عرض/حسين عبد العزيز

يحاول هذا الكتاب ولوج أعماق الحركات السلفية في العالم العربي بشكل عام وفي مصر بشكل خاص، عبر متابعة تاريخ تطورها الحديث في مرحلة ما قبل الربيع العربي وما بعده، مع الوقوف على التغيرات الفكرية التي طرأت على الحركات السلفية.

الفرضية الرئيسية التي ينطلق منها محمد أبو رمان، هي أن الثورات العربية أحدثت تأثيرا على هذه الحركات وأدت إلى تحولات في دورها السياسي، الأمر الذي انعكس على خطابها وحضورها في المشهد السياسي.

من هم السلفيون؟
يبدأ المؤلف هذا الفصل باستعراض مفاهيمي لمصطلح السلفية، فيقول: يعود مصطلح السلفية إلى جذر السلف، وفي المعاجم العربية مادة سلف، السالف يعني المتقدم، ويقصد بها العصور الأولى من الإسلام، بفرض أنها تمثل الوجه الناصع والصحيح من فهم أحكام الدين وتشريعاته وتطبيقاته.

ويتابع المؤلف بحثه التاريخي بالتأكيد على أن جذور السلفية كانت موجودة عند المذاهب الفقهية السنية، في سياق المجادلات الكلامية مع المعتزلة، التي دارت حول بعض المسائل العقائدية، ثم تطورت السلفية في مواجهة تيار الرأي والاعتزال، خلال الحقبة التأسيسية مع محمد بن حنبل 241 هـ. وتعتبر محنة القول بخلق القرآن لحظة تاريخية حاسمة في بلورة النزعة السلفية، كما يرى المؤلف.

-الكتاب: السلفيون والربيع العربي.. سؤال الدين والديمقراطية في السياسة العربية
-المؤلف: د. محمد أبو رمان
-الصفحات : 302
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية
-الطبعة الأولى: 2013

ومع سقوط بغداد 656 هـ ظهرت نزعة سلفية ثانية أكثر نضجا ووضوحا مع ابن تيمية الذي تشكل عبره الإطار العقائدي والمعرفي للسلفية، التي أضحت في أوج نهوضها في مواجهة المدارس المختلفة (الشيعة، الخوارج، المعتزلة) أو داخل البيت السني (أهل الحديث، الأشاعرة، الماتريدية).

في العصر الحديث، برزت السلفية الوهابية في شبه الجزيرة العربية مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي دعا إلى التوحيد، ورفض فكرة الحلول والاتحاد، وأكد مسؤولية الإنسان، ومنع التوسل بغير الله، والدعوة لفتح باب الاجتهاد.

ومع نهاية القرن التاسع عشر، تبلور ما يسمى بالسلفية الإصلاحية التي تشكل امتداد لسلفية محمد بن عبد الوهاب، مع تأكيدها على نبذ التقليد ورفض التعصب المذهبي. وقد تزامن ظهور السلفية الإصلاحية مع انهيار الدولة العثمانية والاحتكاك مع الغرب، مع بدء المرحلة الاستعمارية، فزاوجت هذه السلفية بين الإرث الوهابي من جهة، والنزوع العقلاني المتأثر بالعلوم والمعارف الغربية من جهة أخرى، ومن أبرز رموز هذ النهج محمد رشيد رضا.

وفي مرحلة لاحقة، ظهر ما اصطلح على تسميته بالسلفية الوطنية في المغرب العربي، وكان محور هذه الحركة مقاومة الاستعمار الغربي، ومن أبرز رموزها ابن باديس وعلال الفاسي.

وفي سبعينيات القرن الماضي عاد نجم التيارات السلفية، وساهمت السعودية بدور محوري جراء التزاوج التاريخي ما بين السلفية والسلطة هناك. وكانت المقاربة السلفية تتمثل بالاهتمام بالجانب الديني والدعوي والابتعاد عن السياسة، غير أن تزاوجا آخر حدث في التسعينيات ما بين الفكر الجهادي والسلفي، برز في أوضح صوره عبر تنظيم القاعدة وحاضنته التيار السلفي الجهادي.
وبناء على ما تقدم، يميز المؤلف بين أربعة اتجاهات رئيسية في السلفية المعاصرة:

- اتجاه الخط المحافظ أو العلمي والدعوي، وقد اختار الدعوة والتعليم، رافضا مبدأ المشاركة السياسية.

- اتجاه يقف على يمين الخط الأول سياسيا، وهو أكثر تشددا ضد الأحزاب الإسلامية نفسها، وتقوم مقاربته على مبدأ طاعة أولياء الأمور وعدم معارضتهم.

ـ اتجاه يسمى بالسلفية الجهادية، بسبب تكفيره الحكومات العربية، مع تبني التغيير الراديكالي والمسلح في أوقات معينة.

ـ اتجاه يجمع بين العقائد والأفكار الدينية السلفية من جهة، والعمل الحركي والمنظم أو حتى السياسي من جهة أخرى، ويؤمن بالإصلاح السياسي وسلمية التغيير.

تباينت مواقف الاتجاهات السلفية المصرية، فوقف السلفيون الحركيون منذ البداية مع الثورة وقدموا فتاوى في شرعيتها، بينما وقفت مجموعة أخرى ضدها، أما الدعوة السلفية بالإسكندرية فغلب على موقفها في البداية التشكيك في الثورة

الثورة المصرية.. الربيع السلفي
في منعطف ثورة 25 يناير تباينت مواقف الاتجاهات السلفية المصرية، فوقف السلفيون الحركيون منذ البداية مع الثورة، وقدموا فتاوى بشرعيتها، بينما وقفت مجموعة أخرى ضدها، أما التيار الأكبر (الدعوة السلفية في الإسكندرية) فغلب على موقفها في البداية التشكيك في الثورة.

انفجر البركان السلفي -يقول المؤلف- بعد نجاح الثورة في إسقاط النظام سلميا، وكان أمام الحركة السلفية خياران لا ثالث لهما، إما الإصرار على مواقفها السابقة بعدم الدخول في اللعبة السياسية وبالتالي ستكون خارج التأثير السياسي، وهو موقف التيار المداخلي، أو الانتقال إلى صيغة جديدة من القبول بالديمقراطية وتكييف ذلك مع أيديولوجيتها، وهو موقف التيار القطبي بقيادة محمد عبد المقصود، والدعوة السلفية في الإسكندرية.

هذا التحول استلزم -بحسب المؤلف- تبريرا شرعيا وأيديولوجيا، فكان التركيز على هوية الدولة، بينما كان الصراع على الدستور بمنزلة العربة التي ركبها السلفيون في تبرير هذا الانتقال، مع التأكيد على أن النظام الديمقراطي أفضل من الحكم الاستبدادي، لكنه مرحلة مؤقتة في اتجاه إقامة الحكم الإسلامي.

تمثل الشريعة الإسلامية كلمة السر بالنسبة للخطاب السلفي، الذي قبل بالديمقراطية المقيدة بضوابط الشريعة، وضرورة التمييز بين فلسفة الديمقراطية وآلياتها، وهذا التمييز يشكل انعطافة فكرية مقارنة بالمواقف السابقة. ومع ذلك يقول المؤلف إنه ما زال مبكرا إصدار حكم نهائي على الأيديولوجية السلفية ما بعد الثورة، حيث المؤشرات تؤكد أن مجالات تطور الخطاب السلفي كبيرة، والتحولات لا تزال في بدايتها.

تصدير الثورة السلفية
يرى المؤلف أن السلفية المصرية ما بعد الثورة هي العامل المؤثر في الحركات والجماعات السلفية الأخرى في المنطقة العربية، بعدما كانت السلفية السعودية هي مركز التأثير. يخصص المؤلف هذا الفصل لدراسة السلفيتين اليمنية والأردنية، الأولى كنموذج على وقوع الثورة، والثانية كنموذج على عدم وقوعها.

- الحالة اليمنية: انقسم السلفيون بين محذر من معصية ولي الأمر ومن هذه الفتنة (الوادعي، المأربي)، ومواقف مرتبكة لكنها أقرب إلى الثورة، ومواقف مؤيدة للثورة بمشاركة شباب سلفيين ومعهم شيوخ منحوا الفتاوى والشرعية للاعتصامات (الحميقاني).

جاء الإعلان الأول عن تأسيس حزب سلفي عبر عبد الرب السلامي في عدن، ثم أخذت فكرة الحزب خطوات أكثر ثباتا عبر عقد المؤتمر السلفي العام في مارس/آذار عام 2012 في صنعاء.

بكل الأحوال أدت التحولات السياسية إلى إحداث تغييرات نظرية في خطاب السلفية، الذي أخذ يكرس فقها سياسيا جديدا في العلاقة مع الحاكم، يستند إلى مفهوم العقد الاجتماعي وشروطه، وبناء الدولة الحديثة، غير أن هذا التحول الفكري ترافق مع نقد لاذع من الاتجاه السلفي الرافض للثورة (الوادعي، المأربي) وكان يحيى الحجوري أحد تلاميذ الوادعي قد طرح سؤالا أربك الساحة السلفية: كيف يكون السلفي ديموقراطيا؟

وبهذا السؤال يكون الحجوري قد وضع علامات استفهام محرجة للتوجه السلفي الحزبي، كيف يكون الدخول في اللعبة الديمقراطية بعد أن كان السلفيون متفقون قبل أيام على وصفها بالكفر.

ويؤكد المؤلف هنا أن مرافعة الحجوري ضد السلفية الحزبية تظهر التحايل الأيديولوجي لدى سلفيي اليمن، الذين أعلنوا عن تأسيس حزب وتجنبوا الحديث عن الديمقراطية والالتزام بقواعدها، ويمكن بيان ذلك من خلال الإعلان الصادر عن المؤتمر السلفي، الذي تجنب ذكر الديمقراطية، وتحدث عن تطبيق الشريعة.

لم يشارك السلفيون الأردنيون في المظاهرات والمسيرات والاعتصامات المطالبة بالإصلاح السياسي، لكنهم بالمقابل لم يدخلوا في صدام مباشر مع القوى الإصلاحية

- الحالة الأردنية: لم يشارك السلفيون في المظاهرات والمسيرات والاعتصامات المطالبة بالإصلاح السياسي، لكنهم بالمقابل لم يدخلوا في صدام مباشر مع القوى الإصلاحية، واكتفوا بإصدار كتيبات وبيانات، يؤكدون فيها موقفهم الرافض للمظاهرات.

برز النشاط الأكبر في المواقف من الثورات الديمقراطية لدى علي الحلبي، تلميذ مؤسس السلفية الأردنية الشيخ ناصر الألباني، فقد عمد الحلبي منذ البداية على تحريم التظاهر، والرد على الفتاوى المؤيدة لها، فالحلبي وتياره يميزان بين القضايا الإدارية والسياسية التي لا يوجد فيها نص من الشريعة، فالديمقراطية هنا جائزة، وما فيه أحكام شرعية واضحة، فهذا لا يجوز في الإسلام.

ومع ذلك لم تكن مواقف السلفيين الأردنيين من تأسيس الأحزاب والدخول في السياسة متوافقة، فقد تحمست مجموعة لفكرة إنشاء الأحزاب، لكن الظروف السياسية تبدو مغايرة، فالأجهزة الأمنية ما تزال قوية ولم تحدث ثورات تفتح آفاقا جديدة، كما حدث في بعض البلدان العربية.

رهانات المستقبل
يتساءل المؤلف هل سيسير السلفيون على خطى الإخوان المسلمين في القبول التدريجي بالديمقراطية بوصفها نظاما نهائيا للحكم؟ أم أن هناك مسارا آخر سيسلكه السلفيون؟

- الفرضية الأولى فرص التطور الأيديولوجي:
قبل عقدين أصر الإخوان المسلمون على المزاوجة بين مصطلحي الديمقراطية والشورى، في محاولة للتأكيد على أن القبول بالديمقراطية ليس انفصالا عن الحلم بإقامة الدولة الإسلامية.

وأصر الإخوان على التمييز بين الفلسفة والآليات الديمقراطية، ويُبدون تحفظا على القبول بالتعددية السياسية والفكرية المطلقة، وهو موقف شبيه اليوم بالخطاب السلفي، باستثناء ميزة للسلفيين تتمثل في أنهم لم يتحفظوا على التعددية السياسية المطلقة.

ووفقا لهذه الفرضية، فإن تشابه الحجج التي يسوقها السلفيون اليوم لتبرير مشاركتهم في اللعبة السياسية، مع الحجج التي بدأ بها الإخوان قبل عقدين، تمنحنا -والكلام هنا للمؤلف- إشارات باحتمال تطوير شبيه للخطاب السلفي، وصولا إلى ما أقره الإخوان بالالتزام بصورة نهائية بالنظام الديمقراطي.

ويرى المؤلف أنه حتى لو بقي هنالك تيار داخل السلفيين يصر على خطاب الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، فإن المهم -وفق المؤلف- هو ما ستصل إليه الأحزاب السلفية من مبادئ معلنة ملزمة لها، إذ حتى الإخوان ما زال لديهم إلى اليوم تيار يتبنى رؤى سيد قطب في الدولة الإسلامية والحاكمية، والتعامل مع الديمقراطية بوضفها آلية للتمكين والحكم، وليست نهاية الطريق.

- الفرضية الثانية صعوبات التحول الأيديولوجي وعوائقه:
يؤكد مؤلف الكتاب وجود عوائق تحد من سقف تطور أيديولوجيا التيارات السلفية ووصولها إلى القبول الكامل بالديمقراطية، مما يجعل التجربة السلفية مختلفة عن التجربة الإخوانية.

أحد وجوه الاختلاف الجوهرية تتمثل في أهداف كل منهما، وظروف النشأة والتطور، فالإخوان جاؤوا في الأصل ردا على تحدي التغريب والعلمنة على أرض الواقع، وكان تصورهم أن الاستجابة تكون في حركة اجتماعية تنشر الإسلام في الواقع بخطاب معاصر، خارج الأطر التقليدية مثل الأزهر (بدأت حركة الإخوان من الواقع ثم عادت إلى النص).

الميراث السلفي الكبير المتحفظ على الديمقراطية وقيمها سيكون بمنزلة قيد شديد الوطأة على الحركة السلفية في المرحلة المقبلة

أما السلفية، فهي بالأصل أقرب إلى مذهب فكري، تمركزت حول النص وفي الرد على الفرق الإسلامية، أي أنها بعكس الإخوان، انتقلت من النص إلى الواقع، الذي عندما تنظر إليه تكون معنية بسؤال أساسي في تعريفه شرعيا، وقولبته ضمن الأحكام الإسلامية.

وفوق هذا وذاك، يؤكد المؤلف أن الميراث السلفي الكبير المتحفظ على الديمقراطية وقيمها سيكون بمنزلة قيد شديد الوطأة على الحركة السلفية في المرحلة المقبلة، وسيغرق الأحزاب الجديدة بمناظرات داخلية واسعة مع أنصارها وقواعدها.

ويختم المؤلف بالقول، إنه لا أحد يستطيع الحسم بأي اتجاه سيسير السلفيون، فالسيناريوهات المتوقعة لا تتوقف على العامل الذاتي، بل على الشروط الموضوعية المحيطة بهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك