عرض/ أحمد الشريقي

لم يكن خريف العام 2010 يشي بالزلزال الشعبي القادم الذي مازالت تداعياته مستمرة. كان خريفا طويلا ومملا وكئيبا لا يعد بشيء، ركود سياسي ممل على الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية، و"إيران تعلو نبرة تبجحها، وأميركا تهدد المنطقة بأطماعها الإمبريالية، والعراق مشلول، والصراع السياسي يختمر في لبنان".

-الكتاب: العربي الخفي.. وعود الثورات العربية ومخاطرها
-المؤلف: مروان بشارة
-عدد الصفحات:255
-الناشر: مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة-الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت
الطبعة: الأولى/2013

تلك صورة تختلط فيها مشاعر محلل سياسي، وإعلامي كان وقتها يجهد للبحث عما هو ساخن يغذي نهم قناة الجزيرة التي يعمل فيها كبيرا لمحلليها.

غير أن "العربي الخفي" كان سيفاجئ الكاتب الفلسطيني مروان بشارة، لا ليلاحق زخم ثورات الربيع العربي الذي لم تكتمل فصوله بعد، بل ليستعيد أيضا جذوره وهويته، وإرهاصات طويلة كانت تمهد لربيعه القائم والقادم في كتاب حمل عنوان "العربي الخفي" ودشن ضمن فعاليات منتدى الجزيرة السابع.

نهوض وسقوط
يمهد بشارة في كتابه -الذي أهداه إلى شقيقه المفكر العربي د. عزمي بشارة- معرفا به، فهو "مقالة عن سقوط العرب ونهضتهم، ومحاولة لفهم كيف تطورت ثورتهم، وما الصحيح فيها، ولماذا هي مهمة، وكيف ينحرف مسارها".

وإذا كان ذلك التمهيد يبدو محاولة مبكرة للحكم على فصول الربيع الذي لم ينته بعد، فإن بشارة ينبه قارئه إلى أن كتابه "دفع إلى الطبع في نهاية العام 2011" لافتا إلى إدراكه أن "الوضع في كثير من البلدان التي أكتب عنها لم يأخذ شكله النهائي، فقد عاد المصريون إلى الشارع والميادين العامة في مدنهم الكبرى".

بيد أن تلك العودة والمخاضات التي يمر بها الربيع العربي لا تثني بشارة عن تأكيد إيمانه المطلق أن شعوب المنطقة قد طلقت الماضي طلاقا لا رجعة عنه.

يقدم المؤلف في كتابه -المتضمن تمهيدا وسبعة فصول ومقدمة وخاتمة، وملحقا خاصا بالطبعة العربية، والذي صدر أيضا باللغة الإنجليزية- وعود الثورات العربية ومخاطرها، مارا على التاريخ وإرهاصات الثورات وتداعياتها، وراسما صورة استشرافية لها.

وفي تمهيده لكتابه، لا يرى بشارة في ثورات الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع نبتا بريا، وسياقا منبتا عما سبقه، فهم "لم يكونوا بمفردهم، لقد ألهم صحوتهم قادة سياسيون واجتماعيون ونقابيون ووطنيون، وقدموا تضحيات لا تحصى في السنين الماضية. لقد تأثروا بتجارب الآخرين ونجاحاتهم في كل أنحاء المعمورة، ممن عانوا من تحديات مماثلة نتيجة العولمة".

انزاح أخيرا كابوس طويل اتسم بالاضطهاد السياسي والهزائم العسكرية والنكوص الاجتماعي والركود الاقتصادي وحل محله حلم جديد بالوحدة الوطنية والتطور وحكم القانون

بيد أنه إذا كان ثمة تأثر بتجارب الآخرين فإن المؤلف يؤكد ويقطع بنقاء المنتج، فالربيع العربي منتج صرف، ومادام كذلك فإن كتابه ورؤاه تتبع لجذور هذا الربيع من خلال رحلة في الزمان والمكان من "جيل التحرير" في خمسينيات القرن الماضي، مرورا بجيل الهزيمة في السبعينيات والثمانينيات و"الجيل الضائع" في التسعينيات إلى جيل المعجزات في يومنا هذا.

ويريد المؤلف لكتابه أن يكون تأملا في وقفة التحدي والأمل العربيين في وجه كل التحديات، وتأملا أيضا في كيفية تغلب جيل جديد من العرب على عقود من الخوف والاضطهاد والتعذيب والقتل على يد أقسى دكتاتوريات العالم وأكثرها دموية في القرن العشرين.

ومع جيل المعجزات -بحسب ما يطلق عليه بشارة- انزاح أخيرا كابوس طويل اتسم بالاضطهاد السياسي، والهزائم العسكرية، والنكوص الاجتماعي، والركود الاقتصادي، وحل محله حلم جديد بالوحدة الوطنية، والتطور، وحكم القانون.

مراجعة تاريخية
في فصل أول يقدم الكتاب مراجعة تاريخية تحت عنوان "النظام البائد" وينفي سمة ومزاعم التخلف عن العالم العربي كما يقدمها الخطاب السياسي والإعلامي الغربي، غير أنه لا يتوقف عند دحض هذه المزاعم، أو تحليل الآراء العنصرية عن العرب والإسلام ، فهذا ليس من سياق منهجية كتابه.

لكنه بالمقابل يشير إلى العصور التاريخية العظيمة للعالم الإسلامي التي شهدت التدوين والترجمة، وإحياء الاهتمام بمنجزات العالم الكلاسيكي، في وقت كانت فيه أوروبا تغط في عصور الظلام.

تحت العنوان نفسه يعرض لمولد الدولة العربية الحديثة مع نهايات العهد العثماني ووصول العسكر وتسلمهم السلطة في هذه الدول، وعلاقة الدولة الحديثة بالاستعمار، لافتا في السياق نفسه إلى الأنظمة الشمولية المستبدة، مبارك وبن علي نموذجين لها.

وفي سياق الحديث عن الغرب وهيمنته، يلفت الكاتب إلى الدور الذي مارسته القوى الغربية للضغط على الدول المستقلة حديثا لكي تضمن تبعيتها إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، بدءا من إيران والتآمر على حكومة مصدق المنتخبة ديمقراطيا، ومرورا بالعدوان الثلاثي على مصر، وليس انتهاء بدعم الرئيس اللبناني كميل شمعون ضد متمردين إسلاميين متعاطفين مع عبد الناصر.

الإعلام الجديد لعب دورا في مساعدة الشباب على التحرر من القيود الاجتماعية ودفعهم إلى ميادين مجهولة، مساعدا إياهم في تحقيق فرديتهم

لقد أدى الإذلال الغربي واستغلاله للملكيات العربية التابعة له إلى زعزعة هذه الدول، حيث بلغت المعارضة الشعبية حد الغليان، وقد اعتمدت هذه الملكيات على جيوشها لسحق أي اضطرابات ومجموعات معارضة كالدروز في سوريا والشيعة في العراق.

وفي الداخل العربي فرض الطغاة العرب الجدد عقليتهم وثقافتهم البدائية أو القبيلة البدوية على مؤسسات الدولة الحديثة.

وفي فصل ثان يعرض للجيل العربي الجديد واصفا إياه بجيل المعجزات، والبذور التي تمخضت عنها الثورات في مصر وتونس، ووقوف الشعوب العربية في وجه القوة، ومعه -أيضا- يقدم فصلا تحليليا حول جدل المصالح والقيم في الغرب الذي يقدم الأولى على الثانية في تعاطيه مع القضايا العربية.

ويمر المؤلف على الدور الذي لعبه الإعلام الجديد في مساعدة الشباب على التحرر من القيود الاجتماعية ودفعهم إلى ميادين مجهولة، مساعدا إياهم في تحقيق فرديتهم.

وفي فصل ثالث حمل عنوان حصاد الأشواك، يقدم بشارة قراء تحليلية شملت مناطق تحرك الربيع العربي والإرهاصات التي قادت إلى هذه الثورات، مشيرا إلى أن ثورات الربيع العربي تشترك جميعها في أجندة اجتماعية سياسية مشتركة، ولكن مساراتها اختلفت بسبب الظروف السياسية على الأرض في كل بلد.

يقرأ بشارة -أيضا- في فصل رابع جدل الداخل والخارج، وموازين القوى وأثرها في معادلة الداخل، تحت عنوان القوى مقابل قوة الشعب، لافتا إلى الدور التركي والإيراني في تحركات الشعوب العربية، قارئا أبعاد ودوافع السلطتين التركية والإيرانية في تعاطيهما مع ثورات الربيع العربي. ويفرد فصلا خامسا من الكتاب للغرب وتقديمه مصالحه على القيم من خلال تعاطيه وتفاعله مع العالم العربي. وذلك ضمن سياقاتها التاريخية منذ تفكك الدول العثمانية، مشيرا إلى تزايد الدور الأميركي منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

وفي لفتة أدبية، يمهد بشارة لقراءته لإشكالية الهوية والعروبة بقصيدة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش "سجل أنا عربي" محددا نشأة الهوية القومية العربية من خلال "الوعي السياسي الراسخ في مقاومة التدخل الأجنبي" مشيرا إلى ثقافة اجتماعية وسياسية كافحت الظلم وتجاوزت الجغرافيا والانتماء الطبقي والعرقي والديني.

الأجيال العربية اليوم تنهي ما بدأه أجدادها قبل عقود عدة عبر وضع مسؤولية تحرير الأرض بأيدي أبنائها، مستعيدة كرامتها الشخصية والوطنية

في كتابه يذكر بشارة بالدور الذي يمكن أن يلعبه المثقفون العرب في تحويل هذه الثورات إلى ثورات ثقافية تؤثر في كل مناحي الحياة العربية، فالعرب -برأيه- "لا يحتاجون إلى خبرة في الاقتصاد والتنمية فحسب، بل يحتاجون أيضا إلى تجديد في الثقافة والفن"، والخيال العربي الأسير يحتاج إلى تحرير من قيود الماضي.

وفي خلاصة تصدرت غلاف كتابه، يرى بشارة أن الأجيال العربية اليوم تنهي ما بدأه أجدادها قبل عقود عدة عبر وضع مسؤولية تحرير الأرض بأيدي أبنائها، مستعيدة كرامتها الشخصية والوطنية.

بمثل الحماسة المنهجية والقدرات التحليلية التي يبديها بشارة في كتابه لوعود الثورات العربية ومخاطرها، يسجل فيضا من مشاعره هو أيضا، موظفا أشعار الراحلين نزار قباني ومحمود درويش، ومستخدما عناوين واقتباسات لمداخل وعناوين كتابه تقترب من حدود الأدب، لكن ذلك كله -أيضا- ضمن سياق يحترم المنهجية، ولا يخل بسياقاتها العلمية والتحليلية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك