عرض/ زياد منى

مَن مِن المهتمين بموضوع هذا الكتاب، أي تاريخ فلسطين القديم، لا يتذكر موجة التسونامي العلمية التي اندلعت بعد إصدار كيث وايتلام -الذي كان رئيس قسم اللاهوت في جامعة شفيلد، وفي الوقت نفسه مدير دار النشر التابعة لها ورئيس تحرير الدورية المتخصصة التي تصدرها- كتابه تلفيق إسرائيل التوراتية، طمس التاريخ الفلسطيني الذي صدر بالإنجليزية في عام 1996، الذي نقض فيه النظريات التقليدية التي تتعامل مع المادة من منظور لاهوتي لا علمي.

-الكتاب: إيقاعات الزمن–إعادة ربط ماضي فلسطين.
-المؤلف: كيث وايتلام.
-الناشر: بنبلاكبوكس، المملكة المتحدة
-الطبعة: الأولى 2013

ومن الضروري هنا التنويه بأمر مثير للغضب والاستياء، أن إحدى مؤسسات النشر العربية الحكومية أقدمت على السطو على الكتاب ونشر ترجمته العربية من دون طلب إذن المؤلف، بل ورغم اعتراضه على الأمر، ثم رفضت تعويضه عن الخسائر التي لحقت به. أما سبب إصداره نسخة رقمية وليست ورقية من المؤلف فهو، كما أخبرني، الصعوبات الجمة التي واجهته في العثور على ناشر يمتلك شجاعة مواجهة التيار اللاعلمي السائد وتحمل نتائج ذلك أولاً وقبل كل شيء.

الكتاب وموضوعته
على أي حال، لا يزال كتاب تلفيق إسرائيل التوراتية.. يشكل -هو وغيره من المؤلفات التي كتبها عدد من أفضل علماء التوراة، إن صح الوصف، مثل توماس تومسون الأميركي وفيليب ديفس الإنجليزي ونيلز لمكه وإنغريد هيلم الدانماركيين وعالمة الآثار الهولندية مارغريت شتاينر- علامة فارقة في إعادة كتابة فلسطين من منظور علمي ينطلق من المرجعيات العلمية، ومنها اللغات والآثار وكيفية فهمها بمعزل عن المقولات المقولبة أولاً وقبل كل شيء.

في كتابه الأول، كتب كيث وايتلام ما لم يحدث في فلسطين، وفي هذا الكتاب يكتب ما حدث في فلسطين في الفترة ذات العلاقة، أي العصر الحديدي الذي يبدأ في فلسطين، وفق علماء الآثار، في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وهي الفترة التي عادة ما يحددها علماء التوراة التقليديون بالتي شهدت انبعاث ما يسمى المملكة المتحدة، التي أسسها داود بن يسي، وعاصمتها أورشليم، وفق الرواية التوراتية طبعًا، ثم وسعها الملك الذي يعرف في التراث التاريخي العربي باسم سليمان بن داود، المعروف في التوراة باسم شْلُمُه، أي: شلومو، في القرن التاسع قبل التأريخ السائد، إذا أردنا التقيد الصارم بالخطاب العلمي. أما اعتماده مبدأ إيقاعات الزمن فيعتمد، وفق ما كتبه هو، على كتابات المؤرخ الفرنسي الكبير فرانك برُدِل.

عرض كيث وايتلام آراءه في الموضوع عبر سبع فصول مقسمة على ثلاثة أجزاء، هي: فقدان ماضي فلسطين؛ إعادة ربط تاريخ فلسطين؛ تاريخ فلسطين عميق الجذور.

فهم موضوع الكتاب يشترط معرفة القارئ بالنظريات التقليدية المطروحة بالخصوص والتي تسيدت هذا التهذيب العلمي حتى بدأ بعض العلماء بنقضها وكان أكثرها شهرة، لكن ليس الأول، كتاب تومسون الذي عرضناه في هذا الموقع في الشهر الماضي.

قام التيار التأريخي اللاهوتي التقليدي المهيمن على تاريخ فلسطين، منذ أقدم العصور، على اعتماد الرواية التوراتية مرجعًا لتفسير أحداث حصلت قديمًا في فلسطين، أيضًا بالارتباط مع الإمبراطوريات التي تسيدت الإقليم، وهي المصرية والبابلية والآشورية.

فقد رأى علماء الآثار أن فلسطين وبقية المنطقة شهدت في القرن الثاني عشر قبل التأريخ السائد اضطرابات هائلة ناتجة عن غزو خارجي قام به من وصفوا بأنهم شعوب البحر، القادمين، وفق النظرية السائدة، من قبرص، مما أدى إلى خراب المنطقة، ثم أعقب ذلك فترة انتعاش اقتصادي ناتجة عن قدوم شعوب جديدة للمنطقة، وهو ما حددوه بأنه تمامًا ما يرد في التوراة، أي غزو بني إسرائيل القادم من مصر إلى الأرض التي تفيض لبنًا وعسلاً.

يبدأ كيث وايتلام نقضه الخطاب السائد وشرح ما حدث فعلاً بالتشديد على ضرورة استعادة فلسطين تاريخها المصادر سياسيًا، حيث يذكِّر القراء بادعاء غنغرتش المرشح الجمهوري لرئاسة الإدارة الأميركية بأن لا تاريخ مستقلا لفلسطين، وأن وجود الكيان الصهيوني هو تحقيق لإرادة إله التوراة في أرض الميعاد، وأن فلسطين ظهرت للوجود إبان الاحتلال البريطاني عقب الحرب العالمية الثانية وانتهت عام 1948.

التنقيبات الأثرية أثبتت أن سكان مرتفعات فلسطين الغربية، أي التي تعرف حاليًا بالضفة الغربية، وفي الخطاب التوراتي باسم يهوذا والسامرة، هم من أهل البلاد الأصليين ولم ينتموا إلى أي حضارة خارجية

كما يذكّر القراء بكتيبات سياحية صدرت في أوروبا، حتى منذ القرن السادس عشر، تظهر فلسطين جزءًا من عالم الغرب، التوراتي/الكتابي ليس غير. ومن هذا المنطلق، فإن منطق غنغرتش يقول: من لا تاريخ له في فلسطين لا حاضر ولا مستقبل له فيها، ولذلك عد الشعب الفلسطيني الذي بنى تلك البلاد وعاش فيها آلاف السنين إلى أن طردته الحركة الصهيونية منها، إرهابيين عربا لا أكثر.

وهذا ما دعا حاييم وايزمن إلى طلب إعادة صياغة ما يسمى إعلان بلفور، بإضافة المفردة: إعادة، إلى الجملة: تأسيس وطن قومي لليهود.

أحد أسباب هذه المصادرة، يقول كيث وايتلام، أن القوة السياسية والاقتصادية ليستا بكافيتين وحدهما للحفاظ على المغامرات الإمبريالية، حيث وجب الاستعانة بالقوة الثقافية لدعم ذلك، وهو ما فعلته الإمبرياليات البريطانية والفرنسية والألمانية، والتي وقفت وراء الحفريات في فلسطين منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وتأسيس مختلف الجمعيات الجغرافية والاستشراقية، التي تدعمها وزارات الحرب في تلك البلاد، التي كانت تقلب كل حجر وحبة رمل في أرض فلسطين بحثًا عن تاريخ وهمي.

في عملية بحثه في تاريخ فلسطين في العصر الحديدي، ومستعينًا بما نشره علماء الآثار عما عثر عليه هناك، يبين كيث وايتلام أن كل التنقيبات الأثرية أثبتت أن سكان مرتفعات فلسطين الغربية، أي التي تعرف حاليًا بالضفة الغربية، وفي الخطاب التوراتي باسم يهوذا والسامرة، هم من أهل البلاد الأصليين ولم ينتموا إلى أي حضارة خارجية.

إضافة إلى ذلك، فإنه لا يقبل التفسير الحرفي التقليدي بخصوص شعوب البحر، أي القادمون من خارج الإقليم، كما تظهرهم نقوش رمسيس الثالث في مدينة هابو/حابو في صعيد مصر، ودمروه، إلا على نحو مجاز، وأنه من غير الصحيح إهمال احتمال قوي بأن المقصود في النقوش كارثة بيئية أو مناخية، وليس غزوًا من الخارج. كما إنه في الوقت نفسه يوضح أن مدينة القدس، التي عادة ما يشار إليها في الكتابات التوراتية بالاسم أورشليم، لم تشكل مركزًا مدنيًا في تلك الفترة، مما ينفي تبعًا لذلك نظرية مملكة شلومو الموحدة المزدهرة، وهو ما أثبتته من قبل عالمة الآثار الهولندية مارغريت شتاينر في كتابها: القدس في العصر الحديدي 1300-700 ق م.

انطلاقًا من هذه الحقائق البديهية، يبين كيث وايتلام في كتابه المليء بالاقتباسات، ويخلو من الهوامش، لكنه يحوي مسردًا بعناوين مراجع أساس، أن طرح نظرية أو فرضية العصر الظلامي بالارتباط بشعوب البحر، يقود، تبعًا، إلى ولادة جديدة للإقليم على يد قوم أو أقوام أتت من خارج فلسطين، وهم، قبائل أو أسباط التوراة!

يدخل كيث وايتلام في تفاصيل شرح تاريخ فلسطين في تلك الفترة ونموها الاقتصادي وارتباطه، على نحو مستقل، بمختلف مناطق ما يعرف الآن ببلاد الشام، ويحرره من ظل تاريخ إمبراطوريات الشرق القديمة المصرية والبابلية والآشورية، وأيضًا من ظل الإمبراطورية العثمانية ومن بعدها الاستعمارين البريطاني والأميركي.

الكتاب يعالج تاريخ فلسطين بما ينفي صحة الرواية التقليدية التوراتية التي تصادر تاريخ فلسطين المستقل، والمندمج في الوقت نفسه بتاريخ الإقليم

المهم في الأمر، أن التغييرات التي شهدتها أرض فلسطين في تلك المرحلة حصلت عبر فترة أطول مما كان يظن، ومن الداخل وليس من الخارج، وأنها ارتبطت بتغير مناخي وكوارث طبيعية، وأن عودة الحياة إليها تم بفضل أبنائها وليس على يد أقوام خارجية. فعلى سبيل المثل يستشهد وايتلام باستنتاجات علماء الآثار التقليديين الذي عالجوا آثار عدد من المواقع في فلسطين ذات العلاقة، ومنها على سبيل المثال تل المتسلم (مجدو) وتل القدة (حاصور)، وتل رأس العين (آفق)، وأثبتوا أن تدمير كل منها تم في فترات مختلفة، مما ينفي موضوعة انتهاء عهد في فلسطين على نحو مفاجئ وبدء عهد جديد على يد أقوام من خارج الإقليم.

في الحقيقة، إن الكتاب يعالج بالتفاصيل المثيرة، وليس المملة، تاريخ فلسطين في تلك المرحلة والتغيرات التي شهدتها تلك الأرض والحضارات التي أنتجتها، بما ينفي صحة الرواية التقليدية التوراتية التي تصادر تاريخ فلسطين المستقل، والمندمج في الوقت نفسه بتاريخ الإقليم، كما لاحظ ذلك كل من هيرودت في القرن الخامس قبل التأريخ السائد وابن بطوطة من بعده في القرن الرابع عشر، لصالح تأريخ مختلق هدفه تقديم تسويغ سياسي لاستيلاء الصهيونية، اليهودية والمسيحية، على فلسطين، وتصوير أن التطهير العرقي الذي مارسوه بحق شعبها ما هما إلا تقويم للتاريخ وليس قلبه عقبًا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك