتاج إلى أصولٍ حتى تُعتمَد، منها الثبوت، وثبوتها بشيئين: نص صريح صحيح الوجه، لا يحتملُ غيرَ النقل، وعقل رجيح صحيحُ الاعتبار صريح التوجيه، ومنها تغليبُ أثر العلة، فالعلةُ التي أثرُها ليس غالباً لا قيمة لها، كذلك التقييد بذات العلة، فلا يُقيَّد الحرام بعلةٍ غير العلة التي كانت سببَ التحريم، ومن أصول العلل كذلك أن تُقدَّر العِلَّةُ بقدرها، فلا يُزاد فيها ولا يُنقَص عنها، كذلك اعتبار أن العلةُ لا تكون أصلاً في الحكم.

وناقش المؤلف الكلام عن أنواعُ المُحرَّم، وبيان أنه نوع واحد وهو المحرَّمُ لغيره وبغيرِه، أي أن التحريمَ جاءَ لأجلِ علة أو بسبب علةٍ، لا كما استقرَّ أن المحرَّمَ نوعان، محرَّمٌ لذاته، ومحرَّمٌ لغيره، وعلى هذا فهو نوعان الأول حرام قطعي، لا يقبل جدلاً كبيراً، لورود أدلة شرعية وأخرى غيرها، كشرب كثير الخمر المسكر، فيما الثاني: حرام ظني، وهو ما لا تحتمل حكمه أدلة شرعية، وتقتضي أدلة أخرى كونه محرَّماً.

وتعرَّضت المقدمات إلى بيان أنَّ فقه التحريم فقه ضعفٍ وخوفٍ، وليس فقهَ القوي الذي لا يجد خوفاً مما يأتيه من إصدار أحكام التشريع، والضعف في أصحاب هذا الفقه هو ضعف التكوين العلمي، والضعفُ في بناءِ قواعد فهم الفقه في الشريعة، وضعف الإدراك العلمي، في إدراكِ مقاصِد الدين في أحكامه، والضعف في العرض العلمي، اللذين صنعا ضعف العرضِ العلمي، بحسب العتيق.

أسباب ثقافة التحريم
وأدرج المؤلف أسباب حصول ثقافة التحريم، والتي أجملها في عدة نقاط جوهرية، الأول ما أطلق عليه "الظاهرية الفهْمية للنصوص"، التي غالباً ما تكون قضايا شخصية، وأخذ الأحكام منها، والثاني غياب الإدراك العِلَلِيْ، فعلل الأحكام في إعمال العقلِ في النظر في تاريخ الأحكام وأحوالها، فالنصوص ليست كافية في بيان العلل، والسبب الثالث تعطيل المقاصد الشرعية، التي حينما تُفعَّل فإنها تعيش حال الإنسان، واحتل الجمود البحثي السبب الرابع في انتشار هذه الثقافة.

وهنا يقول المؤلف: "غالبُ من ينتمي إلى ثقافة التحريم لا يبذلون جُهداً في البحث للقضايا المطروحة بحثا مناسباً، وإنما يُكتفى بالمعلوم"، والسبب الخامس تعطيل الظرف الديني، فعند أصحاب ثقافة التحريم أن ما هو حرام في الأزمنة الأولى يبقى كما هو عليه الآن، وهم "سد الذرائع"، أصبحت سبباً في منع الكثير مما هو في أصله مُباح، وهي قاعدة معتبرة في الشريعة، ويُعمِلها الفقيه إذا أدرك، باليقين أو غلبة الظنِّ، أن الذريعة تُفضي إلى محرَّم أو إلى فساد، والأخير الرجال، فيذهب المحرمون إلى الاستدلال بفلان وفلان.

ومن المقدمات أدلة التحريم، فهناك منها عدم الدليل، وهو ليس دليلاً على عدم بقاء الشيء على أصله إذا كان مباحاً، وليس من أدلة الفقيه في شيءٍ عدم الفعل، وهو ليس دليلاً عند العلماء، فدليل القول أقوى، وعدم الفعل عند هؤلاء فعلان الأول فعل النبي صلى الله عليه و سلم، والثاني فعل أصحاب القرون المفضلة.

وكذلك التحريم بالمُترتِّب، وهو العلةُ الموجبةُ لنقل الشيء من حكم الإباحة، وهو شيءٌ مقيَّدٌ بالضررِ المتحقِّقِ من الفعل حينما يقع، التشبُّه، وقد استُعمل كثيراً في ردِّ المباحات من غيرِ وجهِ إعمالٍ له مناسبٍ لفقهه بدون قيْدٍ أو ضابطٍ، النقْلُ الفهميُّ، وهو اللجوء إلى الاستدلال بما وُجد عن بعض العلماء من فهمهم وأقوالهم في الحكم.

من أجل وأد ثقافة التحريم"، لا بد من الرجوع إلى الأصول العلمية، والمعرفة الخلافية، والرؤية المقاصدية، ومجاوزة الرمزية المعرفية، الزمانية والمكانية، والشخصية

مظاهر التحريم وعلاجه
"وَصْمُ الإسلام بالنقص، وتغييب روح الإسلام، وضيقُ الأُفق المعرفي، ومصادرة الرأي، وصناعة التفرُّق في المجتمعات"، جميعها مظاهر يراها المؤلف لثقافة التحريم، التي انتشرت في عدد من الفتاوى الصادرة، وعن علاجها يعدد العتيق عددا من العوامل التي يمكن أن تساهم في "وأد ثقافة التحريم"، كالرجوع إلى الأصول العلمية، والمعرفة الخلافية، والرؤية المقاصدية، ومجاوزة الرمزية المعرفية، الزمانية والمكانية، والشخصية.

أما القسم الثاني من الكتاب فكان بمثابة الرؤية التحليلية لنماذج بعض الفتاوى والآراء التي حرَّمَت أشياء بلا دليل ومناقشتها في ردِّها إلى أصول العلم، وبيان مواقف وآراء مخالفة من البعض في هذه النماذج، مع التوثيق في النقل والعزو لكل ما يُنقل، فكانت النماذج المطروحة تتعلَّق بقضايا المرأة، اللباس والأسماء ومادة الرياضة وقيادتها للسيارة واستعمالها التجميل، كذلك تحريم بعض العلوم كالبرمجة اللغوية العصبية وتحليل الشخصيات، وتحريم بعض العادات كعادات الأكل، وتغيير الإجازة الأسبوعية، والسينما، وأعياد العادات، وتحريم بعض الألفاظ الدارجة، وكذلك قضية إغلاق المحلات لأجل الصلاة، والتعرُّض لنماذج من تحريم بعض صور الاعتناء بالمصحف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك