عرض/ وليد الزبيدي

ساهمت ثلاثة أحداث هامة منذ بداية القرن الحادي والعشرين في إثارة الاهتمام بالحركات الإسلامية،  أولها أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001، حيث اتجهت أنظار السياسيين والمهتمين في الغرب إلى الإسلام، وظهرت الكثير من الدراسات والبحوث، التي تربط في غالبيتها الإسلام بالعنف، وفي ذات السياق تصدر مصطلح "الإرهاب" الواجهة في وسائل الإعلام،  كما انتشر على نطاق واسع مصطلح "الإسلام فوبيا".

أما الحدث الثاني فقد ارتبط بالغزو الأميركي للعراق، وتشكيل الواجهة السياسية الحاكمة في بغداد، وفق "المحاصصة الطائفية" في يوليو/تموز عام 2003، وتصدرت الأحزابُ الإسلامية واجهةَ السياسة والحكم، وغزت الكتب الدينية الشارع العراقي، ولم يجد زائر المكتبات في بغداد ومدن العراق الأخرى حضورا كثيفا إلا للكتب الدينية، والكثير منها يبحث ويروج للحركات الإسلامية الحاكمة تحت سلطة قوات الاحتلال الأميركية، لكن هذه الظاهرة لم تعمر طويلا، وسرعان ما انقلب الكثيرون على هذا النوع من الإصدارات، وعادت الكتب ذات الطابع الثقافي والفكري والتسلوي متصدرة الواجهة، مع تراجع كبير في حضور الكتب التي تروج أو تتحدث عن الحركات الإسلامية في العراق.

-الكتاب: الحركات الإسلامية في الوطن العربي
-المؤلف: مجموعة من الباحثين وإشراف د عبد الغني عماد
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-عدد الصفحات: 2624 (مجلدان)
-الطبعة: الأولى: 2013

ثم وقعت أحداث كبيرة منذ أواخر عام 2010، عندما انطلق "الربيع العربي"، وتمخض عنه صعود الإسلام السياسي، وتسلم قياداته السلطة في تونس ومصر، مع حضور واضح للإسلاميين في جميع الدول العربية التي شهدت وتشهد حراكا منذ عام 2011 وحتى الآن. وتذهب قراءات المختصين إلى أن الانشغال بالحركات الإسلامية في الوطن العربي سيأخذ وقتا ليس بالقصير.

وبغرض سدّ الفراغ في تاريخ الحركات الإسلامية في الدول العربية، صدرت العديد من الكتب والبحوث، التي تسلط الضوء على تلك الحركات في بعض الدول العربية، مثل مصر، والأردن، والمغرب العربي، ودول الخليج العربي وسوريا، لكن الإصدار الموسوعي الذي بين أيدينا، يغطي مساحة الوطن العربي كاملة، عنوانه "الحركات الإسلامية في الوطن العربي" شارك في تأليفه عدد كبير من الباحثين المتخصصين بشؤون الحركات الإسلامية، ومن مختلف أرجاء الوطن العربي (عدد الباحثين المشاركين في تأليف الكتاب 31 باحثا). ونستطيع القول إن هذا الإصدار الأول من نوعه من حيث المساحة، وموسوعية التناول، والاعتماد على مصادر علمية دقيقة. وصدر الكتاب في مجلدين كبيرين، تم تخصيص أكثر من (400 صفحة) من المجلد الثاني لتنظيم القاعدة التي تفتقر المكتبة العربية إلى مصادر علمية غير منحازة عنه.

في تقديمه للكتاب، يوضح الدكتور الباحث عبد الغني عماد أسباب إصدار هذا العمل الموسوعي وأهم أهدافه، مشيرا إلى أنه كان لظهور التيارات والحركات والتنظيمات الإسلامية في الوطن العربي تأثيرات ضخمة في تاريخه الحديث والمعاصر، بل طاول الاهتمام بها الدول وسياساتها الدولية والإقليمية، ولم يقتصر ذلك على المنطقة العربية والمحيط الإسلامي، بل تجاوزه إلى ما هو أبعد من ذلك جغرافيا وسياسيا.

وعن الدافع وراء التخطيط لهذا الإصدار، والحرص على إنجازه بالشكل الذي صدر فيه، يقول المشرف على المشروع، الواقع أن المتتبع للظاهرة الإسلامية يلاحظ أنه على الرغم من ضخامة ما كتب عنها وحولها من أعمال فكرية وتاريخية وما استقطبته من اهتمام، إلا أنه لم تصدر سوى أعمال تاريخية قليلة تتعلق بمجال تدوين التاريخ في مجال دراستها الشاملة كحركات وتنظيمات وتعبيرات سياسية.

سدّ فراغ
يمكن القول، إن هذا الكتاب يسد فراغا كبيرا في المكتبة العربية، فإذا كان الباحث والمختص والسياسي يجد كتبا تتناول تاريخ الحركات الإسلامية، فإنها تقتصر في الغالب على دولة واحدة أو عدة دول، وليس هناك مرجع موسوعي عن هذه الحركات في جميع الدول العربية، كما علينا أن لا ننسى بأن الكثير من الإصدارات التي تناولت الإسلام السياسي في الوطن العربي، قد يكون الهدف من إصدارها دوافع سياسية في أجواء الصراعات والمماحكات الكثيرة في الساحة العربية. وعندما يأتي صدور هذا الكتاب من مؤسسة بحثية مشهود لها بالاستقلال والمهنية، إضافة إلى شعارها المتمثل باسم جهة النشر "مركز دراسات الوحدة العربية" الذي يشرف عليه الباحث والأكاديمي العربي المعروف الدكتور خيري الدين حسيب، كل ذلك يؤكد حجم الفراغ الذي يسعى هذا الإصدار لسدّه في الوطن العربي.

للحركة الإسلامية مساراتها وأزمنتها ومعطياتها الخاصة التي ساهمت في إنضاجها وبلورتها من حيث النشأة والتأسيس، ومكنتها من أن تحتل موقعها وأن تتصدر المشهد في كثير من الأحيان

تم تقسيم المجلد الأول ويقع في (1199 صفحة) إلى ستة فصول، تناولت، الإرهاصات التأسيسية للحركة الإسلامية، ومدخلا مفاهيميا- معرفيا "المصطلحات"، جماعة الإخوان المسلمين: الامتدادات والفروع، وحزب التحرير الإسلامي وفروعه، وجماعة التبليغ والدعوة، والفصل الأخير يبحث في التيارات السلفية وامتداداتها في الوطن العربي.

أما في  المجلد الثاني ويقع في (1420 صفحة) فقد احتل الفصل الخاص بتنظيم القاعدة وامتداداته صدارة المجلد، في حين تم تخصيص بقية الصفحات لخريطة الحركات الإسلامية في الأقطار العربية، وهناك ملحقان والمراجع.

قبل الشروع في دراسة الحركات الإسلامية بصورة واسعة ومعمقة، تأسيسها وفروعها في الدول العربية، تطالع القارئ دراسة موسعة بعنوان (الحركات الإسلامية: الإرهاصات والأزمنة التأسيسية، المرجعيات والمسارات الصعبة)، يقول د. عبد الغني عماد، في تقديمه لهذا الفصل: شأنها شأن أي حركة سياسية أو اجتماعية، للحركة الإسلامية مساراتها وأزمنتها ومعطياتها الخاصة التي ساهمت في إنضاجها وبلورتها من حيث النشأة والتأسيس، ومكنتها من حيث المشروع من أن تحتل موقعها، وأن تتصدر المشهد في كثير من الأحيان.

ثم يتناول الباحث موضوعات عدة، أهمها: الإصلاح والنهوض: أزمنته وأزماته، والإرهاصات الأولى لحركة الإصلاح والتجديد، والوهابية: إحياء وإصلاح ديني، ثم السنوسية: ثورة ودعوة، والمهدية: دعوة ومقاومة وأسطورة، وينتقل إلى جانب أخر يسميه: بين الإصلاح والنهضة، تيار يولد ونخب تتقدم.

41 مصطلحا إسلاميا
يقدم الكتاب شرحا مكثقفا دقيقا لواحد وأربعين مصطلحا إسلاميا في الفصل الثاني تحت عنوان (المفاهيم والأفكار والعقائد المحورية للحركات الإسلامية). وبدون شك فإن الكثيرين يسعون للتعرف على مثل هذه المصطلحات، نظرا لما يثيره البعض منها من جدل واسع في الأوساط الدينية والسياسية والشعبية، من بينها موضوع "التترُّس" و"ولاية الفقيه" و"الولاء والبراء" وجاء في تعريف السلفية الجهادية على سبيل المثال: ما يميز السلفية الجهادية عن غيرها من السلفيات، ليس إعلان جاهلية المجتمعات المعاصرة كلها، وليس إعلانها كفرانية النظم التي تحكم ليس بما أنزل الله، بل إعلانها أن الجهاد المسلح سبيل أوحد للتغيير(ص98)، وبذلك فإن الباحث يميزها عن السلفيات الأخرى مثل السلفية الحركية أو السرورية، والسلفية العلمية أو الألبانية، ومصطلحات أخرى مثل التوحيد، والتقليد، والثورة، والجامعة الإسلامية، والسنوسية، وغيرها.

يفرد الكتاب مساحة واسعة لجماعة الإخوان المسلمين (بحدود 580 صفحة)، ودور حسن البنا مؤسس الجماعة في تثبيت أركانها، ومن ثم انتشارها إلى بقية أرجاء الوطن العربي. ويرى الباحث محمد جمال باروت أن ظهور الجماعة يمثل امتدادا حركيا للإصلاحية السلفية المشرقية، في شروط مواجهتها الحادة للنموذج العلماني الكمالي، ويؤيد الباحث الرأي الذي يربط النشأة المباشرة للإخوان بالرد على "إسقاط الخلافة وتقدم العلمانية" ويقول إنه رأي دقيق للغاية.

ظهور جماعة الإخوان المسلمين في مصر يمثل امتدادا حركيا للإصلاحية السلفية المشرقية، ويرى البعض أنها جاءت كرد فعل على إسقاط الخلافة الإسلامية

من بين المحطات المهمة في مسيرة الإخوان بمصر حقبة الرئيس مبارك منذ عام 1981 حتى عام 2011، حيث يسلط الكتاب الضوء على هذه العلاقة خلال ثلاثة عقود. ثم يأتي تاريخ الإخوان المسلمين في سوريا و دورهم في ثورة 15 مارس/آذار عام 2011. ويكتشف قارئ الكتاب أن إخوان سوريا قد تأسسوا في وقت مبكر جدا وذلك عام 1935، وعن ذلك يقول الباحث فادي شامية إن ذلك جاء نتيجة لتأثر الكثير من الطلبة السوريين الذين كانوا يدرسون في مصر بنشاط الإخوان المسلمين الصاعد آنذاك. كما يسرد دور إخوان سوريا في الثورة التي اندلعت في مارس/آذار 2011، ويورد عدة تصريحات وبيانات للجماعة تبشر بالثورة قبل اندلاعها، وحتى قبل الثورة المصرية في 25 يناير 2011.

بالنسبة لجماعة "الإخوان المسلمين في العراق" فإن الباحث مقداد النوري الذي يعيد بداية التأسيس إلى عام 1944 بعنوان "جمعية الإخوة الإسلامية" لا يغفل موقف الجماعة من الاحتلال الأميركي عام 2003 وبسبب مشاركتها في العملية السياسية في ظل الاحتلال فقد تراجعت شعبيتها،  يقول الباحث "واجه الحزب الإسلامي" -الجناح السياسي لإخوان العراق- انشقاقات وانسحابات وتراجعا في شعبيته في المناطق والمدن السنية التي احتضنته في انتخابات 2009، بعد أن حقق حضورا واضحا في الانتخابات السابقة عام 2005.

تنظيم القاعدة
تم تخصيص مساحة واسعة من صفحات المجلد الثاني "لتنظيم القاعدة" في الدول العربية، وتحت عنوان (السلفية الجهادية وتنظيم القاعدة- المنطلقات الفكرية المرجعيات الفقهية) يسلط الباحث هاني نسيرة الضوء على هذا الجانب من التنظيم، كما يقدم مبحثا آخر عن النشأة والتأسيس والمسار للتنظيم، وعرضا موسعا لتنظيم القاعدة في العراق والجزيرة العربية والمغرب العربي والأردن وبلاد النيل وفي الصومال،  قبل أن يرسم خارطة وجود هذا التنظيم في العالم.

وعلى أكثر من (200 صفحة) -وهو الفصل الأخير من المجلد الثاني- يعرض الكتاب لـ(خريطة الحركات الإسلامية في الأقطار العربية)، ليختتم الكتاب بدراسة بعنوان (رموز الإسلام السياسي في الوطن العربي).

ما يمكن قوله عن موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي أنها لم تترك زاوية في هذا الموضوع إلا وتناولتها بمعلومات دقيقة وموثقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك