عرض/ أحمد محمود

بين أيدينا كتاب، بعنوان "مفاهيم أركونية"، للكاتب الجزائري محمد مستقيم، يتناول فيه ملامح المشروع الذي سار صاحبه على ذات درب سلفه المغربي الراحل محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، ولكن أركون اختار نقد العقل الإسلامي من زاوية علمانية حداثية.

ويقدم الكتاب قراءة في الكيفية التي نظر بها أركون لما وصفها المؤلف بـ"الظاهرة القرآنية" و"الظاهرة الإسلامية"، فيحلل المؤلف مجموعة من الرؤى السوسيولوجية التي قدمها أركون بشأن الحضارة الإسلامية، التي تأثر فيها بأفكار المدرسة الفرنسية في النظر إلى الحضارة العربية والإسلامية.

-الكتاب: مفاهيم أركونية.. المشروع النقدي للعقل الإسلامي
-المؤلف: محمد مستقيم
-عدد الصفحات:157
-الناشر: دار النايا بدمشق/ محاكاة للنشر والتوزيع بدمشق/ الشركة الجزائرية السورية للنشر والتوزيع بالجزائر، دمشق- الجزائر
-الطبعة: الأولى 2013

تحديد المفاهيم
يُقصد بالمفاهيم الأركونية ذلك الإطار المفاهيمي والمشروع الفكري الذي حاول المفكر الجزائري الراحل بلورته أو استعارته ونقله بعد إضفاء الصبغة المغاربية عليه، من مجالات معرفية ومفاهيمية متعددة، فلسفية ولسانية وسياسية، وكذلك سوسيولوجية وأنثروبولوجية، من أجل إنجاز قراءة نقدية علمية للموروث الثقافي العربي الإسلامي عبر نقده للعقل الإسلامي باعتباره الجهاز المُعبِّر عن هذا الموروث قديمًا وحديثًا.

كما يُقصد بالمفاهيم الأركونية، أيضًا، تلك المصطلحات التي حاول المفكر الراحل وبلورتها، وإيجاد صيغ لها في اللسان العربي، بعد أن استوردها من الثقافات الغربية الأخرى، وخصوصًا الفرنسية، وهو ما تطلب من أركون الكثير من الاجتهادات المعرفية، على رأسها ضرورة الإلمام الكامل بكلا اللغتَيْن، سواء تلك التي يأخذ منها أو التي يضيف إليها مصطلحًا أو مفهومًا جديدًا.

ولا يقتصر ذلك على مجرد معرفة المفاهيم والكلمات، وإنما يمتد إلى إدراك المدلولات الثقافية والمعرفية لكل مفهوم وكلمة أو مصطلح منها، حتى يفهم المقصود منه بالضبط في لغته الأم، ويصبح ممكناً نحت آخر مماثلا له في المقصد والمدلول في اللغة التي نقل إليها هذا المصطلح أو المفهوم، وهي هنا اللغة العربية.

محاولة للفهم
كانت في الكثير من الأفكار التي طرحها أركون رغبة في التجديد، في ظل واقع التخلف الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية في المرحلة التي ظهر فيها. ولكن في جانب آخر من أفكاره، التي انتقد فيها العوامل التي أدت إلى حالة التخلف، كان هناك ما يشبه العداء للأفكار التي تحكم العقل الإسلامي.

وأهم ما يمكن أخذه في هذا الإطار، على الأفكار التي قدمها أركون عندما قام بنقده للعقل الإسلامي، هو إعماله للنظرية التفكيكية وأدواتها التحليلية وتطبيقها على الفكرة الإسلامية ذاتها، أي أن أركون عندما تصدى لما وصفها بـ"الظاهرة القرآنية" أو "الظاهرة الإسلامية"، ومرجعياتها، فإنه تجاوز نقد القصور في الفهم لدى بعض المسلمين إلى نقد الأصل.

وعندما تناول في بعض المقالات، التي تضمنها الكتاب، المرجعيات الأساسية للفكر الإسلامي وللدين بشكل عام، وعلى رأسها القرآن الكريم والسّنَة النبوية الشريفة، فإنه تعامل مع النص المقدس باعتباره وسيلة من وسائل هيمنة الدكتاتورية والاستبداد باسم الدين طيلة مراحل تاريخ دولة الإسلام، بعد وفاة الرسول الكريم (صلّى الله عليه وسلم).
وصف أركون حالة الممانعة، التي تقابلها الأفكار الإصلاحية في العالم الإسلامي، بالأرثوذكسية الدينية، وهو المصطلح ذاته الذي استعمله المفكر الفرنسي جان بيير ديكونيش

وأشار إلى أنه حتى الصحابة استغلوا النص المقدس من أجل تكريس دولتهم من خلال ما أسماها "السيادة العليا" أو "المشروعية العليا"، ويقول إنه من أجل نقد الفكر السياسي الإسلامي يجب نقض هذه السيادة أو المرجعية العليا.

ويبدو تأثُّر أركون واضحًا في خطابه المعارض على طول الخط للعقل الإسلامي ومكوناته، بما في ذلك المرجعية الدينية والنصوص المقدسة، بالمدرسة العلمانية الغربية، ورؤيتها للكنيسة وهيمنة رجال الدين قبل عصر النهضة، وربما كل ما فعله أركون عند نقده للعقل الإسلامي أنه استنسخها واستورد أفكارها.

فيقارن ما بين نظام الحكم في دولة الإسلام، أيًّا كان مسماها وشكلها عبر التاريخ، وبين النظام الكنسي الذي كان قائمًا في أوروبا، ووصف حالة الممانعة التي تقابلها الأفكار الإصلاحية في العالم الإسلامي بالأرثوذكسية الدينية، وهو المصطلح ذاته الذي استعمله المفكر الفرنسي جان بيير ديكونيش في كتابه "الأرثوذكسية الدينية.. محاولة لفهم النفسي الاجتماعي".

واستعار أيضًا من ديكونيش مصطلحًا آخر هو "السياج الدوغمائي"، ليعبر به عما وصفها بحالة الرفض من جانب العقل الإسلامي لـ"محاولات التجديد" أو "التصويب"، باعتبار أن العقل الإسلامي "مقيد" -كما يصف أركون- بالنصوص المقدسة!

مجتمعات الكتاب!
من بين أهم الأفكار والمفاهيم الجدلية التي ارتبطت بالمشروع الفكري لأركون، مصطلح "مجتمعات الكتاب"، ويقصد به المجتمعات التي ارتبطت بكتاب مقدس مثل المجتمعات المسلمة التي ارتبطت بالقرآن الكريم، وأهل الكتاب ممن ارتبطوا بالعهدَيْن القديم والجديد، وغير هؤلاء من المجتمعات التي تدين بديانات وضعية.

ويقصد أركون بمصطلحه هذا القيام بما وصفها بـ"زحزحات منهجية ومعرفية" للفكر الديني التوحيدي أو داخله، وذلك للبرهنة على أن المفهوم اللاهوتي للكتاب المُنزَّل أو للكتابات المقدسة لا يمكن فصله عن المفهوم الثقافي والتاريخي والأنترولوجي للكتاب بالمعنى العادي لكلمة "أي كتاب وصف شيئًا ماديًّا ملموسًا تستولي عليه السلطة المتمثلة إما في الدولة، وإما في رجال الدين الذين يخدمونها".

والملاحظ هنا أن أركون يعيد إنتاج فكرة رئيسية ركز عليها في كافة أطروحاته تقريبًا، وهي أن الاستبداد وحصاد الحكم الدكتاتوري في العالم العربي والإسلامي في القرون الماضية كلها نتاج استغلال الحكام للدين في حكم الشعوب وتبرير بقائهم مسيطرين على بلدانهم.

وفي حقيقة الأمر، فإن هناك الكثير من العسف في أفكار أركون في هذا الاتجاه، فالنصوص المقدسة في الإسلام، وهي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لم تدفع إلى هذا أبدا، والدليل على ذلك جهود علماء الأمة الثائرون طيلة تاريخها ضد الحاكم المستبد، بدءًا من العز بن عبد السلام، وصولاً إلى الشيخ جمال الدين الأفغاني ورشيد رضا في عصرنا الحالي.
 
أركون تجاهل تمامًا المنجزات العظيمة التي حققتها الحضارة الإسلامية عبر تاريخها في مجالات مختلفة لم تكن لتزدهر لو كان الحكم فاسدًا مستبدًا باسم الدين
فهؤلاء الأئمة استندوا في مشروعاتهم الإصلاحية على أسس فقهية متينة لها أصولها الواضحة في الشريعة الإسلامية، في الدعوة إلى ضرورة الخروج على الحاكم الظالم الذي لا يحكم بشريعة الله تعالى.

ثم إن أركون تجاهل تمامًا المنجزات العظيمة التي حققتها الحضارة الإسلامية عبر تاريخها في مجالات الفكر والثقافة وأيضًا العلوم الطبيعية، وهي كلها مجالات لم تكن لتزدهر لو كان الحكم فاسدًا مستبدًا باسم الدين، وتناسى أيضًا أن الحضارة الغربية -التي ينقل عنها لكي يقول بفساد الواقع الإسلامي- ما تقدمت وصارت نبراسًا لهذا الفكر ولمن نحا نحوه في العالم العربي من مفكرين إلا من خلال الأخذ من الحضارة الإسلامية.

الكتاب بلا شك مثير للجدل، ويستحق القراءة من زاوية نقدية مُعتَبرة، باعتبار أن فيه الكثير من الرؤى التي تتجاوز الكثير من الثوابت الموجودة لدى جمهور المسلمين والمفكرين الإسلاميين فهو يقدم تحليلاً لأفكار أركون الذي يثير الجدل حيًّا وميتًا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك