عرض/ حسين عبد العزيز
شهد العراق في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تحولات سياسية وعلمية ومؤسسية أوشك أن يخرج معها من مصاف الدول النامية، ويغدو دولة عصرية تسير في طريق التقدم الاقتصادي، وقد حقق ذلك باعتراف الأمم المتحدة عام 1978 بخروجه من مصاف الدول النامية. غير أن النزعة الاستقلالية التي حكمت المسار التنموي، بما في ذلك التحكم الوطني في الثروة النفطية، لم ترُق لبعض القوى العظمى وخاصة الولايات المتحدة.

ويقدم الكتاب -الذي بين أيدينا للدكتور هيثم غالب الناهي- عرضا مزودا بالوقائع والتحليل لمختلف ظروف نشأة وتطور وانهيار الدولة العراقية منذ الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن المنصرم وحتى الاحتلال البريطاني/الأميركي في العقد الأول من هذا القرن، مع إضافة دور الأمم المتحدة في تشريع عملية تدمير العراق، عدا الملاحق في آخر الكتاب التي يذكر في أحدها أسماء الشخصيات التي شكرت جورج بوش الابن على احتلاله العراق، وينشر في ملحق آخر نص القرار الدولي 687 لأهميته الخاصة في تدمير الدولة.

الدولة العراقية بين احتلالين
يؤكد المؤلف في هذا الفصل كيف وضعت ثورة العشرين الاحتلال البريطاني أمام معضلة حقيقية، تلخصت في ضرورة إيجاد حل جوهري لمسألة العراق الدولة، فتم الإعلان عنها كدولة ملكية لها دستور وكيان قانوني.

- الكتاب: تفتيت العراق.. انهيار السلم المدني والدولة العراقية
- المؤلف: البروفيسور هيثم غالب الناهي
- الصفحات: 384
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
- الطبعة الأولى: 2013

لكن هذا الإعلان لم يكن بسبب الثورة العراقية فقط، بل يرجعه المؤلف إلى دور الدول الأوروبية داخل عصبة الأمم التي أجبرت بريطانيا على الالتزام بمعاهدات السلم والحرب التي تتضمن ضرورة إعادة هيكلة الدولة الواقعة تحت الانتداب ضمن القوانين والأطر الدستورية المناسبة لوضعها الإثني والجغرافي.

وقد عجل تتويج فيصل الأول ملكا عام 1921 باستفتاء شعبي وإصراره على وضع دستور يحدد الملامح الأساسية للعلاقة مع بريطانيا في بناء هيكلية الدولة العراقية، ووضع دستور عكس رغبات الشعب والقوى الوطنية العراقية، وفي مقدمهم الملك فيصل الذي أصر على أن يضمن الدستور سيادة الدولة العراقية.

عام 1958 استبدل وجه الدولة الملكية بوجه جمهوري، وسرعان ما تم تعطيل الدستور الملكي لكونه يعبر عن حقبة ماضية، غير أن التدقيق في السلوك السياسي آنذاك للقوى الحاكمة يبين أن هذا التعطيل كان شكليا في ممارسات أجهزة الدولة باستثناء الأمنية منها، حيث كانت الممارسات تتم ضمن مسألة الدولة القانونية والهيكلية التي ساعدت على وضعها بريطانيا، وهذا يعني بحسب المؤلف أن الوعي السياسي كان يميز في حينه بين الدولة كمؤسسة قائمة بحد ذاتها وشكلية نظام الحكم.

وفي هذا العهد، شهد العراق تقدما في التنمية، حيث بلغ عدد المصانع الكبيرة 67 مصنعا، وتم إنشاء خمسة سدود، واستصلاح 4 ملايين دونم من الأراضي الزراعية البور، وتشكيل جيش معدّ بمستوى عال، وبناء مؤسسات تعليمية مجانية، ونحو ثلاثين مستشفى، لكن الصراع السياسي بين القوى حول السلطة حال دون الاستمرار في عملية التنمية، إلى أن جاء عام 1963 ووصل حكام جدد إلى السلطة فبدأت معهم النقلة النوعية في بناء الدولة، كما يقول المؤلف.

لم تدم هذه المرحلة سوى خمس سنوات، ومع أنها مدة قصيرة، فإن الحكام الجدد استطاعوا وضع قواعد الدولة الحديثة، سواء على صعيد التشريع أو على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

ومع وصول فئة جديدة إلى الحكم عام 1968، بدأت الدولة تشهد خمولا واضحا في كافة المجالات، بسبب اهتمام النخبة الحاكمة الجديدة بتوطيد سلطتها، عبر إبدال الكادر المتخصص في نواحي الدولة بكادر موال للحزب الحاكم.

غير أن هؤلاء الحكام أدركوا أن عملية توطيد الحكم تتطلب أيضا مسارا تنمويا، ولذا عمدوا إلى إنهاء احتكار الشركات الأجنبية للنفط، وقد تم لهم ذلك عام 1972 مع تعويض بلغ 141 مليون جنيه إسترليني استخدم في تخطي المشكلات الاقتصادية التي نجمت عن السنوات السابقة.

العوامل الدولية ودورها في انهيار الدولة
دخل العراق في حرب مع إيران دامت ثماني سنوات، وانتهت بخسائر مالية فادحة، حيث خسرت الدولة 226 مليار دولار بين 1980 و1985، إضافة إلى خسارة 185 مليار دولار من وقف إنتاجه النفطي، و33 مليار دولار خسائر في ممتلكات الدولة، و8 مليار دولار من المملكات الفردية الخاصة.

سارعت الدولة بعد وقف إطلاق النار إلى وضع خطة خمسية كبيرة لإعادة البناء، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن الاستمرار في هذه الخطة، فعمدت إلى بيع المصانع الحكومية للقطاع الخاص، وهو ما أفقد الدولة قدرة الإنتاج لسد الحاجات المحلية، ومع أن المؤلف يعتبر أن هذ القرار كان الخطوة الأولى نحو بدء انهيار الدولة العراقية، إلا أن المؤامرة التي تقودها الولايات المتحدة مع أطراف عربية ضد العراق تظل الناظم الأساس في تفكير الدكتور غالب الناهي حول انهيار الدولة العراقية.

السلطة العراقية كانت تفكر في كيفية بقائها في السلطة، من دون أن تفكر في حماية الدولة، ولو وضعت أولوية حماية الدولة قبل بقاء السلطة وأمرت بسحب القوات من الكويت لانفض التحالف الغربي المضاد

عام 1989، وصل إلى العراق وفد من منتدى الأعمال الأميركي/العراقي برئاسة آلن ستوغا مستشار شركات بانكرز ترست وشركة موبيل للنفط، وطلب الوفد من الحكومة إلغاء تأميم النفط لسداد ديونه مقابل تقديم الولايات المتحدة الدعم الاقتصادي، وهو مار فضه العراق.

ويتابع المؤلف كشفه خيوط "المؤامرة الأميركية/العربية"، من خلال دعم الكويت ودول الإمارات خطة واشنطن عبر زيادة إنتاج النفط من أجل التسبب في هبوط سعر البرميل، الذي سينعكس سلبا على العراق الذي خسر من وراء هذه الخطوة سبعة مليارات دولار في النصف الأول من عام 1990، علاوة على رفض السعودية تسديد مبالغ 300 ألف برميل يوميا تنتج من المنطقة المحايدة بين البلدين، وما زاد من الخناق المالي مطالبة الكويت الحكومة العراقية بسداد ديونها المستحقة عليه والبالغة 15 مليار دولار، ويبدو أن هذه الأمور قد سهلت استدراج صدام حسين لاحتلال الكويت.

أوغلت الولايات المتحدة ضربا وتحطيما في العراق من دون رد حتى بالأسلوب التقليدي، ومرد ذلك -بحسب المؤلف- هو أن السلطة العراقية كانت تفكر في كيفية بقائها في السلطة، من دون أن تفكر في حماية الدولة، ولو وضعت القيادة العراقية أولوية حماية الدولة قبل بقاء السلطة وأمرت بسحب القوات من الكويت لانفض التحالف الغربي المضاد، حسب قول المؤلف.

ويبين غالب الناهي هوس القيادة العراقية بالسلطة، بما جرى في خيمة صفوان عام 1991 وقبولها بالقرار الدولي 687 من دون قيد أو شرط مقابل بقائها في السلطة، ووقف القوات الغازية سيرها إلى بغداد. وبحسب الناهي، فقد قبلت القيادة العراقية بهذا القرار من دون مناقشته من الناحية القانونية والنصية المتعلقة بالمعاهدات، وهذا فشل يضاف إلى سجل الفشل السياسي والإداري الذي كان يعانيه النظام العراقي.

الاحتلال الأميركي 2003
لم يكد الاحتلال الأميركي أن يضع يده على تراب العراق حتى راح يحل مؤسساته الأمنية بقرار من الحاكم المدني بول بريمر، في حين استمرت القوات الأميركية في تدمير الدولة العراقية ونهبها وتعطيل آليات عملها.

وقد أجاز بريمر لنفسه تعطيل المدونة القانونية العراقية، وإعادة صوغ بعض الفقرات لكي يتجاوز المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي لا تسمح بانهيار السلم الدولي حسب اعتقاده، لكن بعض قرارات بريمر كانت تهدف -بحسب المؤلف- إلى إبقاء الاحتلال الأميركي للعراق سنوات عدة، أكان احتلالا عسكريا أو مدنيا أو تجاريا أو صناعيا، ويجادل الدكتور الناهي في الدفاع عن أطروحته، بتركيزه على ثلاثة قرارات أصدرها بريمر:

- القرار رقم 12 حول التجارة الحرة الذي يراعي رؤوس الأموال الأجنبية من دون رقيب، حيث تتمكن الشركات الأجنبية من الاستثمار دون ضوابط تمكن الدولة من مراقبتها والاستفادة من مردودها الاقتصادي.

- القرار رقم 36 الخاص بتكرير النفط واستثماره، وبموجب هذا القرار تم إلغاء العدادات النفطية من مواقع التصدير إلى الخارج.

- القرار رقم 81 حول براءات الاختراع الذي صدر من أجل ربط العراق زراعيا بقوانين الحماية الفكرية الخاصة بإنتاج الحبوب التي تتعامل بها الشركات الأميركية، إذ إن تلك الحبوب المعدلة جينيا إذا ما زرعت في العراق فلن يستفيد منها الفلاح العراقي، الذي لن يُسمح له بعد الآن بتطوير الحبوب الزراعية أو استنساخها كما كان الأمر عليه سابقا.

ويذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك، حين يتهم شخصيات عراقية بالتواطؤ مع بريمر لتفتيت الدولة وتعزيز الوجود الأميركي، مثل موفق الربيعي وأحمد شلبي وعدنان الدليمي وطارق الهاشمي وغيرهم "ممن وقفوا وراء عمليات التفجير التي أودت بحياة آلاف العراقيين"، كما يتهمهم المؤلف بالتخطيط للصراع السني/الشيعي لإحداث بلبلة أمنية في البلاد من أجل تمرير بعض القرارات، وفي مقدمتها الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة.

دور المنظمة الدولية في تفتيت الدولة
وفي هذا الفصل، يبين المؤلف كيف ساهمت دول مجلس الأمن الدائمة العضوية في تمرير القرارات الأممية ضد العراق منذ عام 1990 وحتى عام 2003، على الرغم من علم هذه الدول بعدم استناد هذه القرارات إلى أي سند قانوني، وهو ما جعل مصداقية الأمم المتحدة مشكوكا فيها بما يتناسب ومفهوم إقرار السلم والأمن الدولييْن، ويمكن ترتيب مساهمة المنظمة الدولية في تفتيت الدولة العراقية حسبما يلي:

الأمم المتحدة أعطت أميركا وبريطانيا غطاء شرعيا لتنفيذ مهمة تفتيت العراق، بعد أن كان لعصبة الأمم قبل نحو ثمانين عاما دورا رئيسيا في وضع صورة الدولة العراقية ضمن المحددات الدولية لها

- استمرار استخدام القوة ضد العراق حتى بعد وقف إطلاق النار وفق القرار 687 عام 1991.
- استخدام أسلحة محظورة ومحرمة دوليا، كقنابل اليورانيوم المستنفد والقنابل العنقودية والقنابل الفراغية.
- حصار الشعب العراقي بصورة همجية ومنع حصوله على ما يلبي حاجاته الأساسية الغذائية والدوائية والإنسانية الأخرى.
- سكوت الدول الدائمة العضوية على استصدار القرار 1441 عام 2002 الخاص بنزع أسلحة الدمار الشامل، وتأكيد القرارات السابقة باتهام العراق بعدم الالتزام بها.
- اختراق الولايات المتحدة السلم والأمن الدولييْن بالهجوم على العراق عام 2003 وتدمير بنيته التحتية.

وبناء على ذلك، يؤكد المؤلف أن الأمم المتحدة أعطت الولايات المتحدة وبريطانيا غطاء شرعيا لتنفيذ مهمة تفتيت العراق، بعد أن كان لعصبة الأمم قبل نحو ثمانين عاما دورا رئيسيا في وضع صورة الدولة العراقية ضمن المحددات الدولية لها، وهو ما يوضح الاختلاف بين القيم الدولية المتبعة آنذاك وتلك المتبعة في الوقت الحالي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك