عرض/ مركز الإعلام العربي

عندما هبت رياح ربيع ثوراتنا العربيّة ثارت مجموعة من التساؤلات الكبرى عن ما جرى، وأسباب هذا الذي جرى، ومستقبل هذا الحراك الثوري الذي يعتبر سابقة غير مألوفة في تاريخ المنطقة.

-الكتاب: أمتنا بين مرحلتين.. تأملات في الربيع العربي
-المؤلف: أحمد التلاوي
-الناشر: مركز الإعلام العربي -عدد الصفحات: 248
-الطبعة: الأولى/ 2013

لكن الجانب الأهم مما جرى هو ذلك المتعلق بدراسة الربيع العربي من زاوية كيفيَّة الاستفادة مما جرى من أجل استعادة خيريَّة الأمة، وقراءة ما جرى من زاوية أخذ العبرة والعظة منه، ثم الانطلاق لاستعادة الريادة الحضارية وأستاذيَّة العالم التي فقدتها الأمة في الجزء الأخير من تاريخها، بعد قرون الاستعمار الخارجي وكذلك الداخلي من جانب قوى الاستبداد والفساد.

وبين أيدينا كتاب بعنوان "أمتنا بين مرحلتين" للباحث المصري في شؤون التنمية السياسية أحمد التلاوي، يتناول في فصوله الخمسة العوامل التي أدت إلى اندلاع ثورات الربيع العربي، نموذج حالة ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 في مصر، وفي مقدمتها الفساد وغياب قواعد الحكم الرشيد.

كما يتناول الكتاب الذي جاء في صورة مجموعة من الدراسات والمقالات المُحكّمة، قواعد الحكم الرشيد والسياسة الشرعية، ومعالمها في تراثنا العربي والإسلامي، ويستنبط، من خلال كتب العمرانيين العرب والمسلمين قديمًا وحديثًا، القوانين التي تفسر ما وقع بين ظهراني الأمة في زمننا هذا.

ثورة مصر وغياب الحكم الرشيد
في مقدمته للكتاب، يركز المؤلف على عدد من الأمور الأساسية؛ الأمر الأول هو أن الربيع العربي والانتفاضات التي قامت بها الشعوب العربية إنما تعود إلى لحظات ونقاط زمنية تاريخية سابقة، وأنها لم تظهر من العدم، أو فجأة. أما الأمر الثاني فهو تشابه الأوضاع القائمة في المجتمعات العربية والإسلامية، والتي قادت إلى قيام الثورات التي لا يزال بعضها مندلعًا حتى الآن.

فيشير إلى أنه انطلق من الأوضاع في مصر لتدارس الأحوال في العالم العربي والإسلامي، باعتبار أن الحالة المصرية تختزل في طياتها الكثير من الأوضاع الأخرى في عالمنا العربي والإسلامي، كذلك وجد أن البحث في الأصول قد يساعد على إيجاد الحلول، بناء على القناعة بأن هناك الكثير من الأمور المطموسة في تراثنا العربي والإسلامي، والتي لو التفتنا إليها لعالجت الكثير من مشكلاتنا.

وفي هذا الإطار، جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان "قضايا سياسية ومجتمعية حول ثورة مصر"، وتناول عددًا من العوامل التي أدت إلى اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر. وركز المؤلف في الدراسات الخمس التي جاءت في هذا الفصل على دور غياب قواعد الحكم الرشيد، مثل المحاسبة والشفافية واحترام حقوق الإنسان، في خلق بيئة خصبة للثورة، مع شيوع الفساد والاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان، والأهم سوء توزيع الثروة والسلطة، بحيث خلقت سياسات نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك حالة من الفقر والتهميش الكاسحة.

ويقول: إن هذه الأوضاع، مع قصور الدولة في أداء واجباتها في المجال المجتمعي والاقتصادي، وتراجع دورها بشكل عام، قادت إلى فشل الدولة بالمعنى السياسي، وهو ما أدى إلى اجتراء جانب من الجماهير على رموز الدولة والنظام المخلوع في حالات كثيرة قبل الثورة، كما في المحلة الكبرى في أبريل/نيسان 2008م.

كما يتناول دور بعض الفئات الخاصة التي لعبت دورها في خلق وتعضيد الحالة الثورية في داخل المجتمع المصري، مثل العمال والفلاحين، وكذلك القضاة الذين كانت معركة فريق الاستقلال منهم مع النظام في صيف عام 2006م إحدى أهم نقاط البدء في حشد الشارع المصري للثورة ضد النظام المخلوع.

ويرى أن نجاح الثورة في مصر مرتبط بمدى قدرتها على إدارة الملفات الداخلية والخارجية للوطن بنجاح، مثل إعادة الاعتبار للمواطن، وخصوصًا طبقات المهمشين والفقراء، ورسم سياسة خارجية جديدة لمصر، تقوم على أساس استقلالية القرار السياسي، بما في ذلك التعامل مع الولايات المتحدة بنِدِّيَّة، وإعادة "تفصيل" شكل ومسار العلاقات، بما في ذلك توجيه ملف المعونة الأميركية بطريقة أخرى.

العمرانيون العرب وثوراتنا!
الفصل الثاني بعنوان "قضايا فكريَّة من وحي الربيع العربي"، ويتناول المؤلف في مقالاته ودراساته الخمس مجموعة من القضايا التأصيلية لما جرى ويجري في العالم العربي، فيرصد معالم مقولة شهيرة للمفكر الإسلامي الراحل علي عزت بيغوفيتش حول كيفية صناعة الشعوب لأصنامها، في صورة مستبدين، من خلال الخنوع والارتهان لإرادة الحاكم وترك الحقوق.

كما يتناول موقف المفكرين والعمرانيين العرب والمسلمين عبر التاريخ من فكرة الثورة، وكيف تنبأ هؤلاء بما جرى في العامين الماضيين، فيتناول كتابات ابن خلدون وابن أبي الربيع، وغيرهما من العمرانيين العرب والمسلمين، حول فشل المجتمعات وعوامل الثورات، وكيف تشابهت أدبيات هؤلاء مع الظروف التي قادت إلى ثورات الربيع العربي في عصرنا الحالي.

الدم يهزم السيف, أما إذا تحولت المواجهة إلى سيف مقابل سيف فإن الأنظمة المستبدة لا تسقط بسهولة، وهو أمر جليٌّ عند المقارنة بين حالتيْ الثورة في مصر وتونس وحالتي ليبيا وسوريا

كما يتناول أفكار أصحاب المدارس الإصلاحية في العصر الحديث، مثل الكواكبي وحسن البنا ورشيد رضا ومن قبلهم جمال الدين الأفغاني، وكيف شرحوا ظاهرة الاستبداد، وعملوا على وضع أسس فكرية للحركة الاحتجاجية للمجتمعات ضد نير الظلم والاستبداد، سواء أكان داخليًّا أم خارجيًّا في صورة مستعمِر أجنبي.

ومن بين الأفكار التي يركز عليها الكاتب في هذا الفصل أهمية سلمية الاحتجاجات الشعبية في هزيمة الاستبداد أيًّا كانت درجة قوته، فيشير إلى أن الدم يهزم السيف من خلال الخبرة التاريخية للاحتجاجات في العالم العربي والإسلامي، أما إذا تحولت المواجهة إلى سيف مقابل سيف، فإن الأنظمة المستبدة لا تسقط بسهولة، وهو أمر جليٌّ عند المقارنة بين حالتيْ الثورة في مصر وتونس وحالتيْ ليبيا وسوريا.

وهنا يدعو الكاتب إلى إعادة قراءة التراث السياسي والفكري الإسلامي، بعد أن ثبت بُعد نظر من كتبوه في توصيف حالتنا والتنبؤ بها، بعد أن حرصت أنظمة الاستبداد السابقة على دفن هذا التراث، ويطرح لذلك نموذجًا مهمًّا وهو فكر الإمام الشهيد سيد قطب.

الدولة والحكم في الإسلام
الفصل الثالث كان بعنوان "قضايا وإشكاليات حول الدولة والحكم في الإسلام"، وجاء في سبع دراسات ومقالات أساسية ترد على المزاعم التي تقول: إن الإسلام لا يعرف فقه السياسة، ولا يعرف كيفية إدارة شؤون الدولة بالمعنى الحديث، فيتناول أركان الدولة والحكم، وكيف نظمها الإسلام، من الزاوية النظرية والأسس الفكرية، ومن الزاوية التطبيقية، من خلال الخبرة التاريخية لدولة النبوة والخلافة الراشدة.

فيتناول مصطلح "الأمن المجتمعي"، وأهميته ضمن أركان وقواعد الحكم الرشيد، وكيف نظمه الإسلام سياسيًّا ومؤسسيًّا، والدولة كضرورة حضارية في الإسلام، من خلال أفكار الإمام الشهيد حسن البنا وأدبيات الإخوان المسلمين.

كما يؤكد أن الإسلام وضع ونظّم قواعد الحكم الرشيد منذ ما قبل صياغة هذا المصطلح بأكثر من أربعة عشر قرنًا، فعرض المحاسبة والمسؤوليّة في العمل العام في الشريعة الإسلامية، وكيف التزم بها الخلفاء الراشدون في خطابات التكليف التي كانوا يلقونها على الأمة، وفي سلوكهم العام.

كما قدم صورة متكاملة عن قضية إمكانية تقنين الشريعة الإسلامية، ورسم دساتير البلاد منها، من خلال نموذج مهم من دولة النبوة وهو "وثيقة المدينة"، التي سبقت "الماجنا كارتا" الإنجليزية بقرون طويلة، ومحاولات عصرية كتلك التي قام بها المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة. كما عرض لنموذج سقيفة بني ساعدة، وكيف يعكس فكرة التداول السلمي السلطة بمعناه الحديث في الإسلام.

الإسلام دين ثوري
الفصل الرابع بعنوان "حول الفكر السياسي والحركي الإسلامي"، ويتناول في 12 مقالاً ودراسة عددًا من القضايا عن واقع المسلمين في عصرنا الراهن من الزاويتين الفكرية والعملية الحركية، فيرد على بعض الأباطيل بأن الإسلام دين استكانة وخضوع للحاكم، فيبرز الطابع الثوري للإسلام، كما يتناول الإطار السياسي والاجتماعي لقضية التخلف في عالمنا العربي والإسلامي، وقضية الاعتلال الإيماني، معتبرًا إياها أخطر أدواء الأمة.

الإسلام لا يدعو إلى إقصاء الآخر، وإنما يرى أن الحوار مع هذا الآخر -أيًّا كان- إنما هو ضرورة إنسانية، وتعاليم الإسلام تجعل من تمام العقل والروح لدى الإنسان أهم أهداف هذا الدين

كما يطرح قضية التجديد الإسلامي، والعقبات التي تعترضها، ويقول: إنه يمكن الانطلاق من إعادة التنشئة السياسية والاجتماعية على منهاج الإسلام للمجتمعات العربية والإسلامية في تحقيق التغيير والتجديد المنشودَين.

كذلك يتناول قضية شديدة الأهمية في وقتنا الراهن، مرتبطة بقضية الدم الذي هزم السيف، وهي الحركة الإسلامية بين نهج العنف والتغيير الشعبي السلمي، ويثبت من خلال التجربة التاريخية أن النهج التدرجي السلمي الذي يعتمد على المجتمعات هو الأنجح، من خلال نماذج عدة، مركزًا على الإخوان المسلمين في مقابل تنظيم القاعدة، إلا أنه حرص على تأكيد أن الحركة الإسلامية تنطلق من وحدة الهدف والغاية وإن اختلف النهج.

أما الفصل الخامس والأخير من الكتاب فقد كان بعنوان "هوامش فكرية حول الإسلام"، وكان بمثابة محاولة رد على مجموعة من الاتهامات التي يرددها أعداء المشروع الإسلامي في هذه المرحلة، فيشير إلى أن الإسلام لا يدعو إلى إقصاء الآخر، وإنما يرى أن الحوار مع هذا الآخر -أيًّا كان- إنما هو ضرورة إنسانية، كما يشير إلى أن تعاليم الإسلام تجعل من تمام العقل والروح لدى الإنسان أهم أهداف هذا الدين.

فيشير إلى أن الإسلام بوسطيته لم يعرف أمراض العصر الحديث مثل الفراغ الرُّوحي، ويحدد كيف عالج الإسلام مشكلاتنا الثقافية والمعرفية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك