عرض/ وليد الزبيدي
بين إصدارات كثيرة تبحث في وسائل الإعلام واتجاهاتها ومدارسها في العالمين العربي والإسلامي، ثمة ندرة في الكتب التي تتصدى لموضوع "الإعلام الإسلامي"، رغم انشغال الأوساط الشعبية والسياسية والنخبوية بقضية "الإسلام السياسي"، الذي احتل مساحة واسعة من الاهتمام خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد انطلاق ثورات الربيع العربي قبل أكثر من سنتين.

- الكتاب: الإعلام الإسلامي
- المؤلف: د. عبد الرزاق محمد الدليمي
- عدد الصفحات:390
- الناشر: دار المسيرة, عمان, الأردن
- الطبعة: الأولى/ 2013

وفي كتابه الجديد "الإعلام الإسلامي"، يسعى الدكتور عبد الرزاق الدليمي -وهو أستاذ الصحافة والإعلام وعميد كلية الإعلام في جامعة بغداد قبل الغزو الأميركي عام 2003، ويعمل حاليا في ذات التخصص بإحدى الجامعات الأردنية- إلى الخوض في غمار هذا النوع من الإعلام، على أمل وضع أسس سليمة له، والتنبيه إلى خطورة ما تتعرض له الأمة من هجمات فكرية وثقافية، ودور الإعلام الآخر في تسويق تلك الثقافات، وفي المقابل مسؤولية الإعلام الإسلامي في نشر الوعي المطلوب في البناء الفكري والثقافي، وفي التصدي للأخطار القادمة عبر وسائل الإعلام، كما يرى أن الإعلام الإسلامي جاء لإعلام الناس بما يهمهم ويخصهم، ويتصل بحياتهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

وفي تقديمه للكتاب، يؤكد المؤلف أن هناك نوعا من العجز الإعلامي الذي تعيشه الأمة الإسلامية، وفي حال وجُد بعض الاهتمام، فإننا نجده أبعد ما يكون عن معارك الأمة وتحدياتها، رغم أن الأمة الإسلامية لا ينقصها المال ولا الكفاءات، إلا أن الذين يمتلكون المال لا يفكرون في إنشاء أدوات إعلامية إسلامية قوية.

وفي ضوء هذا التشخيص وتوضيح هذا الخلل، يقدم المؤلف رؤيته لموضوع الإعلام الإسلامي، من خلال البحث في أهمية وسائل الإعلام في الوقت الحالي بصورة خاصة، بعد أن أخذت حروب الإعلام دورها الأكثر تأثيرا، مع التطور الهائل في وسائل الإعلام والتوجه الدولي لتوظيف الإعلام في هذه الحروب.

يقسم المؤلف الكتاب إلى 12 فصلا، تتمحور موضوعاتها حول قضية الإعلام الإسلامي، ممهدا  بمناقشة مسألة الاتصال والإعلام، إذ يرى –خلاف ما يعتقده البعض- أن الإعلام والاتصال يشكلان مفهوما مترادفا، فموضوع الاتصال أوسع شمولية من مفهوم الإعلام، بل إن الإعلام جزء من الاتصال ويقع في دائرته كشكل من أشكال الاتصال، وهو يتطور ويتوسع كلما تطورت البنى التحتية للاتصال.

الإعلام الإسلامي الناجح
من خلال هذا التأسيس النظري، يضع المؤلف أسس الإعلام الإسلامي الناجح، فالإعلام فن رفيع وخطير وسلاح ذو حدين، والإعلامي الإسلامي الناجح هو الذي يحدد أهدافه، ويدرس جمهوره، ويختار الرموز والقنوات المناسبة، ويتابع صدى رسالته ومدى تأثيرها في الرأي العام، ومن الصعوبة أن يستعيد الثقة بالجمهور في حال عمد إلى استغفال الجمهور وردد الأكاذيب، ويأتي هذا التحذير من مبدأ أن الجمهور الإسلامي يزدري الكذب، وفي حال وصم شخص أو مؤسسة ومجموعة بهذا الوصم، فإنه من الصعوبة جدا -إن لم يكن مستحيلا- استعادة الثقة، مما يجعل جميع الجهود المبذولة من قبل وسيلة الإعلام تذهب دون جدوى.

إضافة إلى أن المتلقي بصورة عامة يبحث عن الحقيقة، ووسط الكم الهائل من وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمشاهدة وما يحمله الإنترنت من قنوات اتصال هائلة، فإن الجمهور غير مضطر للتواصل مع وسيلة إعلام غير دقيقة في معلوماتها وأخبارها، فكيف بها إذا وُصمت بـ"الكاذبة"، ويضع الكاتب شرطا جازما للإعلامي الناجح، لا سيما الملتزم بدينه وعقيدته الإسلامية، فهو الذي يعتمد على فن تقديم الحقائق بالطريقة التي لا تحدث آثارا سلبية، وهو الذي يدرس باستمرار صدى رسالته في نفوس جمهوره، حتى يضمن أن الطريقة التي انتهجها ستقوده إلى تحقيق أهدافه الإعلامية.

أما خصائص الإعلامي الإسلامي، فإنها تتحدد بخمسة، أهمها: حصوله على شهادة ومؤهل أكاديمي في الإعلام، وفهم طبيعة وتوجهات المسلمين، وفهم حجم المسؤولية اتجاه بلده ودينه، واستخدام المعلومة في وقتها المناسب، وقبل كل ذلك معرفته بلغته العربية من حيث الكتابة والقراءة.

ما زلنا تابعين ولا يوجد لدينا إعلام حقيقي يُمثل منهجنا وتاريخ مجتمعنا، وإعلامنا الجديد بحاجة إلى تأصيل للهوية الإسلامية لضمان سرعة تأثيره على العالم

الإسلام وحرية التعبير
يتطرق المؤلف في مدخل الفصل الثالث الذي اختار له عنوان "تأثيرات وسائل الإعلام والجمهور" إلى قضية "الإسلام وحرية التعبير" التي تثير جدلا في بعض الأوساط العربية والعالمية، فهناك من يتعمد قول ما هو مخالف للواقع الإسلامي قديما وحديثا. ويقول المؤلف نقاشه لهذه القضية: "كانت التجربة الإسلامية غنية في مجال حرية الرأي والتعبير، وليست مجرد نصوص أو أخبار تتساقط، كما هو شأن الفكر اليوناني، وإنما هي أحداث محددة ووقائع ملموسة متواترة على ممارسة التعبير والرأي، والقول في السياسة والعلم وسائر شؤون الحياة.

وفي تقييمه للإعلام الإسلامي، يقول إن الجدل لا يزال محتدما بهذا الشأن، ويستشهد برأي المفكر الإسلامي الدكتور سيد محمد ساداتي الشنقيطي الذي يرى أن الإعلام الإسلامي منفعل وليس فاعلا، وليست لديه قدرة على التأثير، كما أن الإعلام الذي يُمارس في بلاد المسلمين ليس إعلاما بل إعلانا، وهو رديء لا تُشترى بضاعته، ويتفق المؤلف مع الشنقيطي فيقول "ما زلنا تابعين ولا يوجد لدينا إعلام حقيقي يُمثل منهجنا وتاريخ مجتمعنا، وإعلامنا الجديد بحاجة إلى تأصيل للهوية الإسلامية لضمان سرعة تأثيره على العالم".

وقبل تناوله لقضية دور الإعلام الإسلامي في مواجهة الغزو الفكري، يسلط الدكتور الدليمي الضوء على أهمية الإعلام الإسلامي، ووفقا لوجهة نظر الدكتور عبد الوهاب كحيل، فإن أهمية هذا الإعلام تكمن في تصحيح مفاهيم الإسلام والدعوة إلى مبادئه السمحة، وقيمه الأصيلة النافعة، بطريقة علمية وفنية، لتكون هذه القيم منهاج حياة كل مسلم في بيته وعمله، ويرى المؤلف أن الإعلام له دوره المؤثر على هذا الصعيد، في حال أصبح التوجه وفق ما نحن بحاجة إليه في مجتمعاتنا الإسلامية، وأن العمل على ترسيخ ذلك لا يعتمد على أجهزة الإعلام الدينية المتخصصة فقط، بل هو مسؤولية كل أجهزة الإعلام في الدول الإسلامية.

وفي المبحث الخاص بالغزو الفكري، يقول إن من الأدبيات المتفق عليها أن المسلمين اليوم -وفي هذه الانعطافة من تاريخهم- يواجهون غزوا واحتلالا ثقافيا وفكريا وحضاريا واقتصاديا بشعا شمل كل جوانب حياتهم.

ولذا، فإن مهمة الإعلام الإسلامي تتجاوز التثقيف والتوعية وفتح القنوات المعرفية أمام أجيال المسلمين، إلى التحفز ووضع الخطط المناسبة في التصدي للغزو الفكري والثقافي والأخلاقي الذي تتعرض له الأمة الإسلامية، وسط شيوع وسائل الإعلام العابرة للقارات، والتي تؤثر في المجتمعات وتنقل أفكار وفلسفات وأخلاقيات شعوب العالم إلى كل مكان.

وفي هذا الجانب، يعتقد المؤلف أن أحد أهم تفرد الأعداء بنا هو غفلة جمهور المسلمين وعدم مبالاتهم تجاه مخططات الأعداء، رغم أنها تستهدف وجودهم، وبدون شك فإن دور وسائل الإعلام بصورة عامة والإعلام الإسلامي على وجه التحديد، يجب أن يرتقي إلى مستويات خطورة الغزو الفكري والثقافي الذي تتعرض له الأمة الإسلامية حاضرا ومستقبلا.

الالتزام بالأسس السليمة في توجيه الإعلام الإسلامي من أهم أسباب نجاح المؤسسة الإعلامية، وقدرتها على نشر الرسالة، وفي الوقت نفسه التصدي للأخطار التي تدهم حياة المسلمين

ومن الحقائق المعاشة يوميا، تدفق هذا الزخم الكبير من الإعلام الموجه إلى الجمهور العربي والإسلامي، ويشمل برامج تلفازية وسينمائية وإذاعية وأخرى في شبكة الإنترنت، وهناك البحوث والكتب والمقالات وغيرها من أدوات التهشيم للمجتمعين العربي والإسلامي، ورغم امتلاك العرب والمسلمين للأموال الضخمة والعقول المتميزة، فإننا لم نلمس توجها رادعا لكل الغزوات الثقافية والفكرية، دون أن تكون هناك مطالبة بغزو مقابل، والاكتفاء بالحد الأدنى المتمثل في التصدي للغزو بكليته أو حتى ببعض أوجهه وأدواته المعروفة.

وفي سبيل تحقيق الإعلام الإسلامي لأهدافه والوصول إلى النجاح المطلوب، فإن ثمة مجموعة من الأسس الواجب توفرها في هذا الإعلام، يجب الالتزام بها. ويذكر الدليمي هذه الأسس في الفصل الخاص بالأسس الواجبة في الإعلام الإسلامي، وأولها ضرورة الالتزام بفضيلة الصدق، والترفع عن ترديد كلّ ما يقال حتى لا يدخل في دائرة الكذب المذموم، والتثبت والتبين باعتبارهما المصفاة الحقيقية لكل خبر يسمعه المسلم، قبل أن يتفوه به أو يفكر في إذاعته، والإعراض عن اللغو وتوسيع قاعدة الشورى، وعدم تكرار الشائعة عند تكذيبها، ثم لا بد من تنمية الثقة بالله والإيمان به في نفوس الجمهور، كي يتجنّدوا لمقاومة الشائعة والعزوف عن ترديدها، وضرورة البحث عن مصدر كلّ شائعة والقضاء عليها في جذورها ومنابعها الأولى، حتى لا يستفحل أمرها ويعظم خطرها.

إن الالتزام بالأسس السليمة في توجيه الإعلام الإسلامي من أهم أسباب نجاح المؤسسة الإعلامية، وقدرتها على نشر الرسالة، وفي الوقت نفسه التصدي للأخطار التي تدهم حياة المسلمين وتسعى للهيمنة على عقولهم قبل كل شيء.

تحديات العولمة
بعد تناول المؤلف لأهم موضوعات الإعلام الإسلامي والتحديات التي تواجه هذا الإعلام والمسؤوليات الملقاة على مؤسساته والعاملين فيه والقائمين عليه، يناقش في الفصل الأخير قضية "الإعلام الحديث وتحديات العولمة"، ويقول في هذا الصدد: تعني العولمة باختصار شديد، مركزة العالم في حضارة واحدة، أي إعادة إنتاج العالم وفقا لثقافة واحدة، هي ثقافة الجهة صاحبة المشروع التي تُعرّف بأنها "تشكيل العالم بوصفه موقفا واحدا وظهور إنسانية عالمية واحدة".

إن الوصول إلى الصورة الجديدة للعالم وفق ما هو مرسوم لن يتحقق بسهولة، ومن أهم أدواته وسائل الإعلام، وأهم أهدافه نخر وتهشيم ثقافة وحضارة وأخلاقيات الآخر، وإعادة صياغتها حسب المقاسات الخاصة بالعولمة.

قناة "سي أن أن" الأميركية نصبت من نفسها قيّما على صياغة الأحداث في العالم، مما يؤكد مدى الهيمنة الإعلامية الكاسحة للغرب وخاصة أميركا

ويذكر المؤلف أن أول إعلان للعولمة قد جاء على لسان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش إبان حرب الخليج الثانية على العراق عام 1991، وأن أداتها الرئيسية منظمة التجارة العالمية التي أنشئت عام 1995، ولا تقتصر مهمتها على حرية التجارة، بل أضيفت لبرامجها الحرية الثقافية، ويأتي الإعلام ليلعب دوره في ظل العولمة لتنفيذ خطط العولمة. ويقول المؤلف إن قناة "سي أن أن" الأميركية قد نصبت من نفسها قيّما على صياغة الأحداث في العالم، مما يؤكد مدى الهيمنة الإعلامية الكاسحة للغرب وخاصة أميركا، ونشر برامج العولمة في المجالات الثقافية والاجتماعية والقيمية، لإخراج ثقافة جماهيرية عالمية واحدة بقوالب محددة ومسبقة الصنع.

إن مهمة الإعلام الإسلامي يجب أن تخرج من دائرة التنظير إلى حيز التنفيذ على أرض الواقع الإعلامي في العالم الإسلامي، وإذا اقتصرت مهمة الباحث والأكاديمي على التحذير من خطر مجال مهم في حياة الأمة، وهو الإعلام الذي يعيد صياغة ثقافة وقيم وأخلاقيات مجتمعات بأسرها تسعى جهات ودول لتخريبها، ضمن حرب معلنة أحيانا وملموسة أحيانا أخرى، فإن من مهمة القائمين على الأمر الأخذ بما يقوله المفكرون والأكاديميون، لأن تحذيراتهم لم تأت من فراغ ولا بطر، وإنما من لوعة وألم وخوف على الأمة لكثرة أعداءها واتساع رقعة تأثير أدواتها الإعلامية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات