عرض/ أحمد التلاوي

كثر الحديث في المرحلة الراهنة عن موقف الإسلام من الديمقراطية، وشكل الدولة في الإسلام، ومدى التزامها بقواعد الدولة المدنية الديمقراطية المُتعارَف عليها، وهل هناك بديل "إسلامي" -مثل دولة الشريعة- للدولة المدنية بأطرها المعروفة؟ وهي قضية زاد من إلحاحها صعودُ التيارات الإسلامية إلى سدة الحكم في عدد من البلدان العربية عقب أحداث ثورات الربيع العربي، والتي جوبهت -خصوصًا في مصر- بعدد من الأسئلة حول شكل الدولة الحداثية التي تعتزم هذه التيارات إقامتها في أوطانها.

- الكتاب: الديمقراطية في ميزان الشرع.. المشروعية، الحقوق، الواجبات
- المؤلف: أسامة بن محمد بدوي البراجة
- عدد الصفحات: 449
- الناشر: مكتبة البلد الأمين, القاهرة
- الطبعة: الأولى 2012

وهناك العديد من الأدبيات ذات الطابع السياسي والفقهي التي تصدت لهذه المسألة، ومن بينها هذا الكتاب "الديمقراطية في ميزان الشرع.. المشروعية، الحقوق، الواجبات" الذي يتناول في أبوابه الأربعة عشر مجموعة من الأطر والقضايا المرتبطة بالمشهد السياسي في مرحلة ما بعد الربيع العربي -ولاسيما في مصر- في إطار متطلبات استعادة هوية البلاد الأصلية كبلد إسلامي.

في البداية، يضع المؤلف مقارنة بين دولة الإسلام النقية القائمة على أساس تعاليم الشريعة الإسلامية، والديمقراطية الغربية المطبقة في الكثير من دول العالم، ومن أهم أوجه المقارنة ما ذكره المؤلف من أن دولة الإسلام ونظامه يقومان بالأساس على مجموعة من الأركان وهي: العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق والتشريع والولاء، بينما تقوم الدولة الديمقراطية على أسس أخرى هي: العلمانية، والليبرالية، والحداثة.

ويحاول المؤلف من خلال فصول كتابه المختلفة أن يصل بالقارئ إلى رسالة مهمة مفادها أن نظام الحكم في الإسلام أكثر اكتمالاً وعدالة من الأنظمة المنبثقة عن الفكرة الليبرالية القائمة على عمود أساسي في الممارسة السياسية، وهي الديمقراطية بمفهومها الغربي.

أما فيما يتعلق بالمميزات التي تطرحها الممارسة الديمقراطية والفكرة الليبرالية، فإنها بالفعل موجودة في الإسلام، وبعضها -مثل العدالة الاجتماعية- مأخوذ من الإسلام في الأصل.

كما يزيد المؤلف فيشير إلى أن هناك أمرًا شديد الأهمية يزكي الأخذ بالنموذج الإسلامي في الوقت الراهن في البلدان العربية التي سقطت أنظمتها القديمة، وهو أن المرجعية الأساسية للنظام الإسلامي ودولته هي الشريعة، وهي من عند الله سبحانه وتعالى، فلا يشوبها أوجه الظلم أو النقص القائمة في الأنظمة الأخرى التي تعتمد على النظريات البشرية الوضعية والتي يعتورها النقص الإنساني بطبيعة الحال.

ويقول "إن من بين أهم البواعث التي دعته إلى وضع بحثه هذا هو أن هناك حالة من الإجماع لدى الكثير من الأوساط في العالم العربي والمجتمعات الإسلامية، بأن هوية الأمة مهددة بسبب تبنيها لنماذج ورؤى وغير ذلك، مما لا يتواءم لا مع عادات وتقاليد هذه المجتمعات، ولا مع مرجعيتها الأساسية وهي الشريعة الإسلامية".

وينتقد في الوقت ذاته بعض المفكرين والسياسيين من التيارات الليبرالية والعلمانية الموجودة بين ظهراني عالمنا العربي والإسلامي "ممن ينظرون إلى القيم الغربية على أنها قيم علمانية، ويتبنونها دونما إدراك لخصوصيتها، منكرين بذلك خصوصيتهم الإسلامية العربية!".

ويقول أيضًا "إن التبنِّي للنموذج الغربي دون وعي وفهم ومدلول وتنقية له، يُعدُّ اتهامًا لنموذج حضارتنا، وخللا وانشغالا عن تقديم إبداع حضاري جديد لتراثنا وحضارتنا، عندما نجعل الغرب نقطة مرجعية مطلقة عن وعي وغير وعي، ويُصبح هو الشكل الحضاري الذي سبقنا وعلينا اللحاق به".

هوية الأمة
وفي هذا الإطار ومن خلال سياقات فصول الكتاب المختلفة، فإن الهاجس الرئيسي الذي يشغل المؤلف هو تبعات الأخذ من هذه النظريات والنماذج الغربية دون تدقيق أو تنقية، وخطورتها على هوية الأمة ومدى تمسكها بقيمها الإسلامية الأصيلة والأصلية التي يفترض أن تسود في مختلف الأطر الاجتماعية والفكرية والثقافية.

الهاجس الرئيسي الذي يشغل المؤلف هو تبعات الأخذ من النظريات والنماذج الغربية دون تدقيق أو تنقية، وخطورتها على هوية الأمة ومدى تمسكها بقيمها الإسلامية الأصيلة

ويرد على بعض الآراء التي تقول إنه يتم الأخذ من هذه الأفكار والنظريات الوضعية تبعًا لفكرة المستجدات التي تطرأ وتتطلب البحث عن حلول لها، وينتقد بشدة فكرة تعطيل بعض أحكام الشريعة تحت نفس الادعاء والدعوى.

فينقل عن الدكتور فهد الحجيلان -على سبيل المثال- قوله إن "حاجة المجتمع والمتغيرات التي يعيشها ليست عذرًا لأحد في حذف شيء من الشريعة أو إدخال شيء فيها، فالموضوع ليس ترفًا علميًّا أو سجالاً دينيًّا، بل هو أحكام الشرع وحفظ المفهوم الشرعي".

ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية كمصطلح شرعي وعلمي تشمل العبادات القلبية والواجبات العينية الظاهرة، وحفظ نصوص الشريعة، وتطبيق الحدود والتعزيرات، والدفاع عن الشريعة ذاتها ضد أعدائها المتربصين بها، وتعيين من يسوس حياة المسلمين وينظم دنياهم.

حاجة البشرية إلى الإسلام
وفي موضع آخر، يقول المؤلف إن الإسلام لا ينبغي تطبيقه في المجتمعات العربية والإسلامية فحسب، وإنما أيضًا في مختلف المجتمعات الإنسانية الأخرى، مضيفا أن "الإسلام قوة كونية بعثها الله سبحانه وتعالى لتهدي الناس إلى النور، وتعالج مختلف مشكلاتهم المادية والروحية".

فيذكر كيف حرر الإسلام النفس الإنسانية من عبودية المخلوقات، وضمن العدالة والمساواة بين جميع البشر دون تعصب أو عنصرية، ويعلي قيم التسامح التي لم تعرفها المجتمعات الإنسانية الأخرى، كما عرفتها المجتمعات المسلمة التي طُبِّق فيها الإسلام تطبيقًا سليمًا.

ولتبيان فضل الإسلام على البشرية، وخصوصًا فيما يتعلق باحترام الكرامة الإنسانية واحتياجات الإنسان، أوضح المؤلف كيف قادت النظريات الوضعية -وخاصة الديمقراطية والليبرالية الغربية- إلى جعل الإنسان عبدًا للكثير من القيم والعادات السلبية، مثل قيم اللذة الحسية والمنفعة الخاصة، والتي قادت إلى الكثير من الصراعات والمشكلات بين الأفراد والجماعات على المصالح والمنافع الخاصة؟

ويفرد في هذا الإطار في النصف الثاني من كتابه مجموعة من الأبواب "لمراجعة ونقد" التجربة الغربية بأركانها ونظرياتها المختلفة، العلمانية والليبرالية والديمقراطية، فيشير أولاً إلى مظاهر الانفلات الأخلاقي والمجتمعي الواضح في المجتمعات الغربية، متخذًا من الولايات المتحدة نموذجًا لذلك.

فيشير أولاً إلى مظاهر ازدراء الدين هناك بشكل عام، بما في ذلك الديانة المسيحية التي يدين بها معظم الأميركيين، ويأخذ على ذلك نموذجًا لبعض الأعمال الفنية والكتابات الأدبية التي لا تنتقد الديانة المسيحية فحسب، بل وتتطاول على شخص السيد المسيح عليه السلام.

ولكن المؤلف في المقابل لا يُنكر الأخذ ببعض الأدوات المعمول بها في الأنظمة السياسية الديمقراطية، مثل الانتخابات، وينقل عن علماء مسلمين مثل الشيخ ابن عُثيمين والعلامة القرضاوي، ما يفيد بأن الانتخابات أمر يجيزه الإسلام، ولكنه ينكر على الديمقراطية في المجال السياسي عددًا من الأمور التي لا يرى فيها مصلحة شرعية، بل قد تقود إلى مفاسد.

الإسلام حرر النفس الإنسانية من عبودية المخلوقات، وضمن العدالة والمساواة بين جميع البشر دون تعصب أو عنصرية، وأعلى قيم التسامح التي لم تعرفها المجتمعات الإنسانية الأخرى

والأمر الأهم الذي ركز عليه في هذا الاتجاه هو الأحزاب، فيرى في الحزبية مفسدة مطلقة، ويدعو إلى ترشيد الظاهرة الحزبية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية باعتبار أنها ظاهرة أو ممارسة سياسية تؤدي إلى تفتيت الصف المسلم، وتعميق الخلافات بين الجماعات الموجودة داخل المجتمع.

وقد حرص المؤلف على أن يقدم بعض البدائل أو التصورات الأخرى التي تتلاءم مع متطلبات "أسلمة" الحياة السياسية والممارسة السياسية داخل المجتمعات العربية والإسلامية.

فيقدم -مثلا- نماذج لبرامج انتخابية للرئاسة والبرلمان، ويقول "إن الهدف الرئيسي من وراء ما يطرحه من بدائل هو استعادة هوية الأمة على المستويَيْن السياسي والمجتمعي".

الأوضاع في مصر
وعند حديثه عن الحالة في مصر بعد ثورة 25 يناير باعتبارها دراسة الحالة الرئيسية لكتابه، ينتقد المؤلف التيارات التي تتبنى الأفكار الغربية وتسعى لفرضها "قسرًا" على المجتمع المصري.

و"القسر" هنا لا يعني استخدام القوة، ولكنه من وجهة نظر المؤلف يأتي من محاولة هؤلاء العمل على فرض آرائهم دون أن يكون لها قبول أو أصل في هوية المجتمع، كما سبق أن أشرنا.

ويتهم هذه القوى بتبني أجندة غربية، ويكشف عن تعاون بعض رموز هذه التيارات الليبرالية والعلمانية مع نشطاء وقوى غربية وأميركية من أجل دعم أجندتهم في مصر بعد الثورة، ولذلك هو يطالب التيارات الإسلامية بالمزيد من التآزر، والابتعاد عن كل ما من شأنه تفرقة الصف الإسلامي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك