عرض/ عبد الحكيم أحمين

هذا الكتاب ليس عرضا لتعريفات ومفاهيم متداولة في السياق الغربي أو التداول العربي عن ما يسمى الإعلام الجديد وما يعرفه من إشكاليات وتحولات، بل هو دراسة متعددة المداخل والزوايا لمسألة أو إشكالية جديدة لا يزال يحتدم بشأنها جدل كبير، دراسة متعدد الأبعاد بين ما هو معرفي ووتقني ونفسي وثقافي وتاريخي.

ولمؤلف الكتاب الصادق الحمامي باع مقدر ومتنوع في مجال البحث العلمي في حقلي الإعلام والاتصال، فقد نال شهادة الدكتوراه من جامعة ستندال في غرونوبل بفرنسا، ويحاضر حاليا في هذين الحقلين بالإمارات وتونس، وله كتابان عن الإعلام وأشرف على عدد من الكتب الجماعية، كما صدرت له دراسات إعلامية عديدة باللغتين العربية والفرنسية في تونس والعالم العربي وأوروبا، فضلا عن كونه مؤسس موقع البوابة العربية لعلوم الإعلام والاتصال.

محاور وإجراءات ثلاثة
يتضمن الكتاب تمهيدا وثلاثة فصول وخاتمة وجردا بالمصطلحات المتداولة في هذا الكتاب وفي الدراسات الإعلامية الغربية. وأول ما يلاحظ على الكتاب عموما أن صاحبه اختار عنوانا أو مصطلحا جديدا وهو "الميديا الجديدة" بدلا من ما يسمى "الإعلام الجديد" أو "الإعلام البديل"، فما سر هذا التمايز وخلفياته المعرفية والمنهجية والعلمية؟

- الكتاب: الميديا الجديدة.. الإبستيمولوجيا والإشكاليات والسياقات.
- المؤلف: الصادق الحمامي
- عدد الصفحات: 321
- الناشر: المنشورات الجامعية بمنوية, الإمارات
- الطبعة: الأولى 2012

إن تقسيم الكتاب إلى محاور ثلاثة: محور معرفي إبستيمولوجي، ومحور الإشكاليات، ومحور السياقات، يعكس لدى الحمامي تصورا خاصا به للدارسة النظرية للميديا الجديدة، ذلك أن معالجة الظواهر والممارسات والتحولات المرتبطة بهذه الميديا تقتضي ثلاثة إجراءات أسياسية:

الإجراء الأول يتمثل في توظيف المفاهيم والمرجعيات النظرية والمنهجيات، فالتسليم بأن الميديا الجديدة تشكل حقلا بحثيا مرتبطا عضويا بحقل دراسات الاتصال يقتضي الاستناد إلى المكاسب النظرية لهذه الدراسات واستثمارها وتجديدها في آن لدراسة الظواهر والممارسات المستحدثة، أي أن الباحث العربي في الميديا الجديدة ملزم بتجديد منظومته المفاهيمية والنظرية والمنهجية، ومن هنا يعتبر المدخل المعرفي أو الإبستيمولوجي مركزيا في بحث هذه المنظومة التي ارتبطت بالإعلام التقليدي لدراسة الميديا الجديدة.

الإجراء الثاني هو أن لا يقنع الباحث العربي بلعب دور الوساطة في عرض وتأليف الإنتاج البحثي العالمي بشأن الميديا الجديدة معتقدا بأنه يقدم منتجا يفتخر به، ولا أن يقع في فخ العفوية بتغافله عن هذا الإنتاج العالمي مما يسمح بفهم التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية المتصلة بشكل أو بآخر بالميديا الجديدة في السياق العربي.

أما الإجراء الثالث فهو النظر التاريخي لمسألة الميديا الجديدة باعتبار أن مجال "الإعلام والاتصال والممارسات المرتبطة بهما هي ظواهر تاريخية بطيئة التشكّل ومتغيرة في الآن ذاته".

ويرى الحمامي أن على الخطاب البحثي أن يتجاوز الرؤية التشاؤمية -أو ما يسميه "التكنوفوبيا"- والنظرية التفاؤلية الطوباوية لمعالجة الإشكاليات التي تفرزها الميديا الجديدة، لأن هاتين الرؤيتين تعظمان التقنيات بوصفها قوة ذات قدرات خارقة لإفساد الحياة الاجتماعية أو تطويرها دون نظر إلى السياقات التقنية والابتكارات الاجتماعية والاستخدامات التواصلية والثقافية للتقنيات.

وهذا يعني سقوط فكرة الحتمية التقنية والاجتماعية السائدة في الخطاب العربي خاصة، وبالتالي "فالمجال العمومي الافتراضي محكوم كذلك بالصراعات ذاتها التي تحكم المجال العمومي الكلاسيكي"، كما أن العالم الافتراضي امتداد للعالم الاجتماعي، إذ لا تختلف صيرورة بناء الهوية في الواقع الاجتماعي عن نظيرتها في المجال الإلكتروني. أما من الناحية السياسية فالتقنية توفر أدوات جديدة للحياة السياسية، لكنها لا تمثل العامل الوحيد في عملية التغيير السياسي.

فتأثيرات الميديا الجديدة تمثل مبحثا هامشيا عند المثقف العربي رغم أنها من المداخل التي يجب التفكير من خلالها في وظيفة المثقف في ظل التحولات التي تحدثها الثقافة والاقتصاد والتقنية والعلم والسياسة، وأن يعيد المثقف النظر في سلطته بوصفه حاملا للوعي الحق للجماهير من خلال البحث عن المشاركة في إنتاج معرفة تؤسس "للعيش المشترك".

لماذا الميديا الجديدة؟
يشير الصادق الحمامي إلى أن المصطلحات التي تتداولها دراسات الاتصال عربيا مصطلحات وافدة على اللغة العربية وتشكلت في سياقات معرفية وثقافية مختلفة، فهو يرفض مصطلح الإعلام الجديد ترجمة للمصطلح الإنجليزي "New Media"، والمصطلح الفرنسي "Nouveaux Medias". فإذا لم يكن هناك اختلاف في ترجمة كلمة "New" رغم أنه مصطلح غير محايد وذو حمولة ثقافية، فإن كلمة الإعلام لا تبدو للمؤلف الحل أمثل لترجمة "Media".

فمصطلح الإعلام يرتبط بمؤسسات -التلفزيون والإذاعة والصحافة- تتمثل وظيفتها في إنتاج مضامين موجهة للجمهور، بينما تحيل التقنيات الحديثة إلى الوسائل التقنية الرقمية كالحاسوب والهاتف التي تقوم بعمليات التوصيل والنقل والتواصل، رغم أن هذه التقنيات أصبحت تؤدي وظيفة الصحيفة والتلفزيون والإذاعة والكتاب معا، مما أدى إلى تداخل واندماج بين وسائل الإعلام والتقنية الحديثة وإلى تنوع وظائفهما وتنافسهما وتفاعلهما.

إن الاحتفاظ بمصطلح الإعلام يوحي بأن التجديد يشمل الوسائط فقط، في حين أن الحد الفاصل بين المجالين ليس دائما الطابع الجديد أو القديم للوسائط، بل هو ظهور مجال مختلف إلى حد ما من جهة الوسائط التي تكوّنه والممارسات التي تتشكل داخله.

ورغم ذلك فإن مدلولات الإعلام (Media) مختلفة لغويا، فإذا كان الاستخدام العربي يحيل على معنى الإبلاغ والإخبار والإرسال والمعرفة، فإن مصطلح "Media" بسبب اشتقاقه من كلمة "Medium" يحيل على معاني الوساطة والوصل والوسط (Milieu)، وبهذا المعنى يبدو مصطلح "الميديا" أكثر دلالة على الإيفاء بثراء ظواهره الجديدة.

ثم إن الميديا الجديدة لا يمكن اختزالها في عملية إدماج أو إدراج للتقنية في العملية التواصلية والإعلامية، بل إنها تدمج الأنظمة التقنية (أجهزة الاستقبال الرقمي) والممارسات (كالتدوين) والترتيبات الاجتماعية (الأسرة والحملات السياسية). كما أنها "لم تنشأ من عدم، وهي كذلك ليست وليدة قطيعة جذرية ومطلقة تفصل بين تراث ثقافي غابر مرشح للاندثار ووضع حاضر يقوم على التجديد الجذري، وإنما هي حركة للجمع والتوفيق والتجاوز في آن واحد".

وهذا يعني بالنسبة للمؤلف ضرورة تجديد الجهاز المفاهيمي والمنهجي الذي وظفه الباحثون لدراسة الظواهر الإعلامية والاتصالية الجديدة، وضرورة بحث الميديا الجديدة وفق إستراتيجيات بحثية متعددة ووفق كل المكتسبات المعرفية للعلوم، وضرورة الدينامية أو الفعالية المعرفية الداخلية لبحوث دراسات الميديا الجديدة والبحث عن أطر نظرية جديدة، وتنوع مواضيعه وإشكالياته، ثم أهمية العمل الجماعي في المجال البحثي.

لابد من بحث مشكلة هوية الصحافة الإلكترونية وأشكال تجديدها للإعلام وتأثيرات هذا التجديد، في ظل بروز التدوين وغيره وما يحمله من ممارسات إنتاجية ومهنية وقانونية جديدة

إشكاليات وسياقات
لقد أفرز انتشار التقنية والإنترنت عددا من الإشكاليات والممارسات تختلف عما كان سائدا تاريخيا بشأن إنتاج المعنى والثقافة، وعجزت النخب عن فهم طبيعتها ودلالاتها، ولا يبدو أن النخب الفكرية العربية مدركة لاهتزاز التراتبية التاريخية القديمة (نخبة وجمهور)، فالجمهور في الإنترنت تحول -مثلا- إلى مدون ينتج كتابات كانت حكرا على النخب العالمة، وصار يمثل نمطا جديدا في الإعلام (إعلام المواطن)، كما تحول إلى منتج للفيديو، وإلى جماعات مؤلفة (ويكيبيديا).

هذا التغير يشمل أيضا الصحافة الإلكترونية التي ستبقى رهينة التحول المستمر بحكم ارتباطها بالإنترنت التي تتطور باستمرار، ولهذا يدعو المؤلف إلى بحث مشكلة هوية هذه الصحافة وأشكال تجديدها للإعلام وتأثيرات هذا التجديد في ظل بروز التدوين وغيره وما يحمله من ممارسات إنتاجية ومهنية وقانونية جديدة بعيدا عن النظر التقني لهذه الإشكاليات.

ويستبعد المؤلف العامل التقني في توصيف ماهية الصحافة الإلكترونية، ويشير إلى أهمية النظر إلى هذه الصحافة من خلال مفهوم المنظومة (نظام مركب تتفاعل داخله عناصر عدة كأنظمة النشر وواجهات العرض والمضامين ونظام العلاقات والتمويل وغيرها)، موضحا أن الصحافة الإلكترونية تختلف عن المنظومة الفردية-الجمعية (المدونات والمنتديات ومواقع الشبكات الاجتماعية..) والمنظومة المؤسسية (مواقع المؤسسات الحكومية والخاصة)، وتنتمي إلى المنظومة الصحفية الإعلامية (المواقع الإخبارية).

ويقول إن الصحافة الإلكترونية جاءت بخطاب صحفي مستحدث وممارسة إعلامية جديدة سواء من حيث إنتاج المضمون أو تأسيس علاقة جديدة مع الجمهور، وهي "ليست معطى وُلِد مكتملا، بل هي ابتكار تقني اجتماعي ثقافي يتجدد في سياق معقّد ووفق ديناميات لا حصر لها"، موضحا أن توظيف الصحافة الإلكترونية العربية للتفاعلية يعني تبجيلها لقيم الحوار والاختلاف والتعدد وأنه صارت لها وظيفة جديدة (حلبة)، بينما يعني استبعادها للتفاعلية المحافظةَ على نموذج إعلامي نخبوي وأحادي.

أما فيما يتصل بإشكالية علاقة الميديا الجديدة بالإعلام الكلاسيكي أو القديم فيقول إن الميديا لم تظهر في عالم بلا تجربة تاريخية متراكمة، بل هي في حالة اتصال دائم بالإعلام القديم، مستدلا بالتلفزيون وعلاقته بالإعلام الجديد، قائلا إن الإعلام الجديد في المجال التلفزيوني يتشكل من مضامين قديمة تحملها تقنيات جديدة، إذ إنه لا ينفلت عن الضوابط القانونية والتنظيمية التي يخضع لها الإعلام الكلاسيكي رغم أنه يستغل الإنترنت لتسهيل نفاذ الجمهور إلى برامجه ومواده، ولحفظ أرشيفه وتراثه السمعي البصري، ولاستغلال الموقع الإلكتروني كآلية لإدارة النقاش العام وتعزيز مشاركة الجمهور في المجال العمومي وإبراز التعددية السياسية والتنوع الفكري.

وفي دراسته لإشكالية التفاعلية بين التلفزيون والشباب، يخلص المؤلف إلى أن الخطاب العربي الإعلامي لا يزال مرتبكا ومضطربا في التعامل مع أثر الميديا الجديدة شبابيا، فمن جهة ينظر إلى المستخدم العربي على أنه فاعل وناشط في "الإعلام البديل" وما يعنيه ذلك من ثقافة شبابية جديدة تقوم على الحرية والتنوع والنقاش، ومن جهة أخرى ينظر إلى المستخدم بوصفه ضحية لقوى جديدة تسيطر على المجال الإلكتروني، وهذه الازدواجية تستبطن صراع النخب التقليدية للمحافظة على مواقعها التقليدية.

من التأثيرات الجديدة فقدان الخطاب العربي عن الذات والآخر طابعه المؤسسي والنخبوي المحض، إذ ظهر خطاب جديد ومتنوع غير خاضع للضوابط القديمة (السياسية والفكرية)، فالفضاء الإلكتروني يمثل انفتاحا لا مثيل له في تاريخ الثقافة العربية وانكشافا غير مسبوق لتنوعها، رغم أن الإنترنت لا تزال ضعيفة الانتشار في العالم العربي.

أما انتشار التقنية في المؤسسات الإعلامية والتعليمية وغيرهما فلا يعني تطورها أو بروز مخرجات كفُؤة، وظهور أنماط اجتماعية وسياسية وثقافية جديدة لا يعني أنها متماثلة في كل المجتمعات بمعنى أنها ليست كونية، أي أن التقنية "تؤثر في المجتمع وتتأثر به وفق آليات غير معلومة دائما ولا يمكن التنبؤ بها".

الميديا الجديدة تتشكل في سياق آليات الاحتواء والابتكار، إذ تتيح نشاطات وأشكالا جديدة من الظهور وتفاعلات مستحدثة، وهي تساهم على هذا النحو في التغيير الثقافي، لكنها تخضع للاحتواء السياسي والاجتماعي والثقافي

السياق الثقافي والتاريخي
لم يكتف المؤلف بما يحدث في الواقع من تحولات ثقافية واجتماعية وسياسية، بل عاد إلى التاريخ -بدءا من ظهور المطبعة وانتهاء بانتشار الإنترنت- لفهم هذه التحولات التي أنتجتها التقنية الجديدة، ليخلص إلى أن الميديا الجديدة وتجلياتها واستخداماتها وتأثراتها تتشكل في سياق آليات الاحتواء والابتكار، إذ إنها تتيح نشاطات وأشكالا جديدة من الظهور وتفاعلات مستحدثة، وهي تساهم على هذ النحو في التغيير الثقافي، لكنها من جهة أخرى تخضع أيضا لإستراتيجيات الاحتواء السياسي والاجتماعي والثقافي.

وفي دراسة للفيسبوك عبر حالة تونس، يوضح أنه يتخذ أشكالا متعددة، ففي مرحلة أولى كان الفيسبوك فضاء سلطويا تسيطر عليه الدولة عبر الرقابة والحجب وغيرهما، وفي مرحلة ثانية تحوّل إلى مشهد ثوري ضد السلطة ليشهد عملية تسييس واسعة، وفي مرحلة ثالثة تحوّل إلى تشظ وفرقة سياسية، الأمر الذي يبرز تبادل التأثير بين الفيسبوك والسياقات السياسية والثقافية.

وهكذا، وبعدما كان الإعلام العربي في مرحلة أولى يعبر عن هوية جماعية تواجه الاستعمار، وفي مرحلة ثانية صار -ولا يزال- وسيطا أحادي الهوية تحتكره السلطة والنخبة، أصبحت الميديا الجديدة تعبر عن هوية متعددة ومتنوعة للعالم العربي، ذلك أن "التعبيرات الفردية الجديدة التي تحتضنها فضاءات الميديا الجديدة تحيلنا على إعادة صياغة إشكالية الهوية، إذ إنها تدعونا إلى الأخذ بعين الاعتبار مسائل التنوع والاختلاف التي تحيل بدورها على مسألة أشمل تتعلق بالعيش المشترك".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك