عرض/ محمد تركي الربيعو

شهدت الساحة الثقافية السعودية في الأعوام القليلة الماضية بروز تيار فكري أخذ  يتأثر  بكتابة الماضي من خلال الحاضر، وخاصة في ظل أزمة بناء مجال سياسي عام يتسم بالعقلانية، وسياق سلطوي يعزز من فكرة إشهار الأيدولوجية القبلية -مع العلم بأن الواقع الاجتماعي والاقتصادي لوجودها قد اندثر- بما يساهم في توسيع القاعدة الزبونية التي من خلالها تعيد العلاقات السلطوية إنتاج نفسها.

- الكتاب: نجد قبل النفط.. دراسة سسيولوجية تحليلية للحكايات الشعبية
- المؤلف: بدرية البشر
- عدد الصفحات: 256
- الناشر: دار جداول
- الطبعة: الأولى 2013

بيد أن هذه الإحيائية القبلية نظر إليها بعض المثقفين والإعلاميين بوصفها تعبر عن واقع اجتماعي ذي طبيعة انقسامية ونسبية بالأساس، ليغدو حينها المجتمع النجدي مجتمعا لا تاريخيا يتميز بالسكون ونفي الزمان، وتبدو البداوة بوصفها "مسودة النظام الاجتماعي النجدي".

وضمن هذا السياق الذي يؤسس لماض "ميتا اجتماعي" أو متخيل، صدرت دراسة حديثة للروائية السعودية وأستاذة علم الاجتماع بدرية البشر. ولعل ما دعانا إلى عرضها هو التقريض الذي حظيت به من قبل بعض الكتابات الصحفية السريعة ودعوة إحدى أهم الصحف العربية إلى وسمه بالكتاب "الدسم"، دون أي محاولة لتوضيح مكمن هذا الغنى داخل الدراسة أو تقديم قراءة نقدية على أساس تراكم معرفي، مما بدل هذه الحالة السلبية من الاستسهال في الكتابة عن الدراسات الحديثة في الصفحات الثقافية العربية. وربما لسبب آخر يتعلق بحالة الخيبة التي أصابتنا عند عبورنا من عتبة الكتاب وعنوانه المثير للاهتمام إلى المتن الذي بقي يرسم الدراما النجدية الكلاسيكية قبل مرحلة اكتشاف النفط كما لو كانت قضية معروفة سلفا، ودون أي محاولة تذكر لإجراء أي نقاش مع الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية العديدة التي أنجزت سواء في داخل المملكة أو خارجها.

في نقد الحكاية النجدية التقليدية
سنحاول في هذا الفصل أن ننقد بعض الملامح والخطوط العامة للدراسة والتي ساهمت في إعادة إنتاج نفس الصور النمطية القديمة عن الفضاء الاجتماعي النجدي والتي تبدو للوهلة الأولى "ذكية" ومعبرة عن الوضع المدروس، لكنها في الواقع منتزعة أو مجتزأة من سياق أكبر أو صورة أكثر تعقيدا.

المؤلفة في بداية الأمر تسعى للتعريف بهدف الدراسة وهو البحث في الموروث الشفهي (الحكاية الشعبية) كمصدر إثنوغرافي تصب فيه المجتمعات معتقداتها ومعارفها، مما يسهم في معرفة وتقصي ملامح الشعب والجماعة في فترة زمنية غابت عنها الوثائق التاريخية والمدونات.

وبعد تقديمها لكمّ من التعريفات حول موضوعات وسمات الأدب والحكاية الشعبية، سرعان ما تتساءل عن السبب في الغموض ونقص المعلومات حول نجد، وتردّه إلى عوامل عديدة تتعلق بغياب مجال مدني مستقر سياسيا، مما ساهم في تقليل فرص كتابة تاريخ حولها أو في التصدي لرحلة تاريخية في غياهب منطقة وعرة وغير آمنة.

ورغم رفضنا للصورة القاتمة لهذا المشهد النجدي الفوضوي، سنحاول أن نمضي قدما مع الباحثة لنبين لاحقا خلفية هذه النتائج، إذ تتابع بدء الاهتمام بكتابة التاريخ الاجتماعي لنجد والذي ترده إلى بدايات القرن التاسع عشر عبر ذكرها العديد من جهود الرحالة الغربيين والمستشرقين أمثال فيليبي ودوتي، ممن قضوا قسما كبيرا من حياتهم في الجزيرة العربية ودرسوها من النواحي الجغرافية والاجتماعية والإثنوغرافية.

كما يعد كتاب المؤلف الروسي فاسيلييف "تاريخ المملكة العربية السعودية" من وجهة نظر الباحثة مرجعا هاما في التاريخ السياسي والاجتماعي لمنطقة الجزيرة العربية، حيث ركز على التقسيمات "الطبقية" والعادات والتقاليد في فترة ما قبل استقرار الحكم للملك عبد العزيز، لتصل إلى نتيجة مفادها "حملت لنا مراجع القرن الثامن عشر مشاهد متفرقة عن الحياة الاجتماعية في نجد، رغم أن تباطؤ النمو في منطقة نجد على المستويين الاقتصادي والاجتماعي يجعل من صور الحياة صورا متشابهة تنسحب على فترات طويلة من الزمن حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين" (ص39).
المؤلفة تعتمد على التنظيم القبلي والنسب بوصفه المعيار التنظيمي في السلم الاجتماعي لمجتمع نجد في فترة ما قبل الدعوة الوهابية والتي شهدت حالة من اللامركزية، مع أن الواقع التاريخي لا يساند كثيرا هذه الرؤية

وتعود إلى الاستشهاد بكلام فاسيلييف في سياق حديثها عن العلاقات الاجتماعية بين القبائل والتي كانت برأيه في مرحلة ما قبل فترة النفط في عزلة تامة، فلا يوجد أي اختلاط بين قبيلة وأخرى.

وهنا نتساءل وبنوع من الغرابة: كيف يمكن لباحثة اجتماعية أن لا تضع نتائج فاسيلييف هذه موضع تساؤل، خاصة أن هذه الدراسة تعد جزءا من المكتبة الاستشراقية الروسية الصلبة التي بقيت رهينة لمقولاتها حول نمط الإنتاج الآسيوي من جهة، كما لم يكن بمقدورها سوى الاعتماد على السوسيولوجيا الكولونيالية في تصورها للمجتمعات غير الأوروبية؟

وما يؤكد تبني الباحثة نتائج هذه المدرسة دون أي تمحيص، حديثها عن التنظيم القبلي والنسب بوصفه المعيار التنظيمي في السلم الاجتماعي لمجتمع نجد في فترة ما قبل الدعوة الوهابية والتي شهدت حالة من اللامركزية، مع أن الواقع التاريخي لا يساند كثيرا هذه الرؤية، مما يفسح الطريق للتساؤل عن كيفية فهم الدعوة الوهابية في ظل هذا الماضي الميتا تاريخي الذي رسمته لنا الباحثة.

كما أن أي تأويل لهذه الحركة بوصفها تعبر عن حركية المجتمعات النجدية وتاريخيتها التي شهدت تحلل البنى الاجتماعية التقليدية لصالح بنى قبلية وبدوية، قد يرى في الوهابية حركة تسعى لفرض إرادة سياسية مركزية ما.

وفي ظل حديثها عن العلاقات بين البدو والحضر، تشير إلى جزء من حالة الاندماج البدوية داخل الحواضر النجدية من خلال المساهمة في فرق الجيش التي أعدت لصد الغزوات، كما في حالة الجيش الذي بناه حكام آل الرشيد في حائل والذين -برأيها (ص 91)- "كانوا يعتمدون عليهم (البدو) ويعتبرونهم أفضل من الحضر غير المحاربين". ولعل في هذا التشديد على هذه الأفضلية العسكرية المزعومة التي يتمتع بها البدو، ما يذكرنا بإرث خلدوني تجاوزته العديد من الدراسات الأنثروبولوجية وذلك من خلال التركيز على طابع البدو الحربي، وهو ما يتناقض مع ملاحظة الرحالة والن الذي أشار إلى أن أفراد عبدة الحضر -أحد أفخاذ قبيلة شمر- كانوا يعتبرون متفوقين على أشقائهم البدو في الشجاعة وفي فن استخدام السلاح.

وفي سياق حديثها عن القبائل العربية تستعين المؤلفة بآراء بعض المستشرقين أمثال بوركهارت  وفولي لتثبت في صورة هوليودية أن القبائل النجدية كانت في حالة حرب دائمة، وأن الأعرابي "نهّاب" أكثر مما هو محارب، ولا يسعى لإراقة الدماء، بل يهاجم من أجل النهب والسلب.

لكن الأنثروبولوجي الهام طلال أسد في قراءته لقبائل الكبابييش من منتصف القرن التاسع عشر أثبت أن ما يفعله البدو أو ما يميلون إلى فعله إزاء الآخرين، إنما هو نتاج ظروف تاريخية مختلفة، وأن مدى انخراط البدو الرحل في عمليات عسكرية تبدل بصورة دراماتيكية بسبب التغير في نمط الإنتاج الاقتصادي وما تبع ذلك من ضرورة بناء علاقات سياسية واقتصادية جديدة.

في نقد الأبوية القبلية
وفي سياق متابعتها لأدوار الفاعلين الاجتماعيين داخل نجد، ترى المؤلفة أن مكانة الفرد في المجتمع النجدي تتحدد لكونه منتميا إلى قبيلة لذاتها، وفي هذه الحالة فإن نوعا من الاعتمادية المفرطة تنشأ لدى الفرد الذي تتم تنشئته بلا استقلالية بحيث يعتمد في تفكيره وسلوكه وشعوره على مرجعية الجماعة القبلية خوفا من الخطأ وطلبا للأمان, وبالتالي فهو يخضع لقوانين القبيلة وينصاع لأعرافها.

ولعلنا في ظل هذه النتيجة المبسطة للعلاقات الاجتماعية داخل القبيلة والنموذج الأبوي السائد، نعود إلى ما كتبه أحد أقطاب الأنثروبولوجيا المغربية الدكتور حسن رشيق في دراسته "الأنثروبولوجيا في الوطن العربي" التي عرضناها في مقال سابق.

يرى رشيق أنه في مقابل المقترب الكلي الذي كان سائدا لمدة طويلة داخل الحقل الأنثروبولوجي، بدأ الحديث مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي عن "الفردانية المنهجية" التي تنطلق من أن الأفراد في التنظيمات الاجتماعية التقليدية ليسوا خاضعين بصفة مطلقة لحتميات اجتماعية، فليس هناك خضوع تام ومطلق للأفراد تجاه الجماعة، كما أنه ليست هناك حرية مطلقة للأفراد.

نقد هذه الدراسة لا يعني التقليل من جهود الباحثة، لأن النتائج التي توصلت إليها في سياق دراستها للبنى الاجتماعية ما زالت تشكل الجماعة المتخيلة للعديد من المثقفين والأدباء

وبرأينا فإن هذه الرؤية تساهم في تجنب التصور الكلي التي تحبذه المؤلفة والذي يجعل من الأفراد مجرد منفذين أو متشابهين يمكن استبدال بعضهم ببعض، وكذا التصور الذري الذي يجعل من المجتمع مجموعة أفراد مستقلين وأحرار.

وفي نهاية هذه المراجعة السريعة، فإن ما نرغب في قوله هو أننا لا نسعى من خلال هذا النقد إلى التقليل من جهود الباحثة، لأن النتائج التي توصلت إليها في سياق دراستها للبنى الاجتماعية ما زالت تشكل "الجماعة المتخيلة" للعديد من المثقفين والأدباء.

كما أن الصور النمطية تغري الباحث والفرد العادي بأن يخلق نظاما في عالم اجتماعي وتاريخي معقد ويخلق له انطباعا بأنه يفهم ماضيه وواقعه حتى لو تم ذلك على نحو موجع. ولعل هذا الشعور عن واقع رسالة أكاديمية وواقع بعض الجامعات العربية التي ما زالت بعيدة عن الجديد والتراكم في حقل العلوم الإنسانية والتاريخية، هو ما دعانا إلى نقد وقراءة هذه الدراسة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك