عرض/ أحمد التلاوي

تُعتبر العلاقات الروسية الشرق أوسطية أحد أهم عناوين ومضامين الأمن القومي والسياسة الخارجية لموسكو منذ عقود طويلة، وشهدت هذه العلاقات الكثير من التجاذبات والتحولات منذ أن ظهرت حاجة روسيا إلى المنطقة، على عدة مستويات سياسية واقتصادية، وغير ذلك.

ولقد لعبت روسيا في هذه الإطار دورًا كبيرًا في رسم السياسة الإقليمية، من خلال تأثيرات سياسية واقتصادية وفي كثير من الأحيان عسكرية، وهو ما جعل روسيا -وخصوصًا في العقود التي تلت تأسيس الاتحاد السوفياتي السابق- لاعبًا رئيسيًّا في الشرق الأوسط.

- الكتاب: دور روسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. من بطرس الأكبر حتى فلاديمير بوتين
- المؤلف: د. ناصر زيدان
- عدد الصفحات: 319
- النَّاشر: الدار العربية للعلوم (ناشرون)، بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2013

وبين أيدينا كتاب للباحث اللبناني في العلوم السياسية والقانون الدولي العام الدكتور ناصر زيدان، بعنوان "دور روسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. من بطرس الأكبر حتى فلاديمير بوتين"، وهو خلاصة لسلسلة من الأبحاث الواسعة النطاق، شملت حقبة طويلة امتدت أكثر من 300 عام، يعالج فيها الدور الروسي في الشرق الأوسط وأفريقيا، منذ حكم القيصر بطرس الأكبر وحتى فترة الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين.

ويهدف الكتاب إلى معرفة أسباب اهتمام روسيا بالشرق الأوسط وقضاياه ومشكلاته الرئيسية، وتحديد ما إذا كان ذلك يعود إلى خلفيات ومصالح اقتصادية، أم سياسية، أم لأهداف دينية، أو لكل ذلك معًا.

ويتكون الكتاب من خمسة فصول، يتناول أولها روسيا القيصرية وسياساتها في الشرق الأوسط، والثاني علاقات روسيا وسياساتها في المنطقة خلال مرحلة الاتحاد السوفياتي السابق، ثم يتناول الفصلان الثالث والرابع سياسة روسيا الاتحادية في الشرق الأوسط منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق في مطلع التسعينيات الماضية وحتى الوقت الراهن، فيما يتناول الفصل الخامس موقف روسيا من ثورات الربيع العربي.

والمعلومات الواردة في الكتاب تغطي مساحة زمنية واسعة، وإطارًا سياسيًا إقليميًا ودوليًا أوسع من مجرد مواقف وسياسات موسكو إزاء المنطقة؛ حيث تعطي خلفية واضحة عن مسارات السياسة العالمية في القرون الثلاثة الأخيرة، كما يعالج مواقف موسكو من الأحداث والمستجدات في العالم العربي.

محددات جيوسياسية وقانونية
ركز الكتاب في تناوله لتاريخ وصيرورات السياسة الروسية في المجال الزمني الذي اختاره، على مجموعة من المحددات التي صاغت السياسة الروسية في المنطقة العربية والمجال الشرق أوسطي لها.

ومن أبرز هذه المحددات، الاحتياجات الروسية ذات الطابع الجيوسياسي والاقتصادي، مثل الحصول على موطئ قدم لها في منابع الطاقة الرئيسية بالخليج العربي وشمال أفريقيا، وكذلك الوصول بأساطيلها إلى المياه الدافئة، وضمان مصالحها التجارية والسياسية ذات الصلة.

وهنا كان للموانئ والمعابر المائية التركية أهمية خاصة، باعتبار أنها المنفذ الوحيد لروسيا وأوكرانيا والبلاد السلافية في شرق وشمال شرق أوروبا على المياه الدافئة في البحر الأسود ومن ورائه البحر المتوسط.

كذلك كان هناك العديد من المرتكزات القانونية التي تحركت من خلالها روسيا في العصر الحديث، في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي السابق، وظهرت هذه المرتكزات بالأساس في ملف مكافحة ما يُعرف بالإرهاب الدولي، والاهتمام الروسي السياسي والقانوني بهذه المسألة يُعتبر سابقًا على الاهتمام الأميركي؛ حيث يعود ذلك إلى التسعينيات الماضية، عندما تفاعلت أزمة الشيشان الأولى والثانية.

روسيا القيصرية والدين
تناول زيدان في البداية فترة حكم آل رومانوف لروسيا القيصرية، والتي دامت ثلاث مائة عام، ولكن أهمية هذا الجزء تتجاوز مجرد رصد فترة حكم آل رومانوف؛ حيث إنه يعرض الثوابت الإستراتيجية التي حكمت وتحكم سياسة روسيا، على مدى عمر الدولة الروسية الممتد على ما يزيد على الألف ومائتي عام.

بطرس الأول الذي حكم روسيا في مطلع القرن الثامن عشر، هو أول من بدأ في تبني سياسة إمبراطورية عالمية لروسيا خارج حدودها

ومن بين هذه الثوابت قضية الحدود الشاسعة للبلاد، وخصوصًا مع الجنوب الإسلامي والعربي، والغرب السلافي في شرق أوروبا وجنوبها في البلقان؛ حيث إن الجنوب الإسلامي والعربي يتضمن مصادر الطاقة والموانئ والممرات المائية الدافئة، أما الغرب السلافي فهو الامتداد الطبيعي لروسيا في أوروبا باعتبار الانتماء العرقي والديني.

وكان بطرس الأول الذي حكم روسيا في مطلع القرن الثامن عشر، هو أول من بدأ في تبني سياسة إمبراطورية لروسيا خارج حدودها، وساعد على ذلك التوسع قيام القيصرة كاترين الثانية بتبني ما يعرف بـ"وثيقة التسامح الديني" في عام 1785، والتي ظلت إحدى أهم مرجعيات السياسة الخارجية الروسية حتى قيام الثورة البلشفية في عام 1917.

المرتكز الأساسي لروسيا في سياساتها الخارجية في هذه الفترة كان كونها المحضن الأول للمسيحية الأرثوذكسية، بعد انهيار الدولة البيزنطية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، ولا تزال -بعد انهيار الحكم الشيوعي فيها- هي الموئل الأهم للمسيحية الأرثوذكسية في العالم، وهي من بين أهم الأدوات التي تعتمد عليها روسيا في سياساتها الإمبراطورية منذ ذلك الحين وحتى الآن.

ويقول زيدان إن روسيا اعتبرت نفسها وريثة الدولة البيزنطية وتصرفت على هذا الأساس، ومن بين أبرز مظاهر ذلك أن لفلسطين والقدس -باعتبار أنها مكان ميلاد السيد المسيح عليه السلام- مكانة رمزية شديدة الأهمية لدى الروس، ولذلك يمكن تفسير الهجرة الكبيرة لليهود الروس إلى إسرائيل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، والتي وصلت إلى مليون يهودي روسي في بضعة أعوام.

وكان أهم ما تناوله في هذه الفترة التاريخية هو حرب روسيا مع الدولة العثمانية، وتصديها للعثمانيين في مناطق وجود العرق السلافي، وهو ما قاد -في فترات ضعف الخلافة العثمانية- إلى توسع روسيا في البحر الأسود، وسيطرتها على شبه جزيرة القرم، وهو جزء من محاولاتها الدائمة منذ عصر بطرس الأكبر للوصول إلى المياه الدافئة، مما زاد تمددها الاستعماري نحو مناطق وسط آسيا الإسلامية.

الشيوعيون في موسكو
في فترة الحكم السوفياتي، قيد البلاشفة الشيوعيون أداة روسيا الأساسية في الهيمنة الإمبراطورية وهي الكنيسة؛ حيث أقدم ستالين على تدمير آلاف الكنائس والأديرة، وهو ما كان له دور في عدم قبول الروس -الذين يقول الكاتب إنهم متدينون بطبيعتهم- للحكم الشيوعي.

كانت القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي محكين مهمين للسياسة الروسية في العالم العربي والشرق الأوسط في فترة الاتحاد السوفياتي السابق، وكانت العلاقات العربية والإسلامية الروسية في ذلك الحين موزعة ما بين المحور الذي تمثله دول عدم الانحياز والتي تتبنى فكرة القومية العربية، مثل مصر وسوريا والجزائر، والدول التي كانت تسير في الفلك الغربي، مثل المملكة العربية السعودية، والعراق قبل ثورة عبد الكريم قاسم.

وكانت هذه العلاقات بين روسيا والشرق الأوسط محطة مهمة من محطات الصراع مع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، ثم مالت العلاقات بين العالم العربي والإسلامي وروسيا إلى التوتر والأزمة بعد اختفاء بعض الأنظمة القومية في السبعينيات، وعلى رأسهما نظام جمال عبد الناصر في مصر، واندلاع الثورة الإيرانية والغزو السوفياتي لأفغانستان.

القوميون الروس يعودون!
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي -في مطلع التسعينيات الماضية- لم تهدأ العلاقات مع الغرب، فباستثناء فترة الأزمة الاقتصادية التي حكم فيها بوريس يلتسين، تبنى خلفه الرئيس الحالي فلاديمير بوتين سياسة تصادمية مع الغرب، عامدًا في الوقت ذاته إلى بناء مقدرات الدولة الروسية مجددًا، والسعي لامتلاك عناصر القوة الاقتصادية.

عمل بوتين من منظور قومي بحت، واستغل خلفياته كرجل مخابرات سابق في العمل على تدعيم أركان الدولة، ومواجهة الغرب في الكثير من مناطق نفوذه

وعمل بوتين من منظور قومي بحت، واستغل خلفياته كرجل مخابرات سابق في العمل على تدعيم أركان الدولة، ومواجهة الغرب في الكثير من مناطق نفوذه، ولذلك يمكن فهم أبعاد الأزمة التي ثارت بين الغرب وروسيا في الكثير من الملفات، مثل الغزو الأميركي/البريطاني للعراق، وأزمة الملف النووي الإيراني.

ولكن على الرغم من كل هذه التحولات في الأوضاع السياسية الإقليمية والعالمية ظل الكثير من المحددات الأساسية للسياسة الروسية والمتوارثة من الحقبة القيصرية باق إلى الآن، مثل حاجة روسيا للموارد الطبيعية الموجودة في المنطقة، وخصوصًا مصادر الطاقة، وبالتالي فهم الصراع الدائر حاليًا على خطوط إمداد النفط والغاز بين روسيا والغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة.

وتبقى ملاحظات مهمة على الكتاب، أولها أنه بالرغم من أن المؤلف عربي؛ فإنه مال إلى التصنيف الجيوسياسي الغربي للمنطقة؛ فلم يطلق عليها اسم العالم العربي، أو العالم العربي والشرق الأوسط، وإنما آثر استخدام التوصيف الغربي للمنطقة، وهو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا!

الملاحظة الثانية، هي أن الكاتب كان شديد التعصب ضد دولة الخلافة العثمانية، ولم يكن على قدر كبير من الموضوعية في تناوله لها؛ حيث يزعم أنها اضطهدت المسيحيين، ويبرر التدخل الروسي ضد الأتراك في البلقان "لحماية السلاف" من الأتراك، كما يبرر الحرب التي شنتها روسيا على الشيشان وداغستان في التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة باعتبارٍ "أخلاقي وقانوني" وهو "مكافحة الإرهاب"، وهو قول يجافي الكثير من الحقائق الموضوعية والتاريخية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك