عرض/ مركز الإعلام العربي

من الفروع الهامة للعلوم الاجتماعية التي يرتبط بها علم الاجتماع، وخصوصًا الاجتماع السياسي، علم الأنثروبولوجي، أو الإنسانيات، في جوانبه التطبيقية التي تتعلق بدراسة واقع حِراك الجماعات البشرية المختلفة، وكيفية تفاعلها مع بعضها البعض، سواء في الإطار الداخلي لها، أو مع الجماعات الأخرى المحيطة بها.

- الكتاب: كيف نقرأ العالم العربي اليوم؟! رؤى بديلة في العلوم الاجتماعية
- المؤلف: آرجون أبادوراي وآخرون
- ترجمة: شريف يونس
- تحرير: إيمان حمدي وآخرون
- عدد الصفحات: 357
- الناشر: دار عين للنشر، القاهرة
- الطبعة: الأولى 2013

ولقد درست العديد من الأدبيات البحثية والأكاديمية ثورات الربيع العربي من زوايا مختلفة، فكرية وسياسية واجتماعية، من أجل تحقيق عدد من الغايات، سواء لرصد ما جرى، أو محاولة تفسيره، أو التنبؤ بمستقبل الأوضاع في دول الربيع العربي والعالم العربي بشكل عام، على خلفية تأثيرات ما حدث.

ولكن المقاربات الأنثروبولوجية لما جرى تُعد قليلة، على تعقيد دراسة ما حدث في عالمنا العربي من هذه الزاوية.

وبين أيدينا كتاب بعنوان "كيف نقرأ العالم العربي اليوم؟! رؤى بديلة في العلوم الاجتماعية"، وهو عبارة عن مجموعة من الدراسات لعدد من الباحثين العرب والغربيين، تقدم قراءة أنثروبولوجية للأوضاع في العالم العربي، والتحولات التي حدثت في الأعوام الأخيرة.

وتنطلق هذه الدراسات من محاولة تقديم قراءة مغايرة للمجتمعات العربية تركز على قضية أداء الدولة القومية الحديثة في العالم العربي لأدوارها، كما تسعى لتحقيق هدف آخر وهو كيف يرى الآخرُ غيرُ العربي، العرب؟

ويدرس الكتاب العوامل المؤثرة في المجتمعات العربية، وخصوصًا الإسلام، وفكرة الحداثة التي تقول هيئة التحرير إنها أعادت النظر في مسلمات النظريات الموروثة عن القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في مجال العلوم الاجتماعية.

ومن أهم القضايا التي يتناولها الكتاب والمختارات التي انتقتها دار النشر، والتي تم تصنيفها في خمسة أبواب وعشرة فصول، قضية الدولة القومية الحديثة، وكيف أدى فشلها إلى العديد من المشكلات، من بينها تشظي الدولة نفسها، كما هو الحال في العراق.

روافد صناعة الشخصية العربية
يبدأ الكتاب بدراستين لآرجون أبادوري وليلى أبو لغد، تضمنهما الباب الأول بعنوان "سؤال الجوهرانية في إنتاج المعرفة"، ويناقشان فيهما بعض القضايا المفاهيمية المتعلقة بالمجتمعات العربية، والروافد الأساسية التي شكلتها، بما في ذلك الأسطورة والموروث الشعبي، وكيف قادت هذه الروافد إلى تشكيل الشخصية العربية.

ويحلل الباحثان الدراسات الأنثروبولوجية القديمة التي وُضعت في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين الماضيين عن المجتمعات العربية والشخصية العربية، وكيف تحتاج هذه الدراسات إلى مراجعة، في ظل العديد من التأثيرات التي طرأت على المجتمعات العربية ولم تضعها هذه الدراسات في اعتبارها، من بينها التقنية الحديثة.

ومن أهم هذه الروافد كما حددتها دراسات عدد من الباحثين والأكاديميين العرب والغربيين، النسب والإسلام، ومن المُلاحظ أن الترتيب الذي وضعه هؤلاء الباحثون والأكاديميون يُعطي النسب تراتبية أكبر من الإسلام في التأثير على الشخصية العربية والمجتمعات العربية، خصوصًا في المجتمعات ذات الطابع البدوي في شبه جزيرة العرب، وفي المغرب العربي.

ومن أبرز المعالم التي رصدتها هذه الدراسات للشخصية العربية وللمجتمعات في الشرق الأوسط، مشكلة الفقر وعدم المساواة، أو غياب مفهوم التمثيل النسبي للقوى الاجتماعية المختلفة في مجالَيْ توزيع السلطة والثروة.

عوامل تأثير خارجية
الباب الثاني من الكتاب جاء بعنوان "صناعة النظام العالمي"، وتناول في دراستَيْن أيضًا لطلال أسد وآرتورو إسكوبار، العوامل الخارجية التي تلعب دورها في رسم شخصية وهوية المجتمعات العربية، مركزين على الاقتصاد ومفاهيم دولية معتمدة في تحديد العلاقات بين الدول، مثل حقوق الإنسان.

تحول العالم إلى اقتصاد السوق كان له تأثير كبير على المجتمعات العربية التي بدأت تخرج من إطار كونها مجتمعات محافظة إلى أخرى منفتحة على العمال الوافدين والمنتجات الأجنبية

يقول طلال أسد في تحديده للجانب السياسي والقانوني لحقوق الإنسان "إن الدفاع عن حقوق الإنسان على المستوى العالمي يأتي في إطار مواجهة ما وصفها "بالنزعة النسبية الثقافية"، أو العنصرية في وجه آخر للمصطلح.

ويطرح قضية في منتهى الأهمية، شغلت ولا تزال تشغل العاملين في حقل السياسة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وهي قضية حدود سيادة الدول، مع تبني القوى العالمية بعد الحرب الباردة مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول التي تنتهك حقوق الإنسان، ويقول إن مناعة حدود الدولة وسيادتها حاليًا مرتبطة بمدى احترامها أو انتهاكها لحقوق الإنسان.

أما إسكوبار فيرى أن تحول العالم إلى اقتصاد السوق في ظل تفاعلات الحداثة وتأثيراتها، حالة أدت إلى الكثير من التأثيرات على المجتمعات الإنسانية، في ظل تعاظم حركة التفاعل على المستوى العالمي، وانسيابية عوامل الإنتاج المختلفة، بما في ذلك عنصر العمل، مع ما لذلك من تداعيات وتبعات اجتماعية وثقافية متباينة.

ويشير إلى أن ذلك التحول كان له تأثير كبير على المجتمعات العربية التي بدأت تخرج من إطار كونها مجتمعات محافظة، لكي تتعرض لعوامل عديدة وافدة مع العمال الوافدين والمنتجات الأجنبية، بما فيها المنتجات الترفيهية والثقافية.

الدين والتاريخ والموروث
البابان الثالث والرابع "التاريخ والذاكرة" و"الإسلام" يتناولان بكثير من التفصيل تأثيرات التاريخ والموروث الثقافي الفكري والمجتمعي على المجتمعات العربية، مع إفراد باب كامل للحديث عن تأثيرات الإسلام في هذا الإطار.

ينظر مؤلفو الدراسات الأربع التي احتواها هذان البابان إلى التاريخ والموروث الثقافي والدين، من وجهة نظر قيمية، أي كيف أدت هذه العوامل إلى رسم الشخصية العربية، وعادات وتقاليد المجتمعات العربية من زاوية القيم والعادات والتقاليد الموروثة، وكذلك كيف رسمت اتجاهات العلاقات الاجتماعية داخل هذه المجتمعات عبر الفترات التاريخية الماضية؟!

كما ركزت هذه الدراسات على نقطة مهمة تتعلق بحركيات العلاقات الاجتماعية، وكيف كانت ولا تزال تسير وفق هذه المحددات، التاريخ والموروث والدين.

ويشير كل من آصف بايات في دراسته "النزعة الإسلامية ونظرية الحركة الاجتماعية"، وأليس غولدبرغ في دراستها "تحطيم الأصنام والدولة والأخلاق البروتستانتية والراديكالية السنية المصرية"، إلى أن هناك فكرة خاطئة مأخوذة عن الإسلام، مفادها أنه أدى إلى تأثيرات غير سوية على المجتمعات العربية، مثل وضعها في حالة من الجمود والتخلف الحضاري.

ومن خلال الحالة المصرية بشكل خاص، ترد الدراستان على هذه الانطباعات السلبية بالقول إن "الإسلام دين حركي أثر كثيرًا في طبيعة المجتمعات العربية"، ويدلل صاحبا الدراستين على ذلك بأن الإسلام عرف العديد من الظواهر عبر تاريخه، مثل: الأصولية الإسلامية، والإسلام الحركي، والحركات الإسلامية، والإسلام السياسي.

ويقرر الباحثان أن الإسلام الحركي طبع ببصمته المجتمعات العربية والإسلامية في كثير من الأزمنة القديمة والمعاصرة، ولتوضيح ذلك، تناولا نماذج من الثورات وحركات الاحتجاج الاجتماعي الشعبية التي ظهرت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وارتبطت ببواعث دينية، أو كان الإسلام مكونًا أساسيًّا لها.

ومن أهم النماذج التي يطرحها الكتاب الثورة الإيرانية، كما يشير إلى أن الإسلام لم يمنع، بل ساعد على دعم مشاركة شرائح مجتمعية، في الغالب لم تكن مكوِّنًا أساسيًّا في أي حراك شعبي مماثل، مثل المرأة.

الطبيعة المحافظة والتقليدية للمجتمعات العربية، والتي تعلي من شأن اهتمامات وانتماءات أخرى فوق الدولة، أدت إلى قصور أو فشل في أداء الدولة لدورها

الدولة ومشكلاتها
الفصل الخامس من الكتاب جاء بعنوان "الدولة"، وتناول مشكلات الدولة الحديثة في عالمنا العربي، من خلال دراستين أيضًا لسامي زبيدة بعنوان "الشظايا تتخيل الأمة.. حالة العراق"، وفينا داس بعنوان "مفارقة الغموض".

وقيمة هذا الباب والدراستين الواردتين فيه، أنها جاءت في صورة تطبيقية لتأثيرات مختلف ما جاء في الكتاب من رؤى أنثروبولوجية ومجتمعية حول طبيعة المجتمعات العربية، على الدولة القومية الحديثة.

فيشير الباحثان إلى أن الطبيعة المحافظة والتقليدية للمجتمعات العربية، والتي تعلي من شأن اهتمامات وانتماءات أخرى فوق الدولة، أدت إلى قصور أو فشل في أداء الدولة لدورها، ولعل في الحالة العراقية نموذجًا واضحًا لذلك.

ولذلك، فإن من الأهمية بمكان بالنسبة للأنظمة الجديدة التي أفرزتها الحالة الثورية العربية، العمل على معالجة هذه الحالة، وإلا فإنها ستُفاجأ بنفس حالة الفشل التي واجهتها الدولة الحديثة في العالم العربي في المرحلة السابقة!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك