عرض/ بوعلام رمضاني

يكفي القول إن مؤلف الكتاب إريك رولو هو الصحفي الغربي الوحيد الذي حظي بدعوة شخصية من الرئيس جمال عبد الناصر لمحاورته في صيف عام 1963 للتأكيد على الأهمية القصوى لكتابه الذي يعرف بتجربة صحفية غير مسبوقة غطت أحداثا عربية هامة وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي المستمر ووجوده الميداني والمثالي في البلدان المتنازعة والمضطربة على مدار نصف قرن.

-الكتاب: في كواليس الشرق الأدنى.. مذكرات صحفي دبلوماسي
-المؤلف: إريك رولو
-عدد الصفحات :433
-الناشر: فايار, باريس
-الطبعة: الأولى 2012

الصحفي الفرنسي اليهودي إلي ريفول -اسمه الحقيقي- يقدم بأسلوب الصحفي والدبلوماسي الخبير والمتمرس معلومات في غاية الدقة عن فصول سياسية وشخصية مكنته من معايشة وتغطية حربي عامي 1967 و1973 الأمر الذي مكنه من دخول كواليس القادة الذين صنعوا الأحداث من أمثال ليفي إشكول وموشي دايان وغولدا مائير ومناحيم بيغن وناعوم غولدمان وياسر عرفات وأرييل شارون وأنور السادات وإسحق رابين وشمعون بيريز وقادة عرب وفلسطينيين وأميركيين آخرين رسم أمزجتهم وهيئاتهم ونفسياتهم وتحدث عن مواقفهم وأفكارهم بقلم سيال وشفاف مازجا بين السيرة والذاتية والتحقيق والتعليق والبحث.

ويعود تاريخ تميز رولو الماركسي التوجه في الصحافة السياسية بعد أن كلفه مؤسس صحيفة اللوموند هوبير بوف ميري بتغطية الشرق الأوسط وعمره لا يتجاوز الثلاثين وتفرده كصحفي متعاون بمقابلة مع حسن البنا عام 1949 قبل طرده من مصر بلد مسقط رأسه عام 1951. رولو الذي أنهى حياته الصحفية سفيرا في تونس وتركيا اعتبارا من عام 1983 في عهد الرئيس فرنسوا ميتران مؤلف كتابي "فلسطينيون دون وطن" بمشاركة أبو إياد، الصادر عام 1978 و"الفلسطينيون" الصادر عام 1984، وصاحب مساهمات مرجعية في منشورات أوروبية وأميركية وعضو في مركز العلاقات الدولية لنيويورك.

لقاء عبد الناصر
المؤلف الذي عاد إلى مسقط رأسه بفضل عبد الناصر، انطلق متحدثا عن مقابلة عبد الناصر بعد تهيئة مهد لها كل من لطفي الخولي وحسنين هيكل من خلال الزيارة التي قام بها الأول إلى باريس بتكليف من الثاني، منبها إلى خلفية الدعوة التي هدفت إلى توظيف مراسل لوموند الصحيفة الشهيرة لإعادة العلاقات مع فرنسا الديغولية ومخاطبة الغرب الذي كان معاديا للدكتاتور المصري، ومعرجا على خلاف الرئيس مع الماركسيين والليبراليين والإسلاميين الذين كانوا مضادين لمسار الوحدة القومية المفروضة بروح بونابارتية ومع البعثيين الذين دخلوا على الخط لمنافسته قوميا بعد الإطاحة بعبد الكريم قاسم وإفشالهم الوحدة المصرية السورية.

أعجب المؤلف بالزعيم الذي وجده يعيش حياة عائلية بسيطة في منشية البكري وبقدرته على الإصغاء لكنه لم يستسغ عدم تردده في طرح أسئلة شخصية عليه تتعلق بأصله وعائلته الأمر الذي فهمه على أنه أسلوب يميز القادة الكبار الذين يجيدون فن الاتصال والإغواء.

مصر للمصريين
المؤلف الذي أفرد صفحات عديدة  لذكرياته المهنية والشخصية و"لكولسته "في فندق سميراميس مع شخصيات أصبحت مرموقة كالأخضر الإبراهيمي وجلال الطالباني ومهدي بن بركة، توقف مطولا عند الشيوعيين الذين شكلوا نقطة سوداء في سجل مجد الزعيم المصري على حد قوله، وفعل الشيء نفسه بتناوله إنجازات فقيد مصر والأمة العربية الذي أعاد مصر للمصريين بتحسينه حياة البسطاء ونشر الثقافة ودمقرطتها وتأميم قناة السويس وبناء السد العالي بمساعدة الحلفاء الروس الذين وقفوا إلى جانبه في وجه عدو غربي متغطرس، وذلك ما أثبتته الزيارة التاريخية التي قام بها الزعيم الروسي خروتشوف إلى مصر وقام بتغطيتها المؤلف باعتباره صحفيا كان دائما على موعد مع الأحداث التاريخية العربية والكواليس الشرق الأوسطية على حد تعبير ألان غريش كاتب المقدمة.

بعد مسح شامل لمصر عبد الناصر بإيجابياتها المذكورة وسلبياتها المتمثلة في خروج اليهود والأقليات الأوروبية نتيجة سياسة التمصير الشاملة، لم تسلم إسرائيل التوراتية والمتطرفة دينيا من قلم المؤلف الذي حل بالقدس في نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1965، ووجد المؤلف في رأي غولدا مائير التي حاورها –"يوم توقفت الحياة بمناسبة إحياء عيد شابات في مطبخ بيتها والسيجارة في فمها "على حد تعبيره- "الدليل على أن لا معنى لإسرائيل دون التوراة الأمر الذي أكده لاحقا بن غوريون في حوار أكد فيه للمؤلف في العام المذكور نفسه أسوة بكل القادة الصهاينة أن التوراة هي إحدى القواعد الأيديولوجية للدولة إلى جانب الجيش والمدرسة وعلى الدولة الإمساك بالدين في يدها لأن التخلي عنه يهدد المشروع الصهيوني والحرب الدائمة تعزز غريزة الحياة وتثير التضامن اللا مشروط" وهذا ما بينه محللون اجتماعيون بعد حروب 1948 و1956 و1967 ومن بينهم مارك هلال في كتابه "إسرائيل في خطر السلام" الذي أكد فيه أن "السلام مع العرب يقتل المشروع الصهيوني".

خطاب الحرب الوقائية لم يكن إلا تغطية على النية الحقيقية والمبيتة لإسرائيل بضرب مصر عبد الناصر الذي لم يكن يريد الحرب لوعيه بعدم تكافؤ ميزان القوة

إسرائيل المعتدية
بعد أن وقف المؤلف عند كل أشكال التمييز العنصري الصهيوني والحياة البائسة للفلسطينيين، انتقل إلى حيثيات حرب الستة أيام التي اندلعت في الخامس من يونيو/حزيران عام 1967 وهو نائم في أحد فنادق القاهرة. انطلاقا من هذا العام بدأ المؤلف في الكشف عن ما يبرر عنوان كتابه قائلا على ألسنة مقربين من عبد الناصر إن الزعيم المصري حاول تجنب الحرب مع إسرائيل قدر الإمكان لوعيه بعدم تكافؤ ميزان القوة، وإن الواقعية كما كتب هيكل في الأهرام فرضت نفسها على مصر التي كانت يومها أمام تحديات مواجهة واشنطن والإصلاحات الضخمة وتبعات فشل الوحدة مع سوريا والتحمس القومي القائم على مزايدات متبادلة.

عبد الناصر -حسب المؤلف- راح وقتها يستفز إسرائيل وواشنطن بدعمه حركات التحرر وإصغائه لدمشق وموسكو وتصديقه ادعاء هذه الأخيرة بحشد إسرائيل قواتها على الحدود السورية وإطلاق سراح الشيوعيين، ومقتنعا في الوقت نفسه أن واشنطن كانت تدعم الإخوان المسلمين ضده فضلا عن تواطؤ إعلام الدول العربية المحافظة بترويجها خطاب عدم تحمس عبد الناصر لفكرة تحرير فلسطين بالقوة العربية الموحدة واعتباره عرفات رجلا استفزازيا وخطيرا.

رغم كل ما قيل من الجانب المصري أو الإسرائيلي الأميركي، أكد المؤلف على لسان رابين أن خطاب الحرب الوقائية لم يكن إلا تغطية على النية الحقيقية والمبيتة لإسرائيل بضرب مصر عبد الناصر الذي لم يكن يريد الحرب على حد تصريحه لصحيفة لوموند عام 1968 من خلال مراسلها المؤلف الأمر الذي أكده مجددا بيغين عام 1982 بقوله "حشد القوات المصرية لم يثبت نية عبد الناصر بالبدء بالحرب ولنكن أمناء ونعترف أننا نحن الذين بادرنا بالحرب".

وحتى يؤكد المؤلف صحة نية الصقور الإسرائيليين مثل شارون وبن غوريون وبيغين، أضاف أن الثاني كان على علم بما كان يحاك في الكواليس قبل تهميش الحكومة واتخاذ صقور أركان الجيش والموساد بدعم من وسائل الإعلام قرار الحرب ضد مصر وتركيعهم الرئيس الأميركي جونسون الذي لم يكن متحمسا للحرب.

هزيمة 67 كتاريخ مفصلي
تناول المؤلف في فصل "حرب الست ساعات" سياق الهزيمة المصرية المتوقعة والسريعة التي تطلبت ست ساعات فقط لتدمير القوات الجوية المصرية و24 ساعة فقط لدخول سيناء وقطاع غزة بالتزامن مع شروع وزير الدفاع  الجنرال ديان في إرسال قوات عسكرية إلى الأردن وسوريا متأكدا من تحقيق انتصار آخر.

بعدة هزيمة الخامس من يونيو توقف الإعلام المصري عن الحديث عن تحرير فلسطين كلية وزوال إسرائيل

ردا على سخط الشارع المصري ومعترفا بمسؤوليته عن الهزيمة النكراء، لم يتردد عبد الناصر في الإعلان عن الاستقالة باكيا والتي عاد عنها نزولا عند نفس الشارع الذي طالب الزعيم بالبقاء وتجسيدا لقول أحد المثقفين المناهضين له "يمكن انتقاد الرئيس والتنديد به لكن لا يمكن لفظه وإبعاده إّذا أخطأ لأنه هو الذي أعاد الكرامة للمصريين البسطاء".

حديث المؤلف عن فرضية حدوث مؤامرة عسكرية داخلية ضد عبد الناصر كانت من إحدى إضاءاته التي تركها معلقة واكتفى بالقول إن "الرئيس عبد الناصر قد نبه قيادة أركان الجيش يوم الثاني من يونيو/حزيران إلى أن إسرائيل ستهاجم مصر يوم الخامس وأن عناصر عسكرية محافظة لم تكن راضية على توجهه الاشتراكي وأنه شعر بندم كبير لوضعه ثقة مفرطة في صديقه الدائم المشير عبد الحكيم عامر الذي عرفه 1940 في ثكنة بالسودان".

بعدة هزيمة الخامس من يونيو/حزيران، أشار المؤلف إلى توقف الإعلام المصري عن الحديث عن تحرير فلسطين كلية وزوال إسرائيل وإلى اتفاق عبد الناصر مع الملك حسين على استبدال كلمة السلام بالصلح مع إسرائيل على هامش قمة الخرطوم الأمر الذي مهد لاحقا لمسار الاعتراف بإسرائيل تطبيقا لتوصية القرار 242 الأممي وللسلام معها بعد تصفية العهد الناصري على يد السادات الذي وقع اتفاقية كامب ديفيد منفردا ومستخلصا درس هزيمة يونيو/حزيران التي اعتبرها المؤلف على لسان الكثير من المؤرخين والزعماء وعلى رأسهم الجنرال ديغول تاريخ بداية تحالف إستراتيجي أبدي بين واشنطن وتل أبيب وميل كفة ميزان القوة العالمي لصالح الغرب.

حرب 73 والسلام غير المجدي
مخلفات ونتائج هزيمة عام 1967 التي تمثلت في  تحول القدس إلى عاصمة إسرائيلية أبدية واحتلال سيناء والضفة الغربية والجولان وانهيار النظام الناصري ومعه القوى الوطنية واليسارية والعلمانية والبعثية والشيوعية وبروز التيار الإسلامي وتوحد يهود العالم عن الدفاع عن إسرائيل بغض النظر عن ألوانهم السياسية، حقائق لم يكن من شأنها إلا تعميق مسار الهزيمة العربية الأمر الذي أثبتته السبعينيات من خلال المواجهة الدامية بين الفدائيين الفلسطينيين والملك الأردني الذي خرج منتصرا عند سحقهم في أيلول الأسود من عام 1970 واندلاع الحرب اللبنانية الأهلية عام 1975 كتعبير عن الشرخ الدراماتيكي العربي حيال نوعية المواجهة التي كان يجب انتهاجها ضد إسرائيل.

تحقق السلام المصري الإسرائيلي عام 1977على أنقاض أوهام ساداتية وتبعه اتفاق أوسلو عام 1993 الذي لم يغير شيئا من حقيقة رفض إسرائيل لسلام حقيقي وشامل مع الفلسطينيين

بعد فشل خطة روجرز الأولى والثانية وتلاعب كيسنجر المزدوج بالعرب من أجل إسقاط كل مشاريع السلام رغم النية المصرية الصادقة ووفاة عبد الناصر بعد حرب إبادة إسرائيلية قاسية، لم يتردد السادات البراغماتي الذي خلف ناصر في القضاء على إرث عبد الناصر داخليا وخارجيا في لمح البصر والخضوع للأمر الواقع الإسرائيلي بعد حرب عربية جديدة كان عبد الناصر قد بدأ يتهيأ لها، وهي الحرب التي  بدأها الجيش المصري منتصرا ومحدثا المفاجأة بعبوره قناة السويس وأنهاها منهزما عربيا في رمضان- أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1973.

جسد السادات أولوية أولوياته -على حد تعبير المؤلف- وسارع بإبرام سلام مصري إسرائيلي منفرد تحدث عن الإسراع في بعثه لدبلوماسيين كبيرين أثناء جنازة عبد الناصر تحت وطأة إيمانه أن واشنطن تمللك 99% من أوراق الشرق الأوسط ويأسه من مقاربته الدبلوماسية ومن العرب الذين طالبهم بالضغط على إسرائيل بالتوقف عن تصدير النفط للغرب.

تحقق السلام المصري الإسرائيلي عام 1977على أنقاض أوهام ساداتية وتبعه اتفاق أوسلو عام 1993 الذي لم يغير شيئا من حقيقة رفض إسرائيل لسلام حقيقي وشامل مع الفلسطينيين في ظل موازين قوة استمرت في صالحها أكثر من أي وقت مضى, وكانت اتفاقية أوسلو -حسب رولو- تقدما نوعيا بعد اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية لكنها أكدت في الوقت نفسه عدم رغبتها في سلام حقيقي. 

المصدر : الجزيرة

التعليقات