عرض/ عمّار العباسي
جاء في مقدمة المؤلف أن هذا الكتاب يتزامن صدوره مع أخطر مرحلة حرجة يمر بها الخليج العربي والوطن العربي ستؤثر على أوضاعه الإستراتيجية والجيوستراتيجية منذ استقلال الدولة القومية واتفاق سايكس بيكو، حيث يعيش حركة بعث شعبي داخلي حقوقي في موسم الربيع العربي.

وبالإضافة إلى الأهمية البالغة التي ذكرها المؤلف بين يدي كتابه، تزداد أهميته في أنه توثيق تم خلال فترة زمنية بدأت عام 2003 مع الحرب على العراق، رتبه موضوعيًا، ورغم طول المدة الزمنية التي جمعت دراساته، تجد تماسكًا في رؤية الكتاب حيث اللاحق زمنيًا يؤكد سابقها، والسابق زمنيًا يفسر لاحقها، في انسجام موضوعي تام منذ بدء الدراسة وحتى الربيع العربي. وبالطبع يرجع هذا إلى اهتمام المؤلف وهو ابن المنطقة وعاصر تحولاتها، فدوَّن برصده المستمر العديد من الأحداث والتفاصيل التي تتكامل ليعضد بها رؤيته.

مسارات ثلاثة
يؤكد الكاتب في البداية على ثلاثة مسارات:
الأول- أن دراسته تنطلق مما أطلق عليه وصف "التيار العربي المستقل" عن الأيدولوجيتين الإيرانية والأميركية، وهو التيار الذي يتصاعد شعبيًا في حين أنه مهمل رسميًا. 

- الكتاب: النزاع الدولي الإقليمي في الخليج العربي.. صراعٌ أم تقاطع؟
- المؤلف: مهنا الحبيل
- الناشر: دار النهضة العربية, القاهرة
- الطبعة: الأولى 2013

الثاني- تأكيده على التمييز بين الموقف من التعايش المدني بين أبناء الطوائف، وبين إدانة الطائفية والمشروع الإيراني، لذا يشيد في مواضع مختلفة من الكتاب برؤى شريعتي ومنتظري والسيد فضل الله وأحمد البغدادي والمدرسة الخالصية وغير ذلك.

الثالث- أن ما يطرحه كقراءة لواقع النزاع بعيد عن التحليل الساذج لفكرة مؤامرة قائمة بين طرفين لا تتناقض أيدولوجيتاهما، بل قراءة لحالة تنافس بين القوى نتج عنها تقاطع مصالح وأعداء مشتركون في ظل غياب مشروع حقيقي مضاد سوى الضجيج الإعلامي.

الصراع وخرائط الخليج الجديد
في الفصل الأول يطرح المؤلف خلاصة الأطراف الثلاثة في نظرتها إلى الأمن الإقليمي للخليج: الأنظمة الخليجية الرسمية، وإيران، والولايات المتحدة.

تقوم الرؤية الرسمية وتسوِّق أن أمن المنطقة محمي دوليًا وليس قوميًا إقليميًا، وأن الولايات المتحدة وفق إطار زمني ستستطيع احتواء المشروع الإيراني، وبالتالي تأمين سلامة الحكومات الخليجية من المتغيرات التي أبرزت النظام الإيراني كقوة قائمة على الأمر الواقع، مما يعني غياب الرؤية المستقلة.

أما إيران فكانت دائما مؤمنة بالتوسع كعقيدة إستراتيجية استخدمت في سبيله شتى الوسائل، ففي زمن الإصلاحي خاتمي كان التعاون مع أميركا لاحتلال أفغانستان ومد ذراع توسعي بداخلها، كما أنها اعتمدت خطابًا طائفيًا يقوم على عسكرة الشعب والمشروع الخاص كما في العراق.

الولايات المتحدة هي الشريك غير الجدير بالثقة، تبحث عن المصلحة وتحمل سيناريوهات متعددة تبقى كلها تحت متناول اليد، والظروف والمتغيرات تدفع الأميركيين لاختيار السيناريو الأمثل كما هي مصلحتهم، وهي تعتمد على ترويج سلعتين لشعوب المنطقة: البضاعة، والثقافة الغربية، كضمان لتوطين الحياة الغربية وبالتالي هيمنتها على المنطقة.

يظهر من كل هذا أن خليج الشعوب والإرادة المستقلة غير حاضر على مستوى القرار، والنخب منها المنحاز إلى أحد المشروعين، وكلاهما يعادي من يؤمن بالاستقلال الخليجي العروبي. بل ومن تيه الخليج أن ضمانة ردع الاحتلالين في الحقيقة تكمن في الاعتماد على شعب المنطقة، بينما هو يلغي هذا من حسابه. أضف إلى ذلك استمرار الخليج في التحفظ بل والخصومة أحيانًا مع القوى الشعبية العربية والتي تتقاطع مع مصلحة الخليج ضد مشروعي الاستعمار.

في ظل غياب الرؤية الخليجية، التقت مصالح إيرانية أميركية في ملفات شتى، وليست المسألة عبارة عن تحليل ساذج، بل هي مصالح تتقاطع وأوراق سياسية تفرض نفسها على الطرف الآخر، وهذا التقاطع يجعل الأمن القومي الخليجي مهددًا وقدراته وإمكاناته ضائعة ومهدرة. وللتأكيد على هذا نجد في الكتاب رصدًا دقيقًا لتفاصيل عديدة حول هذا التقاطع في ملفات شتى، أبرزها التعاون في إدارة أفغانستان والعراق المحتلين، ويرصد المؤلف حول هذا التعاون تفاصيل في شتى القضايا طوال فترتي الاحتلال.

إيران غذت نزعات الكراهية وحاربت أول ما حاربت كل عمامة تخرج عن سياق رؤيتها، ذلك لأن توحد العراق يعني اندماجه في محيطه العربي، وبالتالي خروج إيران خالية الوفاض

احتلال العراق وتأثيراته على أمن الخليج
الفصل الثاني للكتاب يتناول المشروع الانتقامي الطائفي الذي فجرته إيران في الخليج والذي زعزع أمن المنطقة بأسرها، وأساء إلى العلاقة بين المسلمين وأضر بوحدتهم، فالعدو الحقيقي المشترك هو الغرب والاستكبار، لذا يفترض أن يتوحد الجميع ضد الاحتلال الأميركي وردعه وإجباره على الخروج. لكن إيران غذت نزعات الكراهية في ظل هيمنتها على السلطة، وحاربت أول ما حاربت كل عمامة تخرج عن سياق رؤيتها، ذلك لأن توحد العراق يعني اندماجه في محيطه العربي، وبالتالي خروج إيران خالية الوفاض، بينما الصراع الداخلي الطائفي في العراق يغذي هيمنة إيران.

لذا دفعت طهران غير مبالية بالعراق إلى الحرب الطائفية، وليس في هذا تبرير أو قبول للعنف الطائفي الذي تبناه الزرقاوي ضد الشيعة، بل هو مدان، لكن إيران تجاوزت عداءها له لتعادي المقاومة الوطنية ككل، وتبقى المسؤولية الرئيسية على السلطة التي كان بمقدورها العمل دون خطاب طائفي انتقامي لبناء وطن مشترك، لكن ما جرى هو توجيه مشاعر الثأر التاريخية إلى الحاضنة السنية! وتحول الوطن إلى مأتم كما اعترف محمد بحر العلوم عضو مجلس الحكم الانتقالي السابق بتعيين بريمر "كان خطؤنا أننا حولنا بغداد إلى حسينية كبيرة..".

كما يرى المؤلف أن تعاطي إيران مجملا مع المنطقة كان طائفيًا، كما هو لعبها المستمر بتاريخ المنطقة وبالملفات الحقوقية باسم الطائفة، لذا تضخ دومًا خطاب الأكثرية والأقلية الطائفية في المجتمعات لإذكاء مظلومية خاصة، بينما يجب أن يبنى أي مشروع وطني على الهوية الشاملة وأمن البلاد القومي. وهذا الخطاب الإيراني تتوافق معه أميركا، وكلتاهما يضرها قيام مشروع وطني يحفظ للمنطقة وحدتها وقرارها المستقل.

المقاومة الوطنية العراقية
ورغم أن القوى الحاكمة بالعراق تعلن أن معاركها ضد التكفيريين، فإنها نفذت اغتيالات ضد شيوخ الصوفية في العراق وقتال جيش النقشبندية المقاوم، لذا توحدت الرؤية الإيرانية والأميركية ضد العدو المشترك، مشروع المقاومة الوطنية العراقية، وهو مشروع بمعاداته للاحتلالين يتقاطع مصلحيًا مع أمن الخليج القومي عمومًا والمصلحة الخاصة لزعمائه أيضًا، ومع ذلك تم التفريط فيه.

كانت الرؤية الخليجية وما زالت تعتمد على أميركا واحتوائها لإيران، لذا ظن الخليج أن بدعم أميركا لعلاوي يمكن احتواء إيران، لكن أميركا خذلت علاوي بإخباره أنها لن تستطيع دعم حكومة لا ترتضيها طهران وفقًا لمصلحتها، وهنا يبرز الفارق بين قوى تبحث عن أوراق متعددة لسيناريوهات متعددة، وبين قوى آثرت التفرج والرضى بالوعود الأميركية.

الملف الحوثي
يقول المؤلف في الفصل الثالث: بحثت طهران عن توريط الرياض في اليمن، وبالتالي خلط الأوراق مجددًا بتعبئة طائفية واستنزاف المملكة إن تدخلت بقوة في الداخل اليمني، وحصل تماهٍ في موقف طهران مع واشنطن إذ أعلنت الأخيرة أن جماعة الحوثي ليست إرهابية بل حركة مطلبية!

في المقابل يشيد المؤلف برفض المملكة التدخل في الشأن الداخلي بدعم طرف تجاه آخر، والاكتفاء بردع عناصر الحوثيين المتسللة، وبالتالي حظيت بدعم الجميع، وأجبرت إيران على التراجع بزيارة متقي للرياض لتوضيح موقف طهران.

ويدعو المؤلف المملكة إلى أن تكون حاضرة بقوة للم شمل الجميع وعدم ترك فراغ تستثمره إيران، دون أن يكون انحيازًا إلى طرف على حساب آخر تكون ارتداداته الداخلية على المملكة مضرة.

إيران تحولت إلى الهجوم أكثر فأكثر عبر حزب الله وسوريا لتعزيز مكسبها في العراق، حتى تحسن وضعها لاكتمال الصفقة التي تريد في المنطقة

الملف اللبناني الإيراني
الفصل الرابع من الكتاب يرى أن إيران تحولت للهجوم أكثر فأكثر عبر حزب الله وسوريا لتعزيز مكسبها في العراق، حتى تحسن وضعها لاكتمال الصفقة التي تريد في المنطقة، وبذات الأدوات دفعت بلبنان إلى الطائفية، ويظهر هذا جليًا في الصدامات الطائفية لاسيما بين حزب الله والمتصوفة الأحباش رغم تقاربهما ودعمهما للبعث السوري.

الأكثر من ذلك هو الدفع المستمر لتشكيل تحالف أقليات يعادي عمق الأمة من خلال التحالف مع ميشال عون وما يتبناه من رؤية ضد الاندماج العروبي الإسلامي، حتى لو كان هذا التحالف يحتوي شخصيات مقربة من تل أبيب كالعميد كرم، وكأن خيار المواجهة الطائفية صهيوني ينجر إليه حزب الله.

أما الخليج فيعول على تيار المستقبل الذي لا يحمل أيدولوجية ولا رؤية، بل وللتاريخ المخزي لبعض قياداته وتحالفاتهم، كل ذلك يجعله رهانًا على الطرف الخاسر، ولذا يرى المؤلف أنه لا بد للخروج من المأزق اللبناني الطائفي من بناء تيار وطني بقيادات نزيهة، يؤمن بالرباط الذي يشمل شعوب هذه المنطقة بالحضارة الإسلامية والقومية العربية، ويسعى لتقوية التيار الشيعي العروبي.

إيران من الداخل
يسلط المؤلف في الفصل الخامس الضوء على الأحداث في الداخل الإيراني، بدءًا من موقف نظام ولاية الفقيه من معارضيه بمن فيهم رفاق الثورة، وأولهم آية الله منتظري الذي يتزايد المؤمنون بطرحه كمعارض بشكل كامل لنظام ولاية الفقيه، متجاوزين مير موسوي ممثل التيار الإصلاحي، وصولًا إلى الصراع الأخير بين نجاد والمرشد، وانتهاءً بالملف الأهوازي.

وإن كانت الرؤية الإيرانية مجملًا قبل الثورة وبعدها، ولدى المحافظين والإصلاحيين سواء في إستراتيجيتهم التوسعية، فإن هذا لا يعني العداء للشعب الإيراني أو التقليل من تضحياته في بحثه عن حريته في خلعه للشاه، ومن بعده محاولات التمرد على الشاه الفقيه، وأن الثغرات في الداخل الإيراني متوفرة، لاسيما أن ما تتبناه إيران من خطاب وبرنامج لشق الصف الوطني في العراق وسائر دول الجوار، من الطبيعي أن تكون له ارتداداته الداخلية عليها.

واستغلال الثغرات يحتاج إلى رؤية مستقلة تبحث عن مصلحتها، بينما نأى الخليج بنفسه مرارًا واكتفى ببعض المناكفة الإعلامية، كما في احتجاجات الحركة الخضراء حين أعلن الخليج دعمه لفوز نجاد ورفض التدخل، وذلك بعد إعلان واشنطن أن خيار الحوار مع طهران لن يكترث بنتائج الانتخابات، وكذلك التضامن الهزيل وغير الإستراتيجي مع ملف الأهواز الذي يجب أن يبقى بعيدا عن الطائفية لصالح القضية ولصالح الداخل الخليجي.

ويرى المؤلف أن التدخل العسكري في طهران -مع كونه طرحا غير واقعي وبعيدا جدًا- يؤمن بعدم القبول بهذا الخيار، مما يجب أن يُفهم أن الاستقلال عن طهران لا يعني الولاء لتل أبيب أو أميركا، ومعاداتهما لا تعني الرضا بالتمدد الإيراني.

خاتمة الكتاب رسالة تختصر بعضًا من تاريخ المنطقة، والنظرة إلى الأميركي الذي قدم إلى الخليج بحثًا عن النفط، وكيف ينظر له الآن، ويؤكد المؤلف في خطاب يستحضر التجربة أن العداء الإنساني مرفوض، ولكنه عداء للهيمنة، ورفض للتبعية التي ترخص من شأن المواطن مقابل النفوذ الخارجي. هذه الرسالة الخاتمة تجعل الكتاب كدائرة تنتهي من حيث تبدأ مؤكدةً ذات الطرح، فهي زمنيًا أول ما كتبه المؤلف عام 2003 ومناسبتها الحرب الأميركية على العراق, ولسان حاله يقول:
محضتهم نصحي بمنعرج اللوى.. فلم يستبينوا القول إلا ضحى الغد

المصدر : الجزيرة

التعليقات