عرض/ زياد منى
لا شك في أن الحديث في موضوع تركيا الجديدة تحت حكم حزب العدالة والتنمية المستمر منذ ما يزيد على عشر سنوات، يثير كثيرا من الإشكالات، خصوصًا في ضوء الحراك في الشارع العربي ونحاج أحزاب إسلامية في تسلم إدارة حكم كل من مصر وتونس، إضافة إلى المشاكل المستعصية في ليبيا، وانسكاب آثار تلك الحركات إلى منطقة الصحراء الكبرى والصراعات الدموية التي بدأت في الاندلاع هناك.

- الكتاب: القومية الإسلامية والأتراك الجدد
- المؤلف: جِنِي وايت
- عدد الصفحات: 262
- الناشر: دار نشر جامعة برنستن، برنستن، أكسفُرد
الطبعة: الأولى/ 2013

كما أن الحضور القوي الإقليمي وحتى العالمي -الذي وصل إلى البرازيل وأفريقيا- لتركيا الجديدة يضاعف من أهمية قراءة تجربة حزب العدالة والتنمية، خصوصًا أنه ورفاقه في الأحزاب الإسلامية في بعض البلاد العربية طرحوا تلك التجربة على أنها قابلة للتعميم لكونها تجربة حكم إسلامي يحكم دولة علمانية. وهناك أيضا من العامة من نظر إليها على هذا النحو.

هذا الكتاب يكتسب أهمية لكونه بقلم كاتبة أنثروبولوجية اعتمدت في جانب كبير من مؤلفها على ملاحظاتها الشخصية التي جمعتها خلال زياراتها وإقامتها في تلك البلاد، وأحاديثها وحواراتها مع مختلف مكونات الشعب الدينية والمذهبية والقومية بشأن المشاكل التي يواجهونها، باستثناء العرب في إقليم الإسكندرون أو هتاي كما يعرف الآن، وذلك كان مقصودًا كما أبلغتني في رسائلنا المتبادلة التي سبقت كتابتي هذا العرض، لأنهم لم يشكلوا مشكلة أو تحديا إثنيا أو ثقافيا مشابها للكردي أو العلوي على سبيل المثال في تركيا، كما ترى، لكنها لم تنف تعرضهم للقمع القومي والثقافي.

الفئة الوحيدة التي رفضت الحديث مع المؤلفة هي اليمين الكمالي القومي المتطرف، لكنها ذكرت أنها فقدت أصدقاء أتراكا قوميين لأنها قبلت الكتابة في مجلة تركية تعد إسلامية التوجه.

قضايا ومصطلحات
الكتاب يتعامل بالبحث مع مسائل عديدة، منها -على سبيل المثال- أسباب صعود حزب العدالة والتنمية، حيث عزت ذلك إلى انشغال العسكر الذين حكموا البلاد بعد انقلاب عام 1980 بمحاربة اليسار الماركسي، فشجعوا التيار الديني الذي نما على نحو خاص في الريف، وهو ما جرى في مصر السادات، وقبل ذلك في عراق عبد الكريم قاسم الذي وظف الشيوعيين للتنكيل بالقوميين العرب، ثم جاء دورهم. والآن الأمر نفسه يتكرر في تركيا، حيث يمثل عشرات الجنرالات من الجيش التركي أمام المحاكم بتهم تتعلق بالتخطيط للإطاحة بحكومة منتخبة.

المؤلفة تشرح العديد من المصطلحات التي توظفها في الكتاب، ومنها معنى التركنة Turkishness والعثمنة Ottomanism والكمالية والقومية، والانتساب الديني أو المذهبي، وغير ذلك، وتعقد مقارنات مهمة تبين طبيعة كل جماعة وجوهرها.

كما تعقد مقارنات متعمقة بين الكمالية وما تسميه القومية الإسلامية (وهو عنوان الكتاب)، توضح عبرها نقاط الالتقاء والاختلاف بينهما. لكن هنا تكمن بعض المشاكل لدينا في العرض وحتى عند الكتابة في موضوع الفكر القومي على نحو عام.

فعلى سبيل المثال، كيفية ترجمة كلمة nationalism التي عادة ما يرادفها في العربية القومية، بينما أرى أن المقصود هنا ليس الانتماء القومي، وإنما الشعور بالانتماء لقوم أو عشيرة أو شعب أو أمة.. إلخ، والتباهي به، ولذا تجب ترجمته إلى العصبية.

ثم هناك مصطلح nationalistic وهو يعني التطرف في ذلك الشعور.. إلخ. وهذا كله تجمعه في الفصل الأول الذي هو في الوقت نفسه مقدمة الكتاب التي تشرح محتواه بكثافة عالية.

المؤلفة تستعين بالعديد من استطلاعات الرأي لتحدد بها نمط هذا الشعور الديني أو القومي أو المذهبي وكيفية تعريف الشخص لذاته، حيث إن المجتمع في حالة حركة مستمرة، والولاءات تتغير لأن الأمر الحاسم هو الاقتصاد الذي يتغلب في نهاية المطاف على كل المشاعر الأخرى، عدا في مراحل التحرر الوطني من استعمار خارجي.

المؤلفة استعانت بالعديد من استطلاعات الرأي لتحدد بها نمط الشعور الديني أو القومي أو المذهبي، وكيفية تعريف الشخص لذاته، لأن المجتمع التركي في حالة حركة مستمرة

ومن ضمن الأمور الأخرى التي تبحث فيها المؤلفة معنى القومية الإسلامية -وربما تجب تسميتها العصبية، كما نوهت إلى ذلك من قبل- لكن بعد تجريده من المحتوى السلبي الذي ربما يرتبط بالرديف العربي.

كما تبحث في تبعات انتشار هذه المشاعر في الاقتصاد والسياسة والنظام المعرفي في الجمهورية الثالثة، كما تسميها، وانتشار معاداة الغجر -أو السندي والروما كما تجب تسميتهم- والتبشير والمبشرين، ما قاد إلى عمليات قتل مبشرين مسيحيين، لكنها لا تنسى الإشارة إلى ما تراه معاداة لليهود، حيث تجاهلت في هذه النقطة تحديدًا مشاعر التضامن مع الشعب الفلسطيني ونضاله ومعاداة الكيان الصهيوني، وخلطت هنا بين الأمرين، متجاهلة أن الدولة العثمانية هي من استقبل يهود الأندلس الذين طردتهم أوروبا المسيحية.

المؤلفة البرفيسورة جني وايت الألمانية الأصل التي هاجرت مع والدتها إلى الولايات المتحدة في سن مبكرة، وتعلمت الإنجليزية في سن متأخرة، تدرِّس الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة، لكنا حاصلة أيضًا على درجة الماجستير في علم النفس من جامعة تركية، مما منحها أفضلية مهمة عند كتابتها هذا المؤلف -وهو ليس مؤلفها الوحيد- الذي تتطرق فيه لمواضيع حساسة عديدة قد لا يجرؤ كاتب تركي مقيم في البلاد على التعامل معها بالعمق والصراحة التي نجدها فيه.

ومن الإشكالات المثيرة للحساسيات التي تناقشها المؤلفة بصراحة واضحة مسائل مثل ارتداء الحجاب، ومنعه أو السماح به في المؤسسات الحكومية، وكذلك ما يسميه البعض عفة المرأة وهل هي ملك شخصي أم للدولة التي تقرر فرض قوانينها على المجتمع وأفراده، إضافة إلى مسائل عديدة أخرى منها تناول "المشروبات الروحية" وبيعها وما إلى ذلك من التحديات، أو لنقل ما يعده البعض تحديات أساس تواجه المجتمعات، وهنا يكمن بيت القصيد في هذه المراجعة، إذ إن بعض التحديات والمشاكل التي تواجه حكومة العدالة والتنمية في تركيا الحديثة -وهي تنقل البلاد والدولة والمجتمع من العلمانية الكمالية، الشديدة التطرف ضد الدين الإسلامي، وهذه وجهة نظرنا وليست العائدة للمؤلفة، إلى العلمانية الإسلامية إن صح التعبير- هي ذاتها التي تطرح في بعض مجتمعاتنا التي تشهد الحركات السياسية التي أودت ببعض الإدارات السابقة كما حصل في تونس ومصر، وربما اليمن إلى درجة ما، وهي ذاتها التي تثير مشاكل كبيرة نراها في المواجهات اليومية في العديد من مدن مصر، ولا ننسى ما شهدته تونس عقب جريمة اغتيال القائد اليساري شكري بلعيد.

القومية، أو العصبية، الإسلامية الجديدة في تركيا اليوم -سمها ما شئت- ترتكز من منظور المؤلفة إلى الجانب الثقافي بدلاً من رابطة الدم الكمالية، مما يجعلها في نهاية المطاف عثمانية الحدود تضم أراضي دول تمتد من حدود الصين إلى شمالي أفريقيا، وهو ما يجعل البعض يسمها بالتوسعية الاستعمارية وما إلى ذلك من دون فهم معنى البعد الديني في هذه الانتماء الديني/القومي/العلماني، إن صح التعبير، لكنها تلتقي مع الكمالية أحيانًا في بعض العصبيات المفرطة.

الكتاب مهم ومعمق ولا يكرر الأفكار النمطية، ويشرح كثيرا من الأمور بأمثلة حية وبالصراحة المطلوبة، وما ساهم في ذلك هو أن المؤلفة نفسها أديبة كتبت العديد من الروايات البوليسية

الكتاب يطرح كثيرا من الأسئلة ويجيب عنها عبر ثمانية فصول، حيث يتعامل الفصل الثاني مع العلاقة بين الإسلام والأمة في التاريخ التركي. والفصل الثالث يتقصى ما تسميه المؤلفة القومية/العصبية العلمانية. الفصل الرابع تخصصه المؤلفة للتعامل مع رمزين من الرموز التي تثير الخوف لدى البعض، وهما التبشير المسيحي والحجاب أو غطاء الرأس. والفصل الخامس يتعامل مع دور الحدود والنقاء في إعادة إنتاج الهوية التركية. وفي الفصل السادس تتعامل المؤلفة مع التمظهر الجنوسي في القومية/العصبية والأمة، بينما تخصص الفصل السابع لمناقشة الطبيعة التناقضية في الحياة الاجتماعية والسياسية التركية التي تلائم بين الاختيار والحوافز الشخصية في الوقت الذي تعطي فيه الأولوية للعائلة والمجتمع في تحديد الأخلاق والمعايير.

أما الفصل الثامن والأخير فتخصصه لعقد مقارنة بين القومية/العصبية الإسلامية والعلاقة التبادلية بين الدين والقومية/العصبية في دول أخرى، وتركز فيه على الكيان الصهيوني وعملية الربط بين ما تراه من قومية يهودية والدين، وإغفال القومية الإسرائيلية!

تولد لدي انطباع بأن المؤلفة ترى أن حكم حزب العدالة والتنمية ونمو القومية/العصبية الإسلامية المعتدلة والمنفتحة على الغرب والنيوليبرالية التي طرحها، هي نهاية التاريخ في تلك البلاد، وفي هذا تسرع غير مسوغ، لأن أي تدهور اقتصادي محتمل سيجلب معه تغيرا في مزاج الناخبين.

لكن الكتاب مهم ومعمق ولا يكرر الأفكار النمطية، ويشرح كثيرا من الأمور بأمثلة حية وبالصراحة المطلوبة، وما ساهم في ذلك هو أن المؤلفة نفسها أديبة كتبت العديد من الروايات البوليسية، مما منحها -في ظننا- ميزة تقصي إضافية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك