عرض/ بدر محمد بدر

يقدم هذا الكتاب لمؤلفه أحمد أبو الغيط جانبا من ملامح وقضايا وتعقيدات صناعة السياسة الخارجية المصرية، وبخاصة في الفترة من عام 2004 وحتى قيام الثورة في يناير/كانون الثاني 2011، وأسلوب إدارة هذه السياسة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وصولا إلى أهم تحديات الـ45 يوما الأخيرة في حياة النظام السابق.

-الكتاب: شهادتي
-المؤلف: أحمد أبو الغيط
-الناشر: دار نهضة مصر, القاهرة
-عدد الصفحات: 536
-الطبعة: الأولى/ 2013
ومؤلف الكتاب هو أحد رموز هذه المرحلة، منذ أن تولى مهام وزارة الخارجية في يوليو/تموز 2004، وحتى خروجه من الوزارة عقب قيام الثورة، بما يعني أن الكتاب يحوي الكثير من الأوراق والأسرار والمواقف، التي يطرحها أمام القارئ.

ويتكون الكتاب من مقدمة وثلاثة عشر فصلا، مليئة بالتفصيلات الكثيرة والإسهاب الشديد والتحليل الدقيق، منذ أن تم تكليف أبو الغيط بالوزارة خلفا للوزير السابق أحمد ماهر.

ويبدأ المؤلف بالقول إن الرئيس مبارك كانت تحكمه مسألة السن في الكثير من القرارات الخاصة بتعيينات الوزراء والمسؤولين الكبار بصفة عامة، وعندما عرض عليه وزير الخارجية عصمت عبد المجيد -الذي تم اختياره في أبريل/نيسان عام 91 لتولي أمانة جامعة الدول العربية- ترشيح أحمد أبو الغيط لتولي الوزارة خلفا له، رفض مبارك بدعوى صغر سن المرشح وقتها (49 عاما)، لكنه وافق عليه بعد ذلك، عندما بلغ الثانية والستين من العمر.

الرئيس صاحب القرار
ويقرر المؤلف أن الرئيس المصري دائما، سواء عبد الناصر أو السادات أو مبارك، هو الفاعل الرئيس وصاحب القرار التوجيهي المؤثر في كل ما يتعلق بالشؤون الخارجية المصرية، كما أن هناك مؤسسات وأشخاصا يظهرون ويختفون طبقا لإرادة ذلك الرئيس، وعندما تولى أبو الغيط الوزارة اكتشف أن السفير أسامة الباز، وهو الشخص المقرب جدا من مبارك منذ عام 1976، لم يعد يلعب نفس التأثير الكبير في صنع وتنفيذ السياسة الخارجية المصرية، وأن مبارك لم يعد يعتمد عليه كما كان يحدث طوال أكثر من ربع قرن، دون أن يحدثنا المؤلف عن أسباب ذلك.

وفي الأسابيع الأولى للمؤلف في الوزارة تأكد لديه فقدان "مبارك" الاهتمام بالكثير من مسائل السياسة الخارجية وشخصياتها وقضاياها على المستوى الدولي، بينما كان أسيرا لعلاقات مع شخصيات رئيسة، في مقدمتها: الرؤساء الفرنسيون كلهم، والمستشارون الألمان، وكبار مسؤولي إيطاليا، وكان هناك رصيد كبير من التعامل بسبب طول فترة الحكم، ومع ذلك كان هناك أيضا الإحساس بالملل لدى الرئيس.

يحمل المؤلف السلطات السودانية في تلك الفترة مسؤولية الوصول إلى حتمية الانفصال، بسبب عدم سماعهم للنصائح المصرية

وفي الفصول الستة الأولى من الكتاب يتحدث المؤلف عن رحلة حياته حتى التحاقه بوزارة الخارجية، ثم تدرجه في العمل الدبلوماسي، حتى وصل إلى منصب رئيس وفد مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، قبيل تكليفه رسميا بمهام وزارة الخارجية، وأهم القضايا التي تعرض لها خلال تلك الرحلة، ومن هذه القضايا: محاولة توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي، وطموح عدد من الدول الأفريقية في العضوية الدائمة، ومنها مصر ونيجيريا وجنوب أفريقيا، ومنها قضية مياه النيل، والاهتمام بدول حوض النهر، ودعم التعاون المصري معها، باعتبارها من قضايا الأمن القومي المصري.

تقسيم السودان
ويتحدث المؤلف في الفصل السابع عن تقسيم السودان، ابتداء من توقيع اتفاق "نيفاشا" الكينية في التاسع من يناير/كانون الثاني 2005، الذي ينص على وقف إطلاق النار بين الجيش السوداني وقوات الحركة الشعبية، وإقامة فترة انتقالية مدتها ستة أعوام، يتعاون خلالها الشمال والجنوب في حكم البلاد ويتولى رئيس الحركة الشعبية "جون قرنق" منصب النائب الأول للرئيس السوداني، مع حقه في تشكيل حكومة في الجنوب خلال تلك السنوات الست، تنتهي باستفتاء شعبي لأهل الجنوب، عما إذا كانوا يرغبون في الاستمرار مع الدولة أو الانفصال بشكل نهائي، فإذا ما جاءت نتيجة الاستفتاء بتأييد الانفصال، يتم ذلك بعد ستة أشهر، وهو ما حدث بالفعل.

ويشير المؤلف إلى أن مشاعر الفرح والصخب التي سادت الاحتفالية، من قبل أبناء الجنوب، كانت مؤشرا واضحا للمسار المحتمل للتطورات في السنوات التالية، لكن مصر، ولعدة سنوات، كانت لا تؤيد مسار المفاوضات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية، وهي مفاوضات كانت تتم بدعم قوى أفريقية وغربية، لم تثق مصر في حقيقة أهدافها وتوجهاتها، ولم تكن الكنائس الغربية بعيدة عن الشكوك في هذا المجال.

ويحمل المؤلف السلطات السودانية في تلك الفترة مسؤولية الوصول إلى حتمية الانفصال، بسبب عدم سماعهم للنصائح المصرية، ويشير إلى أن إدراك القاهرة بأن التقسيم أصبح أمرا واقعا، جعلها تبدأ في تنمية وتطوير العلاقات مع الجنوب، منها بناء عدة محطات لإنتاج الكهرباء، وإقامة فرع لجامعة الإسكندرية في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان، بالإضافة إلى جهود أخرى في مجال التعليم والصحة والري وغيرها.

ويناقش الفصل الثامن تحديات الحفاظ على مكانة مصر في قارة أفريقيا، وأنه على الرغم من وجود 35 بعثة دبلوماسية في الدول الواقعة جنوب الصحراء، وإنشاء صندوق للتعاون الفني والاقتصادي مع الدول الأفريقية، إلا أن الصورة العامة لم تكن إيجابية، خصوصا في الفترة التي أعقبت محاولة اغتيال "مبارك" في أديس أبابا 1995، وامتناعه بعد ذلك عن القيام بأي زيارة لدولة أفريقية، حتى تم خلعه في فبراير/شباط 2011.

يشير الكتاب إلى أن وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس كانت تحاول دائما إتاحة الفرصة والعنصر الزمني لكي ينجز العمل العسكري الإسرائيلي أهدافه

ويتناول الفصل التاسع التحديات التي واجهتها مصر في علاقاتها بالمنطقة العربية، خصوصا في أعقاب الغزو الأميركي للعراق 2003، وتداعيات هذا الغزو على العلاقات مع دول المنطقة، مؤكدا أن علاقات مصر مع العالم العربي تمثل دائرة أولى للحركة الإستراتيجية، تستهدف الدفاع عن أمن وسلامة هذا الإقليم، الذي كان تحت الضغط طوال ألف عام، سواء من أواسط آسيا أو من القارة الأوروبية.

محور إيران وتركيا
ويتحدث المؤلف في الفصل العاشر عن علاقات مصر الإقليمية، خصوصا مع كل من إيران وتركيا، مؤكدا أن الدبلوماسية المصرية تؤمن بأهمية وحيوية أن تسعى مصر لإقامة مثلث تعاون نشط بينها وبين تركيا وإيران، لخدمة ليس فقط إقليم الشرق الأوسط وتحقيق السلام والاستقرار والتنمية له، بل أيضا لتأمين هذا الإقليم الإسلامي الكبير ضد التدخلات الخارجية.

وبخصوص إيران يقول المؤلف إن العلاقات الكاملة أوشكت على التحقيق في 2003، لكن الأمر توقف فجأة "بعد إحساس الرئيس المصري (مبارك) أن إيران لن تغير نهجها تجاه مصر"، أما الحركة والنشاط اللذان أظهرتهما تركيا في الأعوام الخمسة (2005 -2010) فقد كانا يهدفان إلى الاستفادة الكاملة من الانطلاق الاقتصادي التركي الواسع، وكان هذا النمو الاقتصادي يلقى الإعجاب من المراقبين العرب والمصريين، خاصة مع استمرار تصاعد صعوبات العلاقات الإسرائيلية/التركية.

ويتعرض الفصل الحادي عشر لتفاصيل علاقات مصر مع كل من دول: الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، ومدى قدرة الدبلوماسية المصرية على الانفتاح على هذه الدول، بالرغم من تعارضها أحيانا مع بعضها البعض، خصوصا بعد الصعوبات التي واجهتها مصر في التعامل مع الولايات المتحدة في أعقاب غزو العراق، ويتناول أيضا الحديث عن العلاقات المتنامية مع إندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية واليابان والبرازيل.

ويخصص المؤلف الفصل الثاني عشر للحديث عن تحديات التسوية السلمية، مشيرا إلى أن إسرائيل شعرت بالإهانة في حرب لبنان 2006، وكانت حينئذ تسعى للبحث في كيفية رد الاعتبار، من خلال تدمير القدرات العسكرية لحركة "حماس"، ومن ثم تمكين منظمة التحرير من العودة للإمساك بزمام قطاع غزة، وبدأت بعض الدوائر الغربية تطرح إمكانية تسليم إدارة القطاع للجامعة العربية أو مصر، التي رفضت وبحزم كل هذه الأفكار.

ويشير الكتاب إلى أن وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس  السابقة كانت تحاول دائما إتاحة الفرصة والعنصر الزمني لكي ينجز العمل العسكري الإسرائيلي أهدافه، سواء في العدوان على لبنان (صيف 2006)، أو في العدوان على قطاع غزة (ديسمبر/كانون الأول 2008).

ويقول المؤلف "كنت -في المرتين- أؤكد لرايس والأوروبيين أن إسرائيل لن تتمكن من تحقيق أهدافها في إلحاق التدمير لقدرات حزب الله أو حماس مهما أتيح لها من وقت".

يؤكد المؤلف أنه كانت هناك فعلا محاولة لفرض نجل الرئيس على البلد، لكنه رأى أن هذه المحاولة سوف يصيبها الفشل المؤكد، إذا ما تمت بعد اختفاء الرئيس بالموت

ويؤكد على أن الرؤية المصرية ترى "أي علاقة جادة ومتطورة مع إسرائيل، سوف يحكمها وبشكل رئيس ما سوف يتم بالنسبة للمشكلة الفلسطينية، فإذا ما تحركت الأمور وبزغت الدولة الفلسطينية، فسوف تتحسن العلاقة المصرية الإسرائيلية، ومن المهم أيضا عزل العلاقة المصرية/الأميركية عن صلات مصر بإسرائيل".

أيام مبارك الأخيرة
ويخصص المؤلف الفصل الثالث عشر الأخير للحديث عن الـ45 يوما الأخيرة من نظام مبارك، حيث يقول إن الرئيس (المخلوع) لم يكترث في بداية الأمر عندما أخبره مدير المخابرات بالدعوة للمظاهرات يوم 25 يناير/كانون الثاني، لكن الأمر تطور بسرعة شديدة في الأيام التالية، وتم الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة الفريق أحمد شفيق، كمحاولة لاحتواء الأزمة.

ويؤكد المؤلف أنه كانت هناك فعلا محاولة لفرض نجل الرئيس على البلد، لكنه رأى أن هذه المحاولة سوف يصيبها الفشل المؤكد، إذا ما تمت بعد اختفاء الرئيس بالموت، لأن القوات المسلحة، وغالبية أجهزة الأمن القومي، لن توافق على ذلك وسيدعمها الشعب، وستبقى الخطورة إذا ما حاول الرئيس فرض ابنه على الوطن أثناء وجوده بالرئاسة.

ويشير إلى أن مبارك لم يقدر أن الحكم لعقود طويلة سوف ينتهي إما بالموت، وإما بالفشل، وإما بالسقوط بالثورة، ولم ينتبه إلى أن التوريث لا يتحقق في عالم مفتوح، وثورة المعلومات الحاكمة لكل التطورات في هذا العصر.

ويضيف أخيرا "كان الناتج القومي السعودي يبلغ ضعفي المصري وبنصف عدد السكان، وكان الناتج التركي أربعة أضعاف المصري وبعدد متكافئ من السكان، وتسير كل المقارنات المشابهة إلى نفس الخلاصات: ضعف السياسات.. غياب الحزم.. قلة الموارد.. فقدان الرؤية الفلسفية الحاكمة للحركة.." كل ذلك أدى إلى النتيجة التي انتهى إليها النظام السياسي كله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك