عرض/ جلال الدين عز الدين علي

يشمل الكتاب ثمانية وثلاثين خطاباً، ألقاها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في مناسبات مختلفة، داخل تركيا وخارجها، بين عامي 2005 و2011، تناولت مشروع تحالف الحضارات الذي أطلقه هو ورئيس وزراء إسبانيا خوسيه ثاباتيرو عام 2005، ثم تبنته الأمم المتحدة، ليكتسي صفة العالمية.

ينقسم الكتاب إلى مقدمة للطبعة العربية، ومقدمة بلغته الأصلية، ومدخل بعنوان: "نهج جديد لتناول الحضارة العالمية"، ثم ثلاثة أبواب، عناوينها: "تحالف الحضارات: مشروع لإنسانية عالمية"، و"الانفتاح العالمي"، و "مد الجسور".

-الكتاب: رؤية للسلام العالمي
-المؤلف: رجب طيب أردوغان
-ترجمة: د. طارق عبد الجليل ود. أحمد سامي العايدي
-مراجعة: د. برهان كور أوغلو
-عدد الصفحات: 258
-الناشر: دار الشروق, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2012

حرص المؤلف في مقدمة الطبعة العربية على توجيه رسائل إلى المنطقة العربية، أبرزها طمأنة الدول العربية بشأن التزام تركيا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول، وخاصة العراق وسوريا ولبنان، وإظهار تركيا نموذجاً في رؤية التعددية الثقافية والدينية والمذهبية، بوصفها ثراءً فكرياً لا تهديداً، وتوجيه النصح للأنظمة الجديدة في تونس ومصر وليبيا واليمن، بأهمية الإدارة الجيدة لهذه المرحلة، بحيث تحقق تطلعات الشعوب إلى الحياة الكريمة، وممارسة الحريات الأساسية، والمساواة أمام القانون، وانتخاب الحكام ومراقبتهم.

أما مقدمة الكتاب بلغته الأصلية، فقد وجه فيها المؤلف رسائل مختلفة إلى الغرب، ركز فيها على مكانة تركيا بين الثقافات الغربية، مع وعيها بموروثاتها الثقافية القائمة على التعايش السلمي، وذلك ما أهلها لإطلاق الدعوة إلى تحالف الحضارات. وأبرز أهمية اكتمال عملية انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي المستمرة منذ عام 1963، لأن ذلك سيشكل "نموذجاً رائعاً" لتحالف الحضارات في إمكانية التعايش المشترك.

أما المدخل المعنون "نهج جديد لتناول الحضارة العالمية" فقد تضمن عناصر الحضارة العالمية، وهي: الوعي، والرؤية، والسياسة.

فيما يتعلق بالوعي، حذر المؤلف من مخاطر موجة التغيير الحالية القائمة على المعرفة، والتي تؤدي إلى توجيه العالم باتجاه مصالح من يملك المعرفة. وبيّن أن السعادة مرهونة بالفضيلة لا بالمعرفة، وهذا ما يستلزم إطلاق حركة أخلاقية جديدة، تستهدف إعادة البناء في مختلف المجالات، على أسس من القيم الأخلاقية على المستويين الوطني والدولي.

وفيما يتعلق بالرؤية، ينطلق المؤلف من نقد الواقع، وما ينذر به من عولمة الإرهاب والعنف وثقافة الصدام، ويدعو إلى عولمة القيم الإنسانية المشتركة، معتبراً أن خط الصدع الذي تواجهه البشرية لا يتوازى مع الخطوط الدينية ولا الثقافية، بل يمر بين مقاربات مستنيرة تعتقد أن الاختلافات على أرضية القيم المشتركة مصدر ثراء للبشرية، وبين أيديولوجيات متعصبة ترفض ذلك. فكل الأديان والثقافات تمتلك نصيباً من القيم العالمية المشتركة، والحضارة العالمية هي نتاج مشترك للإنسانية جمعاء.

أما السياسة اللازمة للحضارة العالمية، فهي "سياسة حضارية" متعددة الأبعاد، لحل كل المشكلات البشرية. سياسة تتحرك فوق محور المبادئ العالمية، وتهدف إلى القضاء على: الاستغلال، واعتباطية الحكم والسلطة، ومركزية الأنا، ومركزية العرق، والقسوة، وعدم التفاهم.

ويقترح المؤلف أدوات عدة لتحقيق هذه الأهداف، وهي: التربية الأخلاقية، وإقامة مراكز تطوعية للتضامن، وإنشاء نظام محاسبي يقوم بحساب العواقب البيئية الوخيمة للحضارة العالمية، وتأسيس مجالس حضارية لتحريك قوى التضامن والإبداع التي تتألف من وحدات المساعدة التطوعية، وتدعيم المشروعات البيئية.

تحالف الحضارات
اهتم المؤلف في الباب الأول -في معظم خطاباته- بتفنيد المقولات التي تُبنى عليها سياسات عدوانية، مثل: صدام الحضارات، وربط الإسلام بالإرهاب، أو ربط النزاعات السياسية بالهويات الثقافية، والأهم من ذلك، اتهامات مباشرة موجهة إلى تركيا، مثل إبادة الأرمن عام 1915. ولمواجهة هذه المقولات والاتهامات، يؤكد المؤلف أهمية الحوار، ونبذ الأحكام المسبقة والخصومة بين أبناء الأديان والثقافات المختلفة، وترك مهمة التحقيق في الأحداث التاريخية للمؤرخين، لا للبرلمانيين والساسة.

ومقابل تلك الاتهامات، يدعو المؤلف القوى الغربية إلى نبذ ازدواجية المعايير، وإلى تطبيق العدل ومكافحة التمييز والاستقطاب. ويشير إلى إنجازات تركيا في مكافحة التمييز ضد المرأة، ويبرز تقدم بلاده في هذا المجال في إطار التوافق مع المعايير الأوروبية، ويراه رصيداً يؤهلها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

يدعو المؤلف القوى الغربية إلى نبذ ازدواجية المعايير، وإلى تطبيق العدل ومكافحة التمييز والاستقطاب, ويشير إلى إنجازات تركيا في مكافحة التمييز ضد المرأة وفق المعايير الأوروبية

ويؤكد المؤلف عمق جذور الدعوة التركية إلى تحالف الحضارات، بالاستشهاد برموز منتقاة من الثقافة الإسلامية التركية، مثل: جلال الدين الرومي، الذي احتفت به اليونسكو عام 2007، بمناسبة مرور ثمانمائة عام على مولده.

وبالمثل، يؤكد اتصال هذه الدعوة في ظل الجمهورية التركية الحديثة، التي يقتبس من مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك تصور أمم العالم بوصفهم جيراناً في بناية واحدة، وشعار "صلح في الوطن.. صلح في العالم" الذي طورته السياسة الخارجية التركية الراهنة إلى "كسب الأصدقاء وليس صنع الأعداء". والرسالة أن تركيا -بموروثها الإسلامي وواقعها الحداثي- هي دولة مسالمة ومنفتحة، ولا تمثل تهديداً للغرب.

وبفضل هذه التوجهات، تمكنت تركيا -تحت حكم حزب العدالة والتنمية- من نزع فتيل الحرب مع سوريا، وبذلت جهوداً كبيرة لإحلال السلام في البلقان والقوقاز والشرق الأوسط، ومنها تأسيس "منتدى الاستقرار والتعاون في القوقاز"، و"منتدى دول الجوار العراقي".

يضاف لذلك إنجازات الاقتصاد التركي، حتى بينما كان العالم يواجه الأزمة الاقتصادية العالمية. ويمكن أن يكون ذلك نموذجاً يحتذى في البلقان والقوقاز والشرق الأوسط.

الانفتاح العالمي
أبرزت خطابات المؤلف في الباب الثاني اهتمامه بالتفاعل بين تركيا والعالم، وحتى تفاعل المواطنين الأتراك في الخارج مع المجتمعات التي يعيشون فيها، بحيث يدعمون -بهويتهم وقيمهم وسلوكهم الإيجابي- مبادرة تحالف الحضارات.

وأشار إلى أزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للإسلام، التي مثلت اختباراً صعباً لفكرة تحالف الحضارات، وكان الخيار التركي هو مواجهتها بالحوار، وتأكيد الاحترام لكل الأديان والثقافات، ومكافحة عملية تقسيم العالم إلى كتل متضادة، التي تبدأ بوصف المختلف بـ"الآخر"، وتنتهي بالصدام معه.

ولعل هذا الإدراك هو الذي يوجه مشروع تحالف الحضارات، بوصفه محاولة لعولمة السلام والاستقرار، بدلاً من عولمة العنف والنزاع، من خلال تعزيز ثقافة الحوار والاحترام والوعي الجمعي العالمي. وتعي تركيا جيداً أن ذلك سينعكس بشكل إيجابي عليها وعلى العالم، بحكم العلاقة المتبادلة بين السلام والاستقرار، وبين الاقتصاد والتنمية.

يرتبط بذلك توجه السياسة الخارجية التركية لمواجهة المشكلات بالتفاهم والمصالحة المتبادلة بدلاً من العنف، وضرورة منع من يستعينون بالعنف من إلحاق الضرر بالسلام والاستقرار. وينطبق ذلك على القضية الفلسطينية، التي يقترح المؤلف حلها بالطرق السلمية، وبالتعاون لتحسين مستوى معيشة الفلسطينيين. لكن ذلك لا ينطبق على الأنشطة التركية ضد حزب العمال الكردستاني وملاحقة عناصره في العراق، حيث يصنف المؤلف هذه الأنشطة ضمن الدفاع الشرعي ضد الإرهاب، ويدعو إلى تعزيز مكافحة المنظمات الإرهابية، وقطع الدعم المادي والدبلوماسي والعسكري والسياسي عنها.

مد الجسور
استمد هذا الباب -الذي يعد الثالث- عنوانه من لقاء مع وفد كلية وارتون لإدارة الأعمال في عام 2006 في إسطنبول، التي يعدها المؤلف على رأس المدن التي يمكن أن تمثل موضوع مد الجسور على أكمل وجه، لأنها نقطة التقاء بين آسيا وأوروبا، وكذلك نقطة التقاء بين القيم المشتركة التي تجمع الحضارات.

وقد استخدم المؤلف في هذا اللقاء مفهوم "دبلوماسية الديمقراطية"، التي تعتمد عليها تركيا في تحقيق الاستقرار والسلام وثقافة المصالحة في بؤر التوتر التي تحيط بها. فالديمقراطية نظام للحرية وللوفاق، بعكس الأنظمة الشمولية التي حبست الأفراد والمجتمعات خلف سور برلين لمجرد اختلافهم عن الآخر. وإذا كان سور برلين قد انهار، فإن إقامة أسوار نفسية بين الثقافات والمعتقدات المختلفة أمر يتنافى مع روح العالم الحر، وأكبر  خطر يواجهها.

يؤكد المؤلف أن الإسهام الاقتصادي الذي ستقدمه عضوية تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لن يظل محدوداً بقدراتها فحسب، بل سيمتد إلى الموقع الإستراتيجي الذي تتبوؤه تركيا

ويستثمر المؤلف هذا العنوان لتحقيق الهدف الرئيس، عارضاً فكرة أن تركيا هي جسر يتيح للاتحاد الأوروبي الانفتاح على أسواق الشرق الأوسط ودول منظمة التعاون الاقتصادي في منطقة البحر الأسود، وتوفير المواد الخام والواردات الأخرى المهمة للاقتصاد الأوروبي، حيث تمر عبر تركيا حوالي نسبة 7% من النفط العالمي.

ويؤكد أن "الإسهام الاقتصادي الذي ستقدمه عضويتنا إلى الاتحاد الأوروبي لن يظل محدوداً بقدراتنا فحسب، بل سيمتد إلى الموقع الإستراتيجي الذي تتبوؤه تركيا". "وعندما تنضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ستصبح جزءاً منه، وستقوم بوظيفة جسر يجعل الاتحاد الأوروبي أكثر تأثيراً في المناطق الأخرى".

ملاحظات
يأتي الكتاب- وبشكل أعم، مشروع تحالف الحضارات الذي يروجه- ضمن أنشطة الأداة الدعائية للسياسة الخارجية التركية، ولتحقيق هدف أساسي هو تسهيل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، والتغلب على عائق اختلافها الثقافي الديني مع مجتمعات الاتحاد الأوروبي، بإظهار نموذج ثقافي ديني موافق للقيم الإنسانية العالمية المعاصرة.

وإذ يدعو المؤلف إلى النظر إلى القيم الغربية والقيم الدينية بوصفها ميراثاً مشتركاً للبشرية ضمن حضارة إنسانية عالمية، فإنه يوجه بذلك رسالة مزدوجة ضد قوى الممانعة (الإسلامية غالباً) للاندماج التركي في الغرب، وقوى الممانعة الغربية لضم تركيا للاتحاد الأوروبي بالمثل.

ومما يلحظه القارئ أن تركيا تعرض نفسها جسراً للغرب إلى الشرق، بأكثر منها جسراً للشرق إلى الغرب. ولعلها لا تحظى مع ذلك بالتجاوب الذي تتوقعه من الطرفين، بدليل كثافة هذا الخطاب لإقناعهما بذلك، لكنها تتقدم بإصرار، ويبدو المجال مفتوحاً أمام فاعلية السياسة التركية النشطة في الساحتين اللتين تستفيد تركيا بقوة من تأكيد الوعي بكونهما ساحة واحدة لحضارة عالمية مشتركة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك