إعداد/شرين يونس

يحاول المؤلف في كتابه إلقاء الضوء على قطاع يمس حياة المصريين جميعا، وهو بقدر أهميته بقدر ما تضاربت فيه البيانات والتحليلات والأرقام، وبقدر ما اشتكى المستفيدون منه من سوء مستوى الخدمة المقدمة.

-الكتاب: الصحة وأحوال الفقراء في مصر
-المؤلف: عبد الخالق فاروق
-عدد الصفحات: 279
-الناشر: مكتبة الشروق الدولية, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2013

ويتتبع الكاتب في مؤلفه أربعة جوانب فيما يتعلق بالصحة وأحوال المصريين، أولها محاولته حصر مكونات القطاع الصحي المصري في تشعباته كافة، ومن ثم رصد وتحليل التطورات النوعية والكمية التي طرأت على هذا القطاع الحيوي.

والجانب الثاني: محاولة التعرف على حجم الإنفاق الحكومي داخله وتطوراته، ثم تطور وقيمة الإنفاق العائلي والشخصي مقابل الحصول على الرعاية الصحية، والمحور الأخير حصر لأزمات هذا القطاع، وطرح سبيل العلاج أو الإدارة الجيدة الكفيلة بتحسين الأداء.

تطور البنية ومكوناتها
ويبدأ الباحث كتابه بالحديث عن تطور نظام الرعاية الصحية في مصر من حيث نشأة النظام والمفاهيم العلمية والإطار الدستوري، مشيرا إلى أن مصر لم تشهد تطورا ملحوظا وسريعا في مجال الرعاية الصحية بشقيها الوقائي والعلاجي إلا بعد ثورة يوليو/تموز 1952، سواء في عدد الوحدات الصحية المنشأة أو على مستوى التشريعات.

فوصل عدد المستشفيات إلى 104 عام 1960، وبلغ عدد الوحدات الصحية بالقرى 600 وحدة، في حين نزعت ملكية بعض المستشفيات الخاصة وحولت للملكية العامة للدولة، ونص دستور 1956 لأول مرة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمصريين وفي مقدمتها حق الرعاية الصحية والعلاجية، وصدر قانون رقم 490 لسنة 1955 لتنظيم وإدارة المؤسسات العلاجية.

وكذلك قانون رقم 75 في عام 1964 الخاص بإنشاء هيئة التأمين الصحي الاجتماعي للتأمين على العاملين بالحكومة والقطاع العام، والقرار الجمهوري بقانون 135 لسنة 1964 في شأن تنظيم المؤسسات العلاجية، ثم صدرت عدة قرارات جمهورية بإعادة تنظيم القطاع الصحي كله في مصر، مثل القرار الجمهوري رقم 1210 لسنة 1964، والقرار 1212 لسنة 1964، والقرار رقم 1581 لسنة 1967.

كما صدر قانون رقم 79 لسنة 1975 وتعديلاته، فأصبحت الرعاية الصحية جزءا أساسيا من الحقوق الدستورية للأفراد والجماعات في البلاد، وأصبحت بمثابة التزام دستوري على كافة مؤسسات الدولة تقديمه دون شروط.

من ناحية أخرى، يرى الكاتب أنه لا يوجد نظام واحد للرعاية الصحية أو العلاجية في مصر، وإنما الحاصل عدة أنظمة، لكل منها قوانينه ولوائحه المنظمة وآليات عمله ونظم تسعير خدماته، ولكل منها مستوى للخدمة يختلف باختلاف الفئات الاجتماعية والطبقية أو المهنية المستفيدة من خدماته، ومن ثم درجة فاعليته ودرجة رضا جمهوره عنه.

ويشير الكاتب إلى مجموعة من الحقائق فيما يتعلق بالبنية التحتية للوحدات الصحية، منها استحواذ القطاع الحكومي على نسبة 51% من إجمالي المستشفيات والوحدات الصحية، واستئثارها بنسبة 82.6% من إجمالي الأسرَة المتاحة.

وبمتابعة تطور عدد الأسرَة المتاحة في البلاد خلال العشر سنوات الممتدة من 1995 وحتى 2004، نكتشف أن أسرَة القطاع الخاص زادت بمعدل الضعف تقريبا، وبما يعادل 10%، بل إن الوزن النسبي لأسرة القطاع الخاص ارتفع من 10.7% عام 1995 إلى 17.1% عام 2004، مقابل انخفاض حصة وزارة الصحة من 57.6% إلى 54%.

مصر تمتلك بنية تحتية صحية وقائية وعلاجية ضخمة، يمكن أن تؤدي إلى نتائج هائلة لو أحسن إدارة هذا القطاع، وامتلك وضوحا في الأهداف وتناسقا بين كافة مكوناته

وفي حين تستحوذ سبع محافظات (القاهرة والإسكندرية والجيزة والقليوبية والدقهلية والشرقية والغربية) على 62% من إجمالي عدد الأسرة المتاحة، لا تشكل هذه المحافظات سوى 50% من إجمالي سكان البلاد.

وفيما يتعلق بالكوادر البشرية الطبية بمختلف التخصصات، تشير البيانات إلى وجود حوالي 450 ألفا من العاملين المختلفي المؤهلات والخبرات والتخصصات، يعملون في قطاع الرعاية الصحية في البلاد.

ويؤكد المؤلف حقيقة امتلاك مصر لبنية تحتية صحية وقائية وعلاجية ضخمة، يمكن أن تؤدي إلى نتائج هائلة لو أحسن إدارة هذا القطاع، وامتلك وضوحا في الأهداف وتناسقا بين كافة مكوناته، في وقت يؤدي مقدار التباين والتفاوت وأحيانا التضارب في الأرقام والإحصاءات الصادرة من المصادر الرسمية إلى إرباك وتشويش المحللين والقائمين على محاولة رسم سياسات جديدة لإدارة شؤون الدولة والمجتمع.

وبالانتقال إلى تطور الصناعة الدوائية في مصر، يذكر الكاتب أنه قبل ثورة يوليو/تموز 1952 اعتمد الاستهلاك الظاهر للأدوية -الذي لم يكن يتجاوز 5 ملايين جنيه- على الاستيراد من الخارج.

ثم جاءت الحكومة الناصرية وأنشأت المؤسسة المصرية العامة للدواء، كما أممت ودمجت بعض مصانع الدواء الصغيرة والمحدودة في كيانات أكبر، فزادت نسبة الإنتاج المحلي من الدواء من 10% عام 1952 إلى 28% عام 1961، ثم إلى 80% عام 1979.

ولكن وبانتهاج الدولة سياسة الانفتاح الاقتصادي، برزت ثلاث ظواهر متلازمة، هي زيادة حجم الاستهلاك المصري من الدواء إلى أن تجاوز عام 2007 أحد عشر مليار جنيه، كما انخفض نصيب القطاع العام من 80% في منتصف السبعينيات إلى أقل من 20% في التسعينيات، وذلك لصالح القطاع الخاص والأجنبي والمشترك، وأخيرا الزيادة المستمرة في أسعار الدواء بمعدل سنوي يزيد عن 10%.

ويؤكد كافة المتخصصين الثقاة في مصر عدم وجود سياسة دوائية حقيقية في البلاد، تسمح بالوصول إلى تعزيز البحث العلمي في هذا المجال العام لإنجاز منتجات دوائية مصرية جديدة بعيدة عن النمط السائد والغالب حاليا على الصناعة.

تدهور للخدمة
ويرى المؤلف أن المؤشر أو العامل العددي لا يصلح وحده للحكم على الحالة المصرية لأسباب عدة. إذ إن العبرة ليست في عدد الأسرَة، بل في نطاق ومجالات الخدمة والرعاية الطبية المتاحة، فقصور شبكات الرعاية الوقائية مثل الصرف الصحي، وشبكات المياه النقية والمسكن الصحي وسلامة الطرق والغذاء وغيرها، تؤدي إلى مضاعفة الأثر السلبي للأمراض المتوطنة.

كما أن تدهور أداء بعض الأطباء المصريين لا يرجع فقط لكثرة أعداد الطلاب، وإنما لإهمال عدد كبير من الأساتذة وكبار الأطباء لطلابهم، إضافة لغياب سياسة تدريب جادة وحقيقية، وكذلك لانتشار الفساد في المؤسسات الجامعية.

من الصعوبة معرفة الحجم الحقيقي للإنفاق المجتمعي على قطاع الصحة، وذلك نظرا لتداخل عناصر الإنفاق وتعدد مصادره وتنوع أطرافه

ويشير الكاتب إلى بروز ما وصفه بأخطر السياسات المراوغة وغير المعلن عنها التي اتبعت في إدارة وحدات الصحة الحكومية منذ منتصف السبعينيات، وهو ما أطلق عليه التمويل الذاتي أو المشاركة الشعبية في تحمل الأعباء.

وهي تعني اتباع عدد من الإجراءات، كالتوسع في عدد ونسبة أسرة وأقسام العلاج بأجر داخل المستشفيات العامة والحكومية، وتحمل المريض وأسرته أعباء شراء بعض الأدوية وبعض المستلزمات الطبية أو إجراء التحاليل المعملية أو الأشعة المطلوبة، وكذلك الانتظار لشهور طويلة للحصول على الخدمة الطبية، وتقديم المكافآت والإكراميات للأطقم الطبية.

وارتفعت تلك الأسرة بأجر داخل المستشفيات التابعة لوزارة الصحة من 5253 سريرا عام 1971 بنسبة 7.7% من إجمالي الأسرة التي توفرها تلك المستشفيات، إلى 35 ألف سرير عام 1985 بما أصبح يشكل نسبة 30% من إجمالي الأسرة، مع استمرار ارتفاع معدلها حتى عام 2006.

وأصبح من الواضح عدم وجود توازن بين مكونات المؤسسات الصحية في مصر، سواء من زاوية العبء أو القدرات المتاحة، نظرا للاختلال الواضح في توزيع المخصصات المالية لوزارة الصحة، مما انعكس بدوره في تباين مستوى الأداء والفاعلية والتجهيزات التشخيصية والعلاجية في مناطق مصر العليا (الصعيد) ومصر الدنيا، وبالمثل بين الإنفاق الصحي على الفقراء ومحدودي الدخل.

ودعا الكاتب لضرورة حصر وتقدير القيمة الاقتصادية للأصول الصحية الحكومية، خاصة في ظل حديث متكرر عن خصخصة الخدمات الحكومية الصحية وغير الصحية، حتى لا يجري إهدارها أو تبديدها في عمليات بيوع غامضة يحيطها الشك وعدم الشفافية.

إضافة لضرورة التعرف بدقة على وسائل إدارة هذه الأصول الاقتصادية الصحية بوسائل علمية صحيحة تمزج بين مفاهيم الرشد ومعايير العدالة.

في الوقت نفسه، يشير الكاتب إلى صعوبة معرفة الحجم الحقيقي للإنفاق المجتمعي على قطاع الصحة، وذلك نظرا لتداخل عناصر الإنفاق وتعدد مصادره وتنوع أطرافه، ولغياب بنية إحصائية متكاملة وشفافة، مع انتشار ممارسات الفساد وعطاياه.

ويؤكد الباحثون الثقاة أن إعادة الهيكلة الإدارية للقطاع الصحي، ومراجعة بنود الاتفاق الحكومي على قطاع الصحة، وإعادة الهيكلة المالية من شأنها تغطية الجزء الأكبر من العجز الذي يعاني منه هذا القطاع.

لحل مشكلة الصحة لابد من إعادة توزيع الاختصاصات وتقسيم الأدوار بين الجهات المقدمة للخدمة، وإعادة بناء الهياكل الإدارية والتنظيمية وإعادة هيكلة الموازنة العامة للدولة

أزمات وحلول
وحصر الباحث المشكلات، التي يعاني منها قطاع الصحة في مصر، في محورين أساسيين، أكد ضرورة أن يعالجا معا كحزمة واحدة لا تنفصم، هما: مشكلات ذات طبيعة إدارية وتنظيمية، ومشكلات ذات طبيعة مالية واقتصادية.

واقترح ضرورة إعادة توزيع الاختصاصات وتقسيم الأدوار بين الجهات المقدمة للخدمة، وإعادة بناء الهياكل الإدارية والتنظيمية وإعادة هيكلة الموازنة العامة للدولة، مع البدء بتحديد حجم العبء الحقيقي لإدارة نظام صحي كفء وعادل وفعال.

دعا أيضا لضرورة تحديد مصادر الموارد المطلوبة وكيفية الحصول عليها، وإصدار قانون موحد يعدل فئات الاشتراكات، وتطبيق قوانين العمل والتأمينات بصرامة على العمالة غير المنتظمة، وضمان إلزام أصحاب المشروعات الاستثمارية بالتأمين الصحي والاجتماعي على العاملين لديهم بالأجر الحقيقي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك