عرض/ أحمد فياض

لم تغب أي شاردة أو واردة تتعلق بغزة وحضارتها إلا ووضعها مؤلف كتاب "غزة خمسة آلاف عام حضور وحضارة" بين يدي القارئ العربي، فهو يختزن بين دفتيه آلام الشعب الفلسطيني وتاريخه وحضارته الممتدة في ذاكرة التاريخ.

-الكتاب: غزة خمسة آلاف عام حضور وحضارة
-المؤلف: جمعة أحمد قاجة
-عدد الصفحات: 680
-الناشر: شركة البيان للنشر والتوزيع والإعلام, بيروت
-الطبعة: الثالثة 2012

ويتتبع المؤلف في كتابه الموسوعي مسار نشأة غزة منذ حطت فيها قوافل الكنعانيين، والآشوريين، والفرس، والفراعنة، والهكسوس، والفلسطينيين، والعبرانيين، واليونان، والسلوقيين، والبطالمة، والرمان، والفتح الإسلامي، والفرنجة، والمماليك، والعثمانيين، والحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونبرت، والانتداب البريطاني، والإدارة المصرية، والاحتلال الإسرائيلي، والحكم الذاتي والسلطة الوطنية الفلسطينية.

ويشد الكتاب قراءه عبر ما يتضمنه من تبيان لطبيعة غزة الجغرافية والديمغرافية وتوزيع قاطنيها، ومكانتها الدينية منذ قديم الزمان وإلى اللحظة، كما لا يغفل عن سرد كل بلداتها وعادات أهلها وأعلامها وقادتها وما شهدته من معارك وغزوات على مر التاريخ، وأهميتها الإستراتيجية كحلقة وصل بين مصر وسائر بلاد الشام.

وفي كتابه هذا ينبه المؤلف إلى أن حقيقة الصراع ضد الاحتلال الصهيوني هو صراع وجود وليس نزاعَ حدودٍ، وأن قضية فلسطين هي قضية إنسانية وقومية بكل أبعادها.

وتظهر مكونات الكتاب أن المؤلف ينظر إلى فلسطين من نافذة غزة التي تحضر عبر خمسة آلاف عام من الحضور والحضارة، من الثقافة والإبداع في السياسة والاقتصاد والفكر، والنمو في صد العدوان وبناء الهوية الفلسطينية.

عراقة غزة
ويعكس الكتاب في صفحاته تاريخ غزة وعراقة الشعب الفلسطيني، ويسجل تاريخ وتراث وآثار غزة وكل ما عاشته من أحداث تاريخية موغلة في القدم وما عاشته حاضراً من خلال التركيز على المصادر الأولية لتاريخ غزة بالجهد المتقصي للوصول إلى هذه المصادر وجمعها واستنطاقها وتحليلها بأسلوب علمي.

ويذكر المؤلف أن غزة يزخر تاريخها بمختلف أنواع الصراع  من أجل حريتها ومستقبلها، ويخبر الكتاب عن صمودها ومناعاتها بوجه النوائب والغزوات ونزالها البطولي ضد من حاول دخولها عنوة، ولأهداف لا إنسانية، فموقعها الجغرافي جعل منها مطمعا، كما جعل منها حصناً وبوابة، فهي تقع على أبرز الطرق التجارية والحربية في العالم القديم، وحلقة الاتصال بين بلاد النيل والشام وبوابة آسيا إلى أفريقيا والعكس.

ويقول الكاتب إن غزة لم تكن في يوم من أيام التاريخ شيئا مهملاً أو نافلاً، بل كانت على الدوام، وأبداً، ذات موقع إستراتيجي، وأهمية قصوى وحصناً من حصون المجد ووساما على صدر التاريخ بحضورها وفعلها، وإليها جاء الغزاة وفيها هزموا واندحروا.

غزة لم تكن في يوم من أيام التاريخ شيئا مهملاً أو نافلاً، بل كانت على الدوام، وأبداً، ذات موقع إستراتيجي وأهمية قصوى وحصناً من حصون المجد

ويذكر الكتاب أنه في غزة يتحدد التاريخ الفلسطيني الجديد، على بوابة القرن الحادي والعشرين، وفيها صيغت أجوبة الأسئلة الكبرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية. أسئلة الوجود والمصير، وأسئلة آفاق الصراع العربي الصهيوني، بعد انقضاء أكثر من نصف قرن من الصراع الدامي والمواجهات العنيفة.

وينظر المؤلف من خلال كتابته عن غزة إلى سائر المدن الفلسطينية المحتلة، إلى يافا وحيفا وعكا وطبريا والناصرة وصفد وسهول الحولة ومرج ابن عامر والقدس وبيت لحم والخليل وغيرها.

ويتوزع الكتاب إلى محاور عدة وعدد كبير من العناوين الرئيسية والفرعية والتفصيلية التي يتناول من خلالها الكتاب في بدايته الحديث عن المكان والمناخ والثروات الطبيعية.

حكايتها مع الزمن
ثم ينتقل للحديث عن الزمان وحكاية غزة مع الأيام في تتاليها، وأحداثها التي تآلفت فصنعت تاريخا متصلا موغلا في القدم، كما لا يفوت الكتاب الحديث عن أهمية غزة التفصيلية عبر رحلة التاريخ منذ أن وطئها الكنعانيون وحتى وقوعها تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني وإدارة السلطة الوطنية الفلسطينية.

ولم تغب عن صفحات الكتاب التركيبة الاجتماعية لسكان قطاع غزة بعشائرها وقبائلها وعائلاتها وعادات وتقاليد وطقوس معتقدات أهلها، فضلاً عن التعبيرات الثقافية الحضارية المتعلقة بغزة في سجلات الرحالة بما في ذلك ما تميزت به من إنتاج أدبي وأعلامها الذين أثروا في تاريخها على مر العصور بما جعلها في مصاف المدن المتقدمة في العالم.

ويتضمن الكتاب العديد من الوقفات مع الألم والتشريد القصري والعنف الذي نال من سكان قطاع غزة ممن هجروا من أراضيهم عام 1948 وما تعرضوا له من مجازر ومعاناتهم داخل مخيمات اللجوء، وحكايات انخراطهم في مقاومة الاحتلال.

ويبدأ المؤلف كتابه بالحديث عن فلسطين الأم ومكانتها ومساحتها وموقعها ومكانتها عبر العصور المختلفة منذ فجر التاريخ، مضمنا صفحات كتابه خرائط وصورا تاريخية للآثار القديمة الفلسطينية التي عثر عليها في غزة.

ويتطرق الكتاب لحدود فلسطين ومساحتها وأهمية موقعها الجغرافي من كافة النواحي الإستراتيجية والحضارية والدينية والسياحية والتجارية، وطبيعة مناخها وتقسيماتها الإدارية وأوضاعها الديمغرافية خلال العهد العثماني وفترة الانتداب البريطاني.

وينتقل الكاتب بعد حديثه عن فلسطين لتركيز حديثه عن غزة، التي استأثرت على جل الكتاب عبر نحو 600 صفحة، مبتدئا رحلته مع غزة بالتعريف بمعنى اسمها في الثقافات والمعاجم القديمة، وموضعها وطبيعتها الجغرافية وحدودها والطرق المؤدية إليها وأسماء بلداتها ومساحتها وعدد سكانها ومدارسها ومزروعاتها وخطوط المواصلات المؤدية إليها.

مكانتها التاريخية
ويفرد المؤلف فصلاً للحديث عن مكانة غزة التاريخية منذ القدم ومكانتها لدى الثقافات والديانات السماوية، وما دار على أرضها، ويتطرق إلى كل من وطأت قدمه أرضها من الجيوش والقادة إلى أن وقعت تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967.

وينال الحديث عن غزة ويقظتها العربية في العقد الذي سبق احتلال فلسطين قسطاً وافراً في الكتاب، الذي اهتم أيضا بأعلامها وشخصياتها وأبرز عائلتها حيث خصص لها فصلاً كاملاً أيضا.

يتناول الكتاب عادات وتقاليد وطقوس أهل غزة الشعبية والاجتماعية، ويتطرق إلى أحيائها القديمة وآثارها وأماكنها التاريخية

ويتناول الكتاب عادات وتقاليد وطقوس أهل غزة الشعبية والاجتماعية، ويتطرق إلى أحيائها القديمة وآثارها وأماكنها التاريخية.

ويبحر الكتاب بقرائه في الحديث عن حاضر ومستقبل غزة وطبيعة العمل السياسي والحزبي فيها وقادة العمل السياسي فيها، وأنشطتها الاقتصادية ومستقبلها، وعدد وطبيعة المستوطنات الإسرائيلية التي جثمت على أرضها.

ويتابع الكتاب الفعاليات الاجتماعية في غزة، ويذكر ما تضمنته من أندية رياضية ومؤسسات نسوية ومؤسسات تعليمية وثقافية وغيرها، وكذلك موانئها ومعابرها البحرية والبرية.

ويفرد المؤلف فصلاً للحديث عن اللاجئين في قطاع غزة وفئاتهم ومكانتهم في القانون الدولي ومواثيق وقرارات الأمم المتحدة، وحق العودة ومخيمات قطاع غزة.

ولا يغفل الكتاب عن تناول سياسة الإبعاد والتهجير التي اتبعها الاحتلال الإسرائيلي بحق أهل غزة، ويختتم بالحديث عن انتفاضة عام 1987 وانتفاضة الأقصى عام 2000 وما تخللهما من ممارسات إسرائيلية بحق سكان قطاع غزة وممتلكاتهم، وأعداد وطبيعة الممتلكات التي تعرضت للهدم والتدمير، وأسماء الشهداء الذين سقطوا خلالهما وصور لأبرز القطع والمواقع الأثرية في غزة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك