عرض/ مصطفى فؤاد

ألغت وسائل الاتصال والإعلام بشكل عام، والبث الفضائي التلفزيوني بشكل خاص، الحواجز بين البلدان والمجتمعات، حتى كاد أن يكون العالم أشبه بالقرية الكونية، ليصف الكثيرون التلفزيون بأنه الجهاز الذي جمع العالم من حوله. إلا أن هناك العديد من الأثمان الاجتماعية والثقافية لهذا، ومن بينها تفكيك الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية، بعكس ما هو شائع أو مُتصوَّر.

- الكتاب: الإعلام وثقافة التفكيك
- المؤلف: ماجد فاضل الزبون
- عدد الصفحات: 232
- الناشر: العربي للنشر والتوزيع, القاهرة
- الطّبعة: الأولى 2013

وبين أيدينا كتاب للباحث العراقي ماجد فاضل الزبون، يرى الجانب الآخر للإعلام في تأثيراته المجتمعية، ويرسل رسالة من خلال فصوله الأربعة، تتمحور حول أن التطورات التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين في مجال البث التلفزيوني، خلقت نظامًا مختلفًا بالكامل عما كان سائدًا في السابق، إذ وفرت الاتصال في الاتجاهين: الوسيلة الإعلامية والمتلقي.

وأدى ذلك مع شيوع المحطات الفضائية المتخصصة التي تفرعت إلى تخصصات دقيقة، وباتت توجه برامجها إلى جماهير محددة ذات اهتمامات متباينة، أو إلى جماهير انقسمت فيما بينها على أسس سياسية ودينية وعرقية.

ومن هنا بات التنافس على الفضائيات والبرامج واضحًا، حتى ضمن العائلة الواحدة التي لا يتعدى عدد أفرادها اثنين أو ثلاثة، فلم يعد جمهور الإعلام الجماهيري مثلما كان في السابق، ولم يعد قادرًا من الأصل على مواكبة هذه التطورات، ولذلك يتساءل الباحث إلى أين سيصل بنا التلفزيون من الفرقة والتفكك الأسري والمجتمعي؟

بين الترفيهي والسياسي!
الكتاب جاء في إطار علمي منهجي لدراسة الآثار المجتمعية للتلفزيون ووسائل الإعلام بشكل عام، معتمدًا على جانب مسحي وصفي أخذ عينة له كدراسة حالة، من العاصمة العراقية بغداد. ولذلك جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان "الإطار المنهجي"، وقدم منهجية البحث، مثل مشكلة الدراسة وأدوات البحث، وكذلك الدراسات السابقة التي اعتمد عليها المؤلف.

ومن بين المؤشرات المهمة التي رصدها في هذا الفصل، حيث قدم بعض خلاصات الدراسة المسحية التي قام بها في بغداد، غلبة المشاهدة الجماعية بشكل ملحوظ على الجمهور الذي يشاهد التلفزيون، وأن الجانب الترفيهي طاغٍ على تفضيلات الجمهور، إلا أنه أشار إلى أن البرامج الإخبارية والسياسية تحتل مكانة مهمة لدى الجمهور العربي بشكل عام، بينما ذكر أن القنوات الفضائية الأكثر مشاهدة هي الجزيرة، وأم.بي.سي والعربية.

الفصل الثاني "تكنولوجيا الاتصال" تناول في ثلاثة مباحث، الأهمية الاتصالية والأدوار الثقافية والاجتماعية للتلفزيون، بما في ذلك القنوات الفضائية، وكيف تلعب هذه أدوارًا تتجاوز الجانب الإعلامي المطلوب منها، بما في ذلك تحريك الجماهير وتغيير اتجاهات الرأي العام.

ويحدد المؤلف في هذا الإطار العوامل التي أدت إلى أن يصبح لجهاز التلفزيون والقنوات الفضائية كل هذا التأثير، وهي العوامل التي ترجع إلى طبيعة التلفزيون نفسه، باعتباره يعتمد على آليات بصرية ذات جاذبية لمختلف الأفراد، مهما كان سنهم أو خلفياتهم التعليمية والاجتماعية والثقافية.

وهناك دوران رئيسيان للتلفزيون في التأثير على المتلقين: أولهما واقعي وهو الدور الإيجابي في وظائف التلفزيون المعرفية والاتصالية، حيث يقدم الحقائق للمشاهدين ويربطهم بقضايا مجتمعاتهم الضيقة والأوسع، وقضايا الدول والمجتمعات الأخرى.

أما الثاني فهو الدور السلبي أو "غير الواقعي" حسب وصف المؤلف، ويعني أن التلفزيون بما يقدمه من صور وألوان وأصوات ضمن برامج ومواد الترفيه خصوصًا، يساعد المتلقي على الهروب من واقعه ومشكلاته، وعدم التعامل معها بإيجابية.

يسهم الإعلام المرئي في احتواء الفرد داخل إطار اجتماعي محدد، ويفرض عليه مع مرور الوقت الاستجابة لمتطلباته، بل يقوم بنوع من أنواع السيطرة الاجتماعية عليه

وتعود أدوار التلفزيون هذه إلى تأثير ثقافة الصورة على السلوك البشري، وعلى رأس ذلك ما أسماه المؤلف "المؤالفة"، حيث يسهم الإعلام المرئي في احتواء الفرد داخل إطار اجتماعي محدد، ويفرض عليه مع مرور الوقت الاستجابة لمتطلباته. كما يقوم التلفزيون في إطار وظيفته الاتصالية والمعرفية، بنوع من أنواع السيطرة الاجتماعية، حيث يؤدي الإعلام بطريقة ما إلى إعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم عبر إثارة احتجاجات مستمرة تجاه النظر إلى الأشياء كما هي.

وتزداد هذه التأثيرات في مجال البث الفضائي المباشر، وبعيدًا عن التفاصيل الفنية التي أوردها المؤلف حول كيفية عمل منظومة الأقمار الصناعية والبث الفضائي، يؤكد أن تقنيات البث الفضائي ساعدت على تحسين مستوى خدمات البث التلفزيوني من زاويتين: الأولى تحسين المستوى من الناحية الفنية ونشر البث التلفزيوني، والثانية معالجة المشكلات القائمة في البث العادي باعتبار أنها جاءت كتطوير لآليات البث التلفزيوني.

وفي تناوله لواقع البث الفضائي والقنوات الفضائية حول العالم، يشير إلى أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر منظومة للأقمار الصناعية في العالم، وأكبر منظومة للقنوات الفضائية والمحطات التلفزيونية، بمعدل ثمانية آلاف قناة ومحطة، إضافة إلى مائة محطة إذاعية.

ويشير إلى أنه من بين أهم الشبكات والقنوات العالمية الموجهة إلى العالم العربي، هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي)، وشبكة "سي.أن.أن" الإخبارية الأميركية.

أما على مستوى العالم العربي، فتُعتبر مصر أول وأكبر الدول العربية حيازة لمحطات فضائية، حيث بدأت بث القناة الفضائية المصرية عام 1991م، إلا أن المغرب كان أسبق في البدء بهذا المشروع عام 1989، ولكن مصر سبقته في إطلاق قناتها. أما العراق الذي ركز المؤلف على منظومتها في مجال الإعلام الفضائي، فقد بدأ تجربته بإطلاق قناة العراق الفضائية عام 1998.

جمهور المستقبلين
الفصلان الثالث والرابع تناولا جمهور المستقبلين وتأثيرات التلفزيون عليه، سواء الخدمة العادية أو البث الفضائي، من خلال دراسة حالة مسحية.

والملاحظة الأولى التي يخرج بها المؤلف من دراسته المسحية هي أن جمهور المستقبلين للتلفزيون كخدمة اتصالية جمهور متنوع، ويجمع العاملون في حقل البحوث الإعلامية على صعوبة تصنيف الجمهور في ظل التحولات والتغيرات السريعة في البيئة الاجتماعية والمادية، فضلا عما يواكب ذهنيات ونفسيات هذا الجمهور من تغييرات في كل وقت.

فهناك الجمهور العام والجمهور الخاص، وهناك الجمهور العقلاني الباحث عن المحتوى الفكري والثقافي، والجمهور الباحث عن الترفيه.

غير أنه يشير إلى محاولات بعض الأكاديميين العرب -مثل جيهان رشتي- لوضع بعض المقاييس لتصنيف جمهور المستقبلين، مثل الخصائص الأولية له كالنوع والسن والتعليم والمستوى الاقتصادي، أو على أساس خصائصه النفسية التي يتم التعرف عليها من خلال بعض الاختبارات.

وتتنوع العوامل التي تجعل من جمهور التلفزيون متباينًا على مستوى الخصائص النفسية، مثل البواعث النفسية ذاتها، وكذلك مستوى التعليم.

هذان الفصلان هما اللذان تتركز فيهما الفكرة الأساسية للكتاب، والمتعلقة بالتأثيرات الاجتماعية والثقافية للتلفزيون على جمهور المتلقين، ويدلل على عمق هذه التأثيرات من خلال مجموعة من الدراسات العلمية التي أُجريت في العالم العربي والغرب.

الشعب الأميركي يتشكل في قيمه وأفكاره عبر ما يعرضه التلفزيون، وأصبح الفرد الأميركي مدمنًا للشاشة الصغيرة، حيث يجلس قبالتها وقتًا طويلًا دون أن يدرك مقدار تأثير التلفزيون

وينقل عن أحد علماء الاجتماع الأميركيين قوله "إن الشعب الأميركي يتشكل في قيمه وأفكاره عبر ما يعرضه التلفزيون الأميركي، وأصبح الفرد الأميركي مدمنًا للشاشة الصغيرة، حيث يجلس قبالتها وقتًا طويلًا من الزمن دون أن يدرك مقدار تأثير التلفزيون على حياته وحياة أسرته ومجتمعه".

عربيًّا يورد المؤلف مجموعة من الدراسات المسحية الإحصائية التي توضح حجم تأثير التلفزيون والقنوات الفضائية على المجتمعات العربية، فيشير إلى أن هناك دراسة أردنية قالت إن 75% من حجم العينة التي تم اختيارها يرون أن التلفزيون له تأثير في التقليص من عادات التزاور بين الناس، وكانت النسبة 63.9% في دراسة مماثلة في الكويت، وأرقام مماثلة لذلك في مصر ودول خليجية.

وتمتد هذه النتائج إلى المستوى الضيق للأسرة، ويقول المؤلف "إنه من خلال رصد نتائج الدراسات التي أجرتها بعض الجامعات ومراكز البحوث في العالم العربي وفي الغرب أيضًا، فإن هناك ثلاثة مسارات رئيسية للتأثيرات السلبية للتلفزيون على الأسرة، وهي:

- الخلافات بين الآباء والأبناء بسبب المنع من مشاهدة بعض البرامج.
- مشكلة انشغال أفراد الأسرة عن بعضهم، وقلة الحوار والنقاش في أمور تكون أحيانًا جزءًا من حياة الأسرة.
- الخلاف حول استمرار الاستقبال لمادة برامجية معينة أو الانتقال إلى غيرها، ولاسيما في وجود أقمار صناعية متعددة، وإمكانية استقبال عدد من المحطات الخارجية.

كما يشير إلى مشكلة أخرى خاصة بالمجتمعات العربية وهي ضعف المستوى الثقافي والاقتصادي على مستوى العالم العربي، إذ يجعل هذا الضعف الأجيال المختلفة في الوقت الراهن في عالمنا العربي عرضة لموجات الغزو الفكري القادمة من الخارج، وخصوصًا الغرب الأقدر اقتصاديًّا، وبالتالي يقدم محتوىً أكثر حرفية ومهنية وجاذبية وأقدر فنيًّا وثقافيًّا، مما يؤهله إلى أن يكون أكثر قدرة على جذب الآخرين!

المصدر : الجزيرة