عرض/ عدنان أبو عامر

يقدم الكتاب الصادر حديثاً ما يعتبرها معلومات "حصرية" وغير مسبوقة، تتعلق بالتطورات السرية الداخلية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، سواء على صعيد عملها العسكري أو اتصالاتها مع الدول الغربية، مستنداً إلى محاضر أمنية، واعترافات أدلى بها كوادر الحركة خلال التحقيق معهم من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية عن خططهم العملياتية لاستهداف الجنود والمستوطنين، مع الإشارة إلى أهم التصورات الإسرائيلية للتعامل مع الحركة على الصعيدين السياسي والعسكري.

- العنوان: اعرف حماس
- المؤلف: شلومي ألدار
- عدد الصفحات: 419

- دار النشر: كيتر، تل أبيب
- الطبعة: الأولى 2012

وتنبع أهمية الكتاب من كون المؤلف شلومي ألدار وثيق الصلة بالعديد من قيادات حماس بحكم عمله الصحفي، فضلاً عن كونه شبه مقيم في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويتهمه بعض الإسرائيليين بالتعاطف مع الفلسطينيين لكونه يعمل مراسلاً في أراضيهم منذ أكثر من عقدين من الزمن.

يقدم الكتاب ما قال إنها أمور جديدة على القارئ الإسرائيلي في ما يخص سياسة حكوماته تجاه حماس، بعيداً عن الشعارات الانتخابية والضجيج الدعائي، ومن بينها أن رئيس الحكومة الأسبق أرييل شارون وصل إلى تفاهم مع رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل عبر طرف ثالث بترتيبات سرية بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين عام 2004، ومفادها "لا اغتيالات إضافية مقابل وقف العمليات الفدائية"، وهو ما يتعارض مع ما أعلنه وزراء الحكومة بعدم التفاوض مع حماس.

كما يكشف ما قال إنها تفاصيل أولية عن لقاءات سابقة أجراها القيادي في الحركة بقطاع غزة محمود الزهار مع رئيس الحكومة الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين والرئيس الحالي شمعون بيريز أواخر ثمانينيات القرن الماضي قبيل اندلاع انتفاضة الحجارة.

ويوثق الكتاب ما أجراه رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (شاباك) السابق يوفال ديسكين عام 2006، من اتصالات سرية وغير مباشرة مع الحركة بموافقة رئيس الوزراء في حينه إيهود أولمرت، بواسطة مبعوث أوروبي. وجاء ذلك قبيل أسر الجندي جلعاد شاليط، وبعيد فوز حماس في الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006، حيث التقى المبعوث بخالد مشعل ونائبه موسى أبو مرزوق والقيادي عماد العلمي، وبحث معهم في وثيقة تضمنت تفاصيل حول علاقات الحركة وإسرائيل في المستقبل.

توازن القوى
الكتاب يذهب باتجاه استحالة القضاء على حماس كحركة اجتماعية دينية سياسية لها امتدادات تاريخية في المجتمع الفلسطيني، وهو يؤكد بذلك ما ذهب إليه الباحثان الإسرائيليان شاؤول مشعال وأبراهام سيلع، لأنهما انطلقا في نظرتهما للحركة من الزاوية العملية.

لكن المؤلف يذهب إلى محاولة "تفكيك" بنية حماس التنظيمية، والإشارة إلى أبعادها السياسية الواقعية، بعيداً عن الاصطفاف خلف ضغوط إدراجها في قوائم المنظمات الإسلامية المصنفة إسرائيلياً وغربياً تحت بند "الإرهاب"!

ويقول إن حماس ككل حركة سياسية أو عسكرية، تحاول الجمع بين كلا المركبين: الجناح السياسي الاجتماعي الخدماتي، والعسكري المسلح الفدائي، وهي بذلك ليست بعيدة عما أسماها "توازن القوى الداخلية" بين الساسة والعسكر، محاولاً بذلك إعطاء القارئ صورة نمطية عن كيفية اتخاذ القرارات داخل قيادة حماس.

ويستشهد المؤلف على ما يقول بحادثة أسر الجندي الإسرائيلي في غزة، زاعماً أن العملية التي وقعت فجر يوم الأحد 25 يونيو/حزيران 2006 لم تعلم بها قيادة الحركة السياسية في غزة ولا في دمشق، بل إنها كانت بمبادرة وتنسيق ومباركة من الجناح العسكري كتائب القسام وقائدها أحمد الجعبري الذي اغتالته إسرائيل خلال الحرب الأخيرة.

على صعيد آخر، يقدر الكتاب بأن إسرائيل لم تنجح في استثمار ما أسماها دعوات "براغماتية" كانت تصدرها بعض قيادات حماس لمنح المفاوضات فرصة أخرى من الزمن، وهو ما قد يعمل على تضاؤل فرص هذه الدعوات وأصحابها، ويفسح المجال لمن أسماهم "الراديكاليين" الداعين دائماً إلى امتشاق السلاح ومقاتلة إسرائيل.

ما يمنح الكتاب جذباً إضافياً لدى القراء الإسرائيليين، أن مؤلفه كما يقول لم ينشره استناداً إلى مقالات مكتوبة أو تصريحات علنية، ولم يكتف بذلك، بل إنه يستند إلى وثائق ترى النور لأول مرة عبر كتابه هذا، ومعلومات حصل عليها من صناع قرار إسرائيليين لم يشأ أن يفصح عن هوياتهم، وتسريبات وصلت إليه من محافل فلسطينية مطلعة.

وقبل ذلك وبعده، يعتبر المؤلف نفسه ضيفاً مرحّباً به لدى قيادات حماس الكبيرة في غزة أمثال إسماعيل هنية ومحمود الزهار، بل حظي بتصريح حصري من خالد مشعل حين زار موسكو في الثلث الأول من العام 2006، وطار ألدار هناك متعقباً إياه في مهمة صحفية!

المؤلف يعتبر كتابه تصحيحاً لنظرة إسرائيلية مغلوطة عن حماس، متهماً بذلك دوائر صنع القرار في تل أبيب وأجهزة المخابرات، لأنها اكتفت بتعريفها للحركة على أنها "عدو" يجب قتاله فقط! دون الدخول في أعماقها وبنيتها وتصوراتها وتكتيكاتها وإستراتيجياتها وتحالفاتها وخصوماتها.

وهي بذلك تخطئ ذات الخطأ الذي ارتكبته في سنوات ما قبل اندلاع انتفاضة الحجارة عام 1987، حين سمحت للتيار الديني بالظهور والانتشار في الأراضي الفلسطينية ظناً منها أنه بعيد عن السياسة، وستستفيد منه في إضعاف وإقصاء منظمة التحرير ذات التوجهات العلمانية، لكن حماس سرعان ما تحولت إلى حركة مسلحة كبدت إسرائيل خسائر بشرية غير مسبوقة في غفلة من أجهزة مخابراتها الأمنية.

كما تكرر الإخفاق ذاته حين لم تتوقع الاستخبارات الإسرائيلية أن تفوز حماس في تشريعيات 2006 بصورة جارفة غير مسبوقة، مما أدى إلى اتخاذ قرار "هستيري" بمقاطعة حكومة حماس المنتخبة وفرض حصار عليها، وكل ذلك مرده إلى انعدام نظرة واقعية للحركة، وسوء تقدير في مدى نفوذها الشعبي وامتدادها الجماهيري.

يعتبر المؤلف أن إسرائيل بعد كل هذه الجولات الدامية الموجهة ضد حماس لم تستطع -أو لا تريد- أن تفهم أن حماس ليست مجموعة من المسلحين يمكن قتلهم واحداً تلو الآخر

نهاية حماس!
يستعرض الكتاب جملة من التوقعات التي ترصدها جهات الاختصاص في تل أبيب حول مستقبل حماس في الساحة الفلسطينية، من خلال العديد من الإجراءات العنيفة الدامية التي اتخذتها ضد الحركة، سواء اغتيال قياداتها التاريخية أو فرض الحصار المحكم "غير الإنساني". لكن من وصفهم المؤلف "بالقساميين" ما زالوا يطلقون الصواريخ على مدن إسرائيل، مما يعني فشل جميع السبل للقضاء عليها، واعتبارها كأن لم تكن في "سفر" تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

يعتبر موشي ألدار أن إسرائيل بعد كل هذه الجولات الدامية الموجهة ضد حماس لم تستطع -أو لا تريد- أن تفهم أن حماس ليست مجموعة من المسلحين يمكن قتلهم واحداً تلو الآخر، بل هي حركة تمتاز بطابع مؤسسي منظم وببناء هيكلي صارم، وتتم إدارتها على ضوء معطيات سياسية بعينها، ولذلك لن تتأثر على المدى البعيد بغياب هذا القائد أو ذاك، رغم الخسارة الأليمة التي قد تصاب بها لفقدانه على المدى الفوري.

ويتفق مع من يقول من داخل الساحة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أن الجيش لن يكون بمقدوره وضع حدٍّ نهائي لحماس بوسائل القوة، وأن أفضل سبيل للخروج من العلاقة "الصفرية" معها يكمن في البحث عن سبل آفاق سياسية جديدة، وإلا فإن استمرار ذات السياسة الأمنية تجاه الحركة لن تكون سوى وصفة "كارثية" لمزيد من الألم والدموع للجانبين، وهو ما يعني -وإن لم يصرح المؤلف بذلك- إقراراً بعجز القوة الإسرائيلية عن القضاء عليها، بعد أن رفعت إسرائيل شعارها بأن "ما لم يأتِ بالقوة، يأتي بمزيد من القوة" في مواجهة حماس.

المؤلف الذي واكب معظم الحملات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس في غزة خلال السنوات الماضية، يقدم تشخيصات ميدانية من قلب القطاع عما عايشه قبل تلك الحروب وخلالها وبعدها، لاسيما "الرصاص المصبوب" عام 2008، معتبراً أن تلك المواجهات لا تشبه أي حرب خاضتها إسرائيل من قبل، لأن مقاتلي حماس تحولوا مع تكرار هذه الحروب إلى ما يشبه "الوسادة"، كلما وجهت لهم لكمة ارتدوا بقوة، وكأنهم لم يتلقوا اللكمة!

ألدار الذي أجرى العديد من المقابلات واللقاءات مع جملة من صناع القرار الإسرائيلي ممن أنيطت بهم مهمة مواجهة حماس، ينقل على ألسنتهم ما اعتبرها مشاعر اليأس والإحباط، لأن الحركة نجحت -بعد ما تعرضت له من ضربات- في تنفيذ سلسلة من العمليات الفدائية، مما يشير إلى أن أقل ما يمكن أن يقال هنا أن حديث إسرائيل عن تقليص قدراتها أمر ليس مبالغا فيه فقط، بل هو محض خيالات وانتصارات وهمية عليها، وإعلانات فارغة من أي مضمون!

كما يطالب جموعَ السياسيين الإسرائيليين ممن طالبوا باتباع سياسة العصا ضد حماس، بأن يخرجوا عما اعتادوا عليه في السابق عبر التخلي عن الكثير من المسلَّمات التي تعلقوا بها في الماضي، لاسيما مواصلة الحديث عن إمكانية الحسم الأمني في مواجهة الحركة، لأن عملياتها المستمرة بعد كل تلك الجهود المبذولة تدلّ على أن هذه إمكانية غير واقعية مطلقاً، ومن يواصل الحديث عن الحسم العسكري فهو بلا شكّ يوهم نفسه فقط! ومن يواصل تكرار هذه القناعة فإن مزيداً من خيبات الأمل ستكون من نصيب إسرائيل!

المؤلف يطالب جموع السياسيين الإسرائيليين بالتخلي عن الكثير من المسلَّمات التي تعلقوا بها في الماضي، لاسيما مواصلة الحديث عن إمكانية الحسم الأمني في مواجهة حماس

يورد المؤلف عشرات الأقوال والتصريحات التي تعبر عن تململ في أوساط النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية من مدى القدرة الفعلية على القضاء على حماس دفعة واحدة وإلى الأبد، مبدياً تشكيكه في جدوى هذه السياسة ومحذرا من عواقبها، لأن من شأن الإمساك بالخيار العسكري وحده تبديد إنجازات الحملات العسكرية من جهة، وزيادة دوافع المقاومة بين مسلحي حماس من جهة أخرى، وتغييب "الأصوات المعتدل" داخلها من جهة ثالثة.

إسرائيلي في فلسطين
مؤلف الكتاب موشي ألدار (56 عاما) مراسل صحفي ومحلل الشؤون العربية والفلسطينية في التلفزيون الإسرائيلي منذ عشرين عاما، حاز درجة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من الجامعة العبرية، وحصل على جائزة "سوكولوف" للصحافة.

كما حصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي عن فيلم "الحياة عزيزة" الذي سرد فيه قصة طفل فلسطيني مريض لا يستطيع السفر إلى الخارج للعلاج بسبب الإغلاق الإسرائيلي، بينما حاول أن يوثق لتجربته الصحفية في الأراضي الفلسطينية عبر كتاب أسماه "غزة كالموت" الذي لقي رواجاً كبيراً غير متوقع.

المؤلف يحتفظ في أجندته الشخصية بالعشرات من أسماء ساسة وكتاب وصحفيين ومسلحين فلسطينيين، وهو يتحدث العربية بصورة مقبولة تعينه على إجراء حواراته المباشرة مع صناع القرار الفلسطيني، وخلال عمله في قطاع غزة خاض مواجهات إعلامية مع قيادة الجيش الإسرائيلي لانتقاده ممارساته غير القانونية بحق الفلسطينيين، خاصة سياسة هدم المنازل والاغتيالات والعقوبات الجماعية ضدهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك