عرض/ أحمد محمود التلاوي
تجاوزت ثورات الربيع العربي مرحلة الفطام، ودخلت مرحلة جديدة تتعلق بالتقييم والتساؤل عن المطلوب مستقبلاً، لاستكمال هذه المحطة المهمة من التحولات السياسية والاجتماعية الفارقة في عالمنا العربي.

- الكتاب: النخبة والثورة.. الدولة والإسلام السياسي والقومية والليبرالية
- المؤلف: نبيل عبد الفتاح
- عدد الصفحات: 454
-ا لناشر: دار عين للنشر، القاهرة
- الطبعة: الأولى 2013

ولعل أبرز القضايا التي تطرحها المرحلة الراهنة لدول ومجتمعات الربيع العربي، قضية واقع ومستقبل الدولة، وشكل الأنظمة السياسية والاجتماعية التي تتجه إليها هذه الدول والمجتمعات، في ظل التحولات التي أفرزتها الانتفاضات والهبات الشعبية التي أطاحت بعدد من الأنظمة الحاكمة، وما زالت تهدد عروش بعض الأنظمة الأخرى، في المشرق والمغرب العربيين، ودور النُّخب الحاكمة والمعارِضة في رسم الحِراك الآني والمستقبلي لبلدانهم.

وبين أيدينا كتاب بعنوان "النخبة والثورة" للباحث المصري في الشؤون السياسية والإسلام السياسي نبيل عبد الفتاح، يتناول فيه ما وصفه بالاختلالات البنيوية والفكرية التي كشفت عنها ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 لدى النخبة السياسية المصرية على اختلاف انتماءاتها السياسية والفكرية، والمشكلات التي أدت إليها هذه الاختلالات في ما يتعلق بمسار الثورة المصرية.

وتأتي أهمية دراسة الحالة المصرية، باعتبارها نموذجًا مهمًّا للتغيير عندما تقوم به الشعوب، كما تُعد -وفق الكثير من المراقبين- بمثابة حجر الزاوية في التحولات الراهنة في العالم العربي، رغم الرمزية الكبيرة التي تحتلها الثورة التونسية في هذا الإطار، باعتبارها أولى ثورات الربيع العربي، فيكون نجاح الثورة المصرية في تثبيت أقدامها وإقامة دولتها، أمرًا شديد الأهمية بالنسبة حتى للاستقرار الإقليمي وليس العربي فقط.

ويطرح المؤلف سؤالاً مبدئيًّا في هذه المرحلة من مسار التاريخ المصري، وهو: هل يوجد في مصر نخبة قادرة على قيادة البلاد في هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة؟

وفي سعيه للإجابة ينهم السلطة التي كانت حاكمة في مصر وثقافتها القمعية، بالمسؤولية عن غياب النخبة الحقيقية القادرة على لعب دور القاطرة للمجتمع المصري في هذه المرحلة، فضلا عن تجريفها للعقول وحجب الكفاءات عن العمل السياسي الحقيقي.

كما يعرض الكتاب لسياسات التحول في مصر عبر مجموعة من البحوث حول الصراع على الدولة الجديدة في البلاد، والذي يدور بين أطراف سياسية مختلفة في مشاربها وانتماءاتها، بين تيارات الإسلام السياسي، وتيارات تتبنى أيدولوجيات أخرى مختلفة، مثل الليبراليين والقوميين.

الكتاب يتكون من قسمين يتكون كلاهما من مجموعة من الأبواب الرئيسية والفصول الفرعية تُشخِّص الحالة الراهنة في مصر. وجاء القسم الأول بعنوان "متن الحرية"، وتناول في ستة أبواب و15 فصلاً حزمة من القضايا السياسية والمجتمعية التي تهم مصر في هذه المرحلة، بينما جاء القسم الثاني بعنوان "هوامش حول الحالة الانتقالية وتحولاتها وعثراتها" وجاء في ثلاثة أبواب و11 فصلاً، وقدم فيه المؤلف تصوراته حول مصر الجديدة الآن ومستقبلاً، وكيف تكون على مختلف المستويات السياسية والثقافية والمجتمعية.

أخطاء أم خطايا؟
يركز المؤلف في القسم الأول من كتابه على ما يمكن تسميتها بأخطاء وخطايا المرحلة الانتقالية في مصر والتي تلت ثورة 25 يناير، حيث يأخذ على النُّخب المصرية في هذه المرحلة أنها لم تعمل على التأسيس لدولة جديدة تقوم على قواعد العدل والمساواة والحرية واحترام القانون والدستور، وإنما سعت -خصوصًا قوى الإسلام السياسي- نحو جني غنائم المرحلة دون اهتمام حقيقي بعملية إعادة بناء مصر.

الأمراض التي عرفتها مصر في مرحلة ما بعد الثورة لم تتوقف عند حد النُّخَب، وإنما امتدت إلى مؤسسات أخرى لها خبرة كبيرة بالعمل المؤسسي والسياسي

ويشير إلى أن الأمراض التي عرفتها الساحة السياسية والاجتماعية في مرحلة ما بعد الثورة، لم تتوقف عند حد النُّخَب التي كانت في الغالب لا تزال طارئة في دخول غمار العمل السياسي، بعد عقود طويلة من احتكار السلطة في مصر من جانب قوى محددة، وإنما امتدت أيضًا هذه الحالة من الارتباك والغموض في المواقف، وعدم القدرة على الفعل أو اتخاذ القرارات السليمة المتوائمة مع المرحلة، إلى مؤسسات رسمية وغير رسمية، لها سابق خبرة كبيرة بالعمل المؤسسي والسياسي.

وضرب على ذلك أمثلة بالمؤسسات التي تعبر عن "الدين" في مصر -إن صح التعبير- مثل الأزهر الشريف والكنيسة الأرثوذكسية، كما سحب هذه الحالة على جماعة الإخوان المسلمين التي تُعد أكثر تيارات الإسلام السياسي تنظيمًا وتأثيرًا.

كما يطرح المؤلف مجموعة من المشاكل التي رافقت المرحلة الانتقالية في مصر، من بينها عجز النُّخب عن الإدارة السليمة لعملية كتابة دستور جديد للبلاد، ويرجع ذلك إلى أزمة بنيوية في الفهم، أو ما وصفها بأزمة الثقافة الدستورية.

كما يشير إلى عدد من الأزمات الأخرى التي واكبت المرحلة الانتقالية، ومن بينها إدارة هذه المرحلة نفسها بشكل أكثر عدالة يراعي تمثيل مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بحسب تقديره.

ويتهم المؤلف في هذا الإطار الإخوان المسلمين والتيار السلفي بالسيطرة على الأوضاع، ومحاولة مد يد تيار الإسلام السياسي إلى مختلف أركان الدولة، مدللاً على ذلك بعدد من المعارك السياسية التي تلت الثورة، بدءًا من الإعلان الدستوري في مارس/آذار 2011، وحتى معركة الدستور الجديد في مصر قبل بضعة أشهر.

ويلاحظ أن المؤلف يأخذ منذ البداية منحىً أو موقفًا سلبيًّا من تيار الإسلام السياسي، وينحو عليه باللائمة في مختلف المشكلات التي صاحبت المرحلة الانتقالية في مصر، ولكنه لا يغفل القوى الموالية للنظام القديم، أو ما اصطلح على تسميته بالطرف الثالث في الإعلام المصري، ودورها في تعطيل الأوضاع في مصر وتأزيمها.

ويقول إن تلك الأوضاع قادت إلى أزمات أخرى عدة، من بينها أزمة حقوق المرأة والطفل مع إطلال ثقافة التمييز برأسها على المجتمع المصري في هذه المرحلة التي أصر على وصفها بأنها مرتبكة ولا تزال، باعتبار أنه قد نشر كتابه هذا في ربيع العام 2013.

جانب مهم أو شريحة مهمة في المجتمع المصري يركز المؤلف على أزماتها أيضًا خلال المرحلة الانتقالية في مصر، وهي النُّخبة المثقفة والعاملون في مجال الصحافة، فيصف أوضاعها "بالمضطربة"، وأنها تملك "رؤى مُلْتَبسة"، وهو بطبيعة الحال ما أدى إلى غيابها أو ضعف تأثيرها على المشهد الحالي في مصر، بل إنه يتهم الصحافة بأنها كانت عاملاً مساعدًا على استخدام لغة العنف بين الفرقاء السياسيين.

ويشير إلى أن مصر في هذه المرحلة الانتقالية أيضًا بدأت بخطوات حثيثة تحاول استرجاع دورها الإقليمي القديم، من خلال أدوات القوة الناعمة المختلفة.

نحو رؤية للمستقبل!
في القسم الثاني من كتابه، يقدم المؤلف رؤاه الخاصة لمعالجة الأخطاء التي شابت المرحلة الانتقالية في مصر، فيطرح أولاً مبدأ عامًّا وهو ضرورة معالجة النُّخبة في مصر لمشكلاتها، ويدعو تيار الإسلام السياسي إلى أن يبدأ بنفسه في هذا المجال.

ويشير إلى ضرورة أن يتم وضع قواعد جديدة للتعامل مع المرحلة الراهنة والمقبلة في مصر، من أجل الخروج من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة مستدامة من الاستقرار والعمل المؤسسي.

من الضروري وضع قواعد جديدة للتعامل مع المرحلة الراهنة والمقبلة في مصر، ومنها إرساء مبدأ احترام الدستور والقانون، وأن يكون ذلك في صلب فكر مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسة الأمنية

ويركز على ضرورة إرساء مبدأ احترام الدستور والقانون، وأن يكون ذلك في صلب فكر مؤسسات الدولة المختلفة في عملها، بما في ذلك المؤسسة الأمنية، ويضع في هذا الإطار قضية محاكمة المواطن المصري أمام قاضيه الطبيعي، فيدعو إلى القضاء على ظاهرة محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.

وينبثق من ذلك قضية مهمة من وجهة نظر المؤلف، وهي ضرورة البحث عن سياسة تشريعية جديدة تضمن تحقيق المبدأ الذي طالب به، وهو عمل الدولة وفق قاعدة احترام الدستور والقانون، ولكنه ينتقد من طرف خفي ممارسات أعضاء مجلس الشعب الذي تم حله في ربيع العام 2012، حيث لم يقدموا النموذج المثالي الذي يطالب به في مسألة احترام الدستور والقانون.

ويدعو إلى أن تكون المؤسسة الإعلامية والنُّخبة المثقفة على قدر الحدث، وأن تبتعد عن إدارة مفهوم العنف في مصر كوسيلة لمعالجة المشكلات والخلافات السياسية، وأن تمارس دورها بدرجة أكبر من المسؤولية والشفافية.

كما يشير إلى ضرورة إعادة النظر في الطريقة التي تدير بها القاهرة سياساتها الخارجية، بحيث تكون لها ملامح محددة بعيدًا عما وصفه "بالتردد" الذي يشوبها في الوقت الراهن!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك