عرض/ عوض الرجوب

يسلط القيادي الفتحاوي والسياسي الفلسطيني نبيل عمرو في كتابه "ياسر عرفات وجنون الجغرافيا" الضوء عن قرب على شخصية الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وخاصة خلال الفترة التي لازمه فيها من عام 1976 وحتى فشل مفاوضات كامب ديفد في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.

- الكتاب: ياسر عرفات وجنون الجغرافيا
- المؤلف: نبيل عمرو
- عدد الصفحات: 284
- الناشر: دار الشروق/القاهرة
- الطبعة: الأولى/ 2012

يوثق الكتاب الانطباعات التي تولدت لدى مؤلفه من خلال معايشته عن قرب للرئيس الراحل، ومشاركته إياه كثيرا من أيامه المجيدة والبائسة، بعيدا عن إرباكات التواريخ والأرقام والسير التقليدية، مركزا على الشخصية وليس الأحداث.

ويشدد عمرو -في مستهل كتابه- على أنه لا يؤرخ لمسيرة ياسر عرفات أو حتى لبعضها، وإنما ينتقي وقائع تضيء الشخصية والسلوك، مع إعطاء الأولوية للوقائع التي عاشها بصورة مباشرة أو شارك فيها بقدر ما.

ويذكر عمرو أن شخصيات كانت ذات تأثير بالغ في حياة عرفات وتفكيره وسلوكه هي: صلاح خلف (أبو إياد)، وخليل الوزير (أبو جهاد)، وسعيد صايل (أبو الوليد). مشيرا إلى زعماء اضطر للعمل معهم اتفاقا وخلافا في مقدمتهم: الحسين بن طلال، وجمال عبد الناصر، وأنور السادات، وحسني مبارك، وحافظ الأسد، وصدام حسين.

القيادة والسيطرة
يوضح المؤلف أن المؤثر الجوهري في حياة عرفات هي الجغرافيا المفقودة، "فإن تيسرت خارج فلسطين فهي جغرافيا مقلقة ومخيفة وغير مضمونة، وعرضة للتلاشي في أي وقت"، في إشارة إلى تنقلاته من الأردن إلى لبنان ومن ثم الشتات.

يصف المؤلف في الفصل الأول عرفات قائلا: "كانت القيادة والسيطرة -بالجملة وبالتفصيل- هي الفكرة الثابتة في عقله وروحه وسلوكه، فهو قائد الفريق واللاعب والمدرب والحكم ومقرر النتيجة، وكل من معه وحوله كانوا بالنسبة له مجرد جمهور يلزم للمساعدة أو التشجيع، أو حتى المباهاة بهم أمام الآخرين".

ويقول إن عرفات درس سِـيَر الشخصيات المؤثرة في شعوبها ومجتمعاتها، واجتهد في التقاط كلمة السر لكل زعيم، فوقع اختياره مثلا على صورة عبد القادر الحسيني حيث الكوفية الفلسطينية والعقال.
وذكر أن الإذاعة كانت أكثر المنابر الفلسطينية أهمية بالنسبة لعرفات، لم يكن يخفي حرصه على ألا يقترب منها أحد من القادة، كما كان يشجع ظاهرة تعدد الأجهزة الأمنية، كي لا ينشأ مركز قوة واحد يغري بالتمدد أو منازعته النفوذ.

أما عن علاقته بالأطياف اللبنانية، فيقول "تسرب عرفات إلى المعادلة اللبنانية عبر فجوات جاهزة وأخرى تم استحداثها، وأخرى نشأت بحكم التداعيات المنطقية لتنامي قوة جديدة، تحاول تقديم ذاتها عبر كل الأطياف والمذاقات".

العصف العربي
تحت عنوان "العصف العربي.. عرفات والتوأمان العربيان" (في إشارة إلى سوريا والعراق)، يبين مؤلف الكتاب أن عرفات كان يعمل كل ما بوسعه لتفادي إطباق فكيْ الكماشة على جوزته، بينما الحلفاء الأساسيون في مصر والسعودية بعيدون لسوء الحظ عن الجغرافيا الثمينة التي يحارب من أجل الاحتفاظ بها.

وكان الحسين بن طلال مبعث حذر لصلة عرشه وبلده وتاريخه بفلسطين، رغم محاولة عرفات تبديد مخاوفه، كشعار الشعب الواحد، فجاءت كارثة يونيو/حزيران 67 لتكسر درع الملك وتطيل رمح عرفات، ثم جاء نصر الجيش الأردني مع الثورة الفلسطينية في معركة الكرامة لفتح كوة أمل في جدار اليأس.

كان ياسر عرفات غير مطمئن لتنامي القوة العسكرية الفلسطينية على أرض الأردن، ثم بدأت الحرب بين الجانبين بمناوشات متفرقة انتهت بهزيمة جيش عرفات

كان ياسر عرفات -يقول نبيل عمرو- غير مطمئن لتنامي القوة العسكرية الفلسطينية على أرض الأردن، ثم بدأت الحرب بين الجانبين بمناوشات متفرقة انتهت بهزيمة جيش عرفات، وخلال سنة انتهى الوجود الفدائي المسلح في المملكة، وجاء إقصاء عرفات عن كنز الجغرافيا الأردنية.

وعن "خط القاهرة/الرياض" يتابع المؤلف: كانت السعودية ومصر طرفين ثابتين أساسيين في تحالف عرفات من أجل البقاء، وكان حفظ عن ظهر قلب البعد الأخلاقي في السياسة السعودية تجاهه وتجاه فلسطين والقدس خصوصا.

ويشير إلى أن السعودية لم تكن بالنسبة لعرفات مجرد اقتصاد ومكانة روحية، بل كانت ذات عمق مصيري "فكم من باب موصد فتحته له المملكة؟!"، مضيفا أنه بعد أن وجه الإسرائيليون تهديدا صريحا لحياته في لبنان اتصل بالأمير فهد آنذاك وطلب منه توظيف كل علاقاته الأميركية والدولية لمنع مغامرة من هذا النوع.

انشقاق وتشتت
في الفصل الثاني من الكتاب "جنون الجغرافيا"، يلقي المؤلف الضوء على الانشقاقات والشتات بين مصر واليمن، مضيفا أن عرفات خرج من فردوس الجغرافيا النموذجية، ثم برزت تيارات يسارية وقومية داخل حركة فتح، دعمت سوريا بعضها انتقاما من كل ما فعله عرفات في لبنان.

وهنا يصف نبيل عمرو "مؤتمرات فتح" بأنها أكثر شيء يكرهه ياسر عرفات، حيث كان يقترح بديلا يجنبه عقد المؤتمر.

وانتهى المؤتمر الخامس بعد مخاض بانتخاب لجنة مركزية، وكان الشيء الوحيد الذي أرضى عرفات من نتائجه هو نجاحه في إسقاط رفيق النتشة الذي كان هاجمه بشدة قبل إحدى عشرة سنة في المؤتمر الرابع.

أما في الفصل الرابع، فيسلط المؤلف الضوء على تحالفات عرفات ورفاقه ومنشأ هذه العلاقات.
وفي استعادته لصورة الصعود إلى السفينة مغادرا لبنان، يقول إن عرفات أصر على أن يكون عسكريا مائة بالمائة، لأن ذلك في اعتقاده "الحد بين الهزيمة والنصر".

وفي هذا الفصل، يتطرق نبيل عمرو إلى بداية الاتصال مع اليسار الإسرائيلي. ويذكر أن عرفات تلقى ذات مرة طلبا بتوفير دعم إعلامي للحملة الانتخابية للحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح"، فتجاوز المحاذير السياسية والمعنوية ووافق، ثم بدأ التنسيق الذي انتهى إلى لقاء مباشر تم تأمينه بين "راكاح" وأبو جهاد.

عرفات والزعماء
خصص المؤلف الفصل الخامس للحديث عن علاقة عرفات بالزعماء الذين عاصرهم في الأردن وسوريا ومصر والعراق. فعن الأردن يقول: خاض الملك حربا ضروسا لإخراج جيوش الثورة، ولو تمكن من عرفات لقضى عليه، لكنه ذاته أنقذه من موت سياسي عندما حسم أمر شرعية المجلس الوطني الفلسطيني.

وذكر أنه لم يكن مجلس عمان -من وجهة نظر عرفات- مجرد مجلس يمنح الشرعية للمنظمة، واتجاهها السياسي الذي بلوره صلاح خلف بجملة واحدة "الأرض مقابل السلام"، بل كان لا بد من أن يظهر بقوة تجديد البيعة لعرفات.

وأشار إلى "مناورة الاستقالة" التي كانت –وفق الكاتب- من التقاليد المألوفة من جانب عرفات في كل المجالس والمحافل، ولم يكن ليعدل عن استقالته إلا بعد أن يعلن كل الأطراف والأقطاب وشيوخ القبائل الفتحاوية وسائل الفصائل الأخرى مبايعتهم الصريحة له قائدا.

"مناورة الاستقالة" كانت من التقاليد المألوفة لدى عرفات في كل المجالس والمحافل، ولم يكن ليعدل عن استقالته إلا بعد أن يعلن كل الأطراف مبايعتهم الصريحة له قائدا

وأشار إلى أن أمرا واحدا مات عرفات دون أن يحققه، وهو حصوله على انتخاب مباشر من قبل أعضاء المجلس الوطني بتسميته رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وليس عضوا يتولى أعضاؤها الآخرون تسميته رئيسا.

وفي هذا الفصل يذكر المؤلف أن العاهل الأردني الراحل كان هو من أخرج اتفاق الخليل إلى حيز الوجود، بعد الجمود الذي أصاب المفاوضات بخصوصها.

أما صدام حسين فكان بالنسبة لعرفات عدو الأمس والحليف الأخير. ومن الأحداث التي يذكرها المؤلف قمة بغداد التي تلت زيارة السادات لإسرائيل، حيث كان عرفات ضيفا ثقيلا، وتم استقباله ببرود، لكن ذلك انتهى -حسب المؤلف- حين سمع الرئيس العراقي كلمات عرفات "أين الكرم العراقي" أين الشهامة العربية؟ حيث قرر هو (صدام) ونائبه أحمد حسن البكر زيارة عرفات في مقره، حيث تنفس عرفات الصعداء عندما سمع جملة واحدة: لن تحتاجوا شيئا والعراق موجود.

ويقول نبيل عمرو إن عرفات دفع ثمنا باهظا لدعمه صدام خاصة في غزة الكويت ولاسيما من قبل العرب، إلا أن ما نجاه من المأزق هو حاجة الأميركيين له فيما سيأتي من أيام وشهور، وفي العملية التي حملت اسم عملية السلام.

سوريا ومصر
أما بالنسبة لحافظ الأسد، فكان عرفات بمثابة صداع دائم، وكانت خطط الدولة السورية والحزب القائد فيها تتجه نحو التغلغل في بنية الحركة الفلسطينية الوليدة، ومنذ ذلك الوقت ابتدع عرفات شعار "القرار الفلسطيني المستقل".

لقد ضاق الأسد ذرعا بمناكفات عرفات له، فاتخذ آخر الأمر قرارا بإبعاده عن الأراضي السورية، فأعلن عرفات -وهو يضع قدمه على سلم الباخرة التي أقلته من طرابلس بعد حصار سوري- "الآن انتهى النفوذ السوري على الشأن الفلسطيني".

أما "حجر الزاوية" مصر كما يسميها عرفات، حيث عبد الناصر ثم السادات ثم مبارك، فهو يرى أن "من لا تكون مصر معه سيصعب عليه إكمال أي شوط في سياساته المحلية والخارجية". ورحل عبد الناصر وقتل السادات وجاء مبارك ومصر هي مصر في حسابات ياسر عرفات.

في الفصل السادس، وقبل الأخير، يتناول المؤلف مشوار عرفات في البحث عن الشرعية الدولية خاصة لدى الاتحاد السوفياتي، ومن ثم مشوار التسوية.

وهنا يقول إن عرفات كان سعيدا بنبأ التفاهم الأولي بين الأميركيين والسوفيات حول التعاون في المسائل الإقليمية، وحكاية الحل الوسط "لأن ذلك كان يعني بالنسبة له مساحة للعب والحركة".

الحلم والكابوس
وفي الفصل السابع والأخير من الكتاب "أميركا الحلم والكابوس"، يوثق المؤلف للحقبة التي تدخلت فيها الولايات المتحدة بالحلول السياسية. معتبرا أنه من غير المنطقي "تحميل عرفات المسؤولية الكاملة عن الفشل"، أي في مفاوضات كامب ديفد 2000.

وفي هذه المرحلة، يقول إن الولايات المتحدة رهنت دخول عرفات للبيت الأبيض باعترافه الصريح بالقرار 242 ونبذ "الإرهاب"، فأنفق عرفات سنوات طويلة لتعديل هذا القرار دون جدوى. ويقول إن الحلم الأميركي داعب عرفات ولم يكن مجرد هدف سياسي يسعى إلى تحقيقه، بل تحول مع الزمن إلى مؤثر قوي في رهاناته وحساباته.

وبعد قصة طويلة كانت مكتظة بأحداث كبيرة آخرها حرب الخليج، اقترب عرفات كثيرا من تحقيق حلمه، حيث بدأ بلقاء عقد في تونس على مستوى السفير بليترو، لكن سرعان ما أوصد الباب من جديد بعد إصرار عرفات على احتضان أبو العباس المتهم أميركيا بـ"الإرهاب".

ومع ذلك –يتابع المؤلف- كانت واشنطن تراقب أداء عرفات، لكنها لم تستطع التخلص من تأثير عنصرين متعارضين: الأول عدم اليقين بإخلاصه في التعامل مع المتطلبات الأميركية لعملية السلام التي يجري الإعداد لها، والثاني الحاجة لقوة ونفوذ وشرعية ياسر عرفات.

وتم التغلب على الإشكاليات القائمة بتشكيل سياسي ليس له صلة رسمية بمنظمة التحرير وعرفات،  كان على رأسه حيدر عبد الشافي وحنان عشراوي وفيصل الحسيني، لكن عرفات لم يكن قابلا تماما للصيغة الأميركة، واختار لعبة مزدوجة قوامها مواصلة الحوار بواسطة وفد واشنطن، وفيما بعد الدخول في مسار سري مباشر مع إسرائيل أدى لاتفاق أوسلو.

كان عرفات يكثر من القول إن إسرائيل وأميركا فريق واحد، وكان لا يتوانى عن الدخول في عراك كلامي مع أي مسؤول أميركي، ومع ذلك كان يبحث في السلوك دائما عن مسام في الجدار لعله ينفذ منها

وهنا قدم عرفات –كما يقول عمرو- ما هو مطلوب منه لدخول البيت الأبيض، وأصبح بالنسبة لأميركا شريكا وطرفا مفاوضا، وتحقق حلم عرفات، لكن ذلك لم يتم حيث تحولت الولايات المتحدة إلى كابوس.

فكان عرفات يكثر من القول إنهم (إسرائيل وأميركا) فريق واحد يوزعون الأدوار فيما بينهم، وكان لا يتوانى عن الدخول في عراك كلامي مع أي مسؤول أميركي، ومع ذلك كان يبحث في السلوك دائما عن مسام في الجدار لعله ينفذ منها.

وهنا يذكر المؤلف ما دار بين الأمير السعودي بندر بن سلطان قبيل لقاء عرفات مع الرئيس بيل كلنتون في البيت الأبيض إبان مفاوضات كامب ديفد، إذ خاطب بن سلطان عرفات بلهجة صديق محب قائلا: "الأخ أبو عمار، أتحدث إليك بصفتين الأولى بصفتي عضوا ملتزما في حركة فتح: ... اقبل المبادرة (مبادرة كلنتون)، وإذا قبلتها فستكون في عهد الرئيس الجديد مبادرة البيت الأبيض...، وإذا رفضتها فسيضطر -كما قال لي- للبدء من الصفر. أما بصفتي سفير خادم الحرمين... فإنه سيكون مع أي خيار ستختارونه".

ويختم عمرو كتابه "في العاشرة صباحا وصل البيت الأبيض، وبعد رفضها، أغلق الملف الأميركي من القمة، وقيل إن بيل كلنتون أوصى سلفه جورج بوش بألا يستقبل عرفات البتة، وهذا ما كان".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك