عرض/ بوعلام رمضاني
يبحر المثقف المعروف والرئيس التونسي الحالي المنصف المرزوقي عكس التيارين الأيدولوجيين المتصارعين في الساحة السياسية العربية العامة والتونسية الخاصة، بطرحه مقاربة تخرج عن الخطاب النخبوي الطاغي منذ اندلاع الثورات العربية.

وبتحليل رزين وهادئ ومؤسس ومعزز بثقافة سياسية وفكرية مزدوجة، يرد المرزوقي على طروحات جناحي العلمانيين الذين يرفضون واقع الإسلاميين الموضوعي ويعتقدون أنهم يمثلون الماضي الذي يتعارض مع الحداثة وبالتالي مع الديمقراطية، وعلى الإسلاميين الذين يرون في العلمانيين جسما غريبا مستوردا يتعارض مع الأصالة الحضارية والتاريخية العربية والإسلامية.

- العنوان: ابتكار الديمقراطية.. دروس التجربة التونسية
- المؤلف: المنصف المرزوقي
- عدد الصفحات: 173
- الناشر: لاديكوفرت، باريس
- الطبعة: الأولى 2013

التبسيط الفكري المعلب والمغرض لمسألة الحكم المعقدة بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة في عدد غير قليل من البلدان العربية ديمقراطيا، والسعي لوأد تجربتهم الفتية التي تعترضها مسالك كلها أشواك ومسامير ـ على أيدي سياسيين يستنسخون الديمقراطية والعلمانية على الطريقة الغربية الخالصة- يشكلان الظاهرة التي يعالجها المرزوقي في كتابه المرجعي، باعتبارها حقيقة سلبية ما زالت مكرسة رغم درس تداعيات الحكم العربي الساقط الذي خلف الإلغاء والتهميش باسم العلمانية والحداثة، وصمود التجربة التونسية كنموذج يكرس ثقافة التعايش السياسي ويرادف ديمقراطية مبتكرة رغم صعوبة المسار والمسيرة ودسائس ومكائد أعداء الداخل والخارج.

في تقدير المرزوقي تعد التجربة التونسية نموذجا تاريخيا ذهبيا جديرا بالاحتذاء لإيقاف عجلة الأصولية الآتية على الأخضر واليابس من الجناح العلماني أو الإسلامي على السواء، بشكل يمدد عمر الصفاء الأيدولوجي غير الواقعي عند الطرفين والمنافي لتشعب وتداخل وتكامل حضاري متنوع يسمح بخريطة طريق تسع الطرفين وحساسيات متفرعة، شريطة نبذ العنف والاحتكام إلى إرادة الشعب.

وحتى يبقى النموذج التونسي المبتكر والخارج من رحم أم الثورات العربية، صامدا في وجه أهوال كل الفصول، ولا يتحول إلى شتاء أبدي كما تصوره النخبة العلمانية في باريس وفي عدد كبير من الدول الأوروبية والعربية التي تمسح به الأرض، أسوة بالنخبة الإسلامية السلفية التي تختلف في جوهرها الفكري مع تلك التي هضمت درس الماضي وتبتكر اليوم درس الديمقراطية، يدعو المرزوقي إلى تمثل واستقراء تحليله النظري والعملي الذي ينعكس اليوم في تونس التحدي والصمود والقبول المتبادل، وبالتالي مشاركة جميع الفرقاء السياسيين في بلورة نظام حكم جماعي وتعايشي لا يستنسخ قواعد ديمقراطية غربية تكتفي بخطاب الحريات العمومية وتهمل العدالة الاجتماعية.

استباق الفوضى
أول ما يلفت في الصفحات الأولى للكتاب، الحس الاستباقي والاستشرافي الذي مكنه من التنبؤ بمستقبل الفوضى غير البريئة التي عرفتها تونس في الأشهرالأخيرة (اغتيالات وإرهاب ومزايدات غير مؤسسية)، وهو المستقبل الذي قال عنه "إنه سيسفر عن بروز تنظيمات وصيغ حياة وتعايش لم نكن نحن السياسيين نتوقعها".

أسباب تفاؤل المرزوقي تكمن في استمرار الوفاق السياسي في تونس حتى ساعة اليوم في كنف سلمية لافتة تجاوزت محاولات الاصطياد في الماء العكر، ولا ينقص تونس في تقديره إلا انطلاقة اقتصادية لتتحول إلى مختبر عربي ديمقراطي حقيقي يحتذى به

هذه الحقيقة التي تجسد اليوم أمام أعين العالم أصالة التجربة التونسية بدروس يومياتها المتشابكة والمتسارعة، ما زال المؤلف يرافقها ويبلورها بدينامية وشرف لإعادة بناء مجتمع بصدد صنع قوة يخشى أن تتجاوزه، على حد تعبيره في المقدمة.

بعد فصل أوّلي غطى فيه هويته الشخصية وتجربته السياسية، وقف منهجيا عند علاقة طول مدة الدكتاتوريات العربية بصعوبة مسيرة التغيير في تونس وفي غيرها من البلدان التي تشق طريقها الشاق والعسير نحو غد ديمقراطي غير مسبوق على أنقاض تداعيات دكتاتوريات رحلت وتركت أذنابها لإجهاض الثورة الجديدة بشتى السبل الممكنة، ومنها المؤامرات والدعاية الغرضة.

ورد المرزوقي أسباب استمرار الكثير من الدكتاتوريات العربية مدة طويلة إلى توظيفها قومية مقاومة إسرائيل لفرض حكم حديدي يسكت كل أنواع المعارضات، والدعم الغربي المتناقض الذي حال دون بروز الديمقراطية تحت وطأة المصالح الدائمة، والخوف من الإسلام السياسي باسم محاربة الإرهاب الإسلامي الذي يعيد الحكم الدكتاتوري الشيوعي لكن بثوب ديني، والاعتقاد بأن الديمقراطية لا تصلح في المجتمعات العربية، الأمر الذي فنده الربيع العربي.

ديمقراطية القرن الحالي
منطلقا من تشخيص ما زالت تؤكده تطورات الثورات العربية الأخرى وخاصة السورية المستمرة على قدم وساق، راح المؤلف يلخص مقومات وخصوصية الثورة التونسية التي تركته يستنتج لاحقا منهجيا ما أسماه النموذج الديمقراطي المبتكر.

الأسبقية والسلمية والاستقلالية والسرعة هي السمات الأولى للثورة التي أطلقها البائع المتجول البائس الشاب البوعزيزي، وعزز المؤلف طرحه باستباقه الجديد لخاصية الحوار التي عمقت الثورة التونسية بتجاوزها العنف الذي يتنافى مع تاريخ بلده والموروث عن الفينيقيين "نحن نتحاور منذ ثلاثة آلاف سنة".

أسباب تفاؤل الرئيس العربي الوحيد الذي يكتب رغم أعباء المسؤولية الملقاة على عاتقه، تكمن في استمرار الوفاق السياسي بتونس حتى ساعة اليوم في كنف سلمية لافتة تجاوزت محاولات الاصطياد في الماء العكر، ولا ينقص تونس في تقديره إلا انطلاقة اقتصادية لتتحول إلى مختبر عربي ديمقراطي حقيقي يحتذى به في دول الثورات العربية الأخرى.

وجاءت نبوءة المرزوقي مرفوقة بمصداقية غير مسبوقة في ظل توجه مسار الأحداث بسوريا وليبيا نحو الحوار المفروض، كما حدث من قبل في اليمن.

قلة الكثافة السكانية والتجانس العرقي والعقائدي وعدم التباين الطبقي الصارخ كما هو الحال في بلدان عربية، فضلا عن الطبيعة الجغرافية والعمرانية، حقائق دامغة ومؤسسة لا تسمح بالعنف والحرب الأهلية، لكنها تسمح بالتنكيت الموظف لتعميق مصداقية الطرح.

واستبق المرزوقي الأحداث منبها إلى خطر الثورة المضادة وتعنت الفلول واستمرار نظام الفساد الذي لم يتمثل في بن علي وعائلاته السبع فحسب، بل تغلغل في عمق المجتمع والإدارة.

تتمثل شروط تأسيس ابتكار ديمقراطية تونسية غير مسبوقة أيضا في صحافة حرة ومحترفة لا تكرس الثورة المضادة، وتلعب دورا في تعزيز مسار الديمقراطية الفتية وتحارب الرشوة، إلى جانب حقوقيين ورجال اقتصاد ومفتشين يكونون من أجل ذلك.

شروط ابتكار ديمقراطية تونسية جديدة تتطلب أيضا تأسيس جهاز أمن جمهوري وقطع دابر الشرطة السياسية، وتجسيد عدالة انتقالية تضمن عبورا سليما نحو شاطئ الديمقراطية.

الديمقراطية كدرس تفاعل
المرزوقي الديمقراطي والقومي اليساري الأصيل يرفض استنساخ ديمقراطية على الطراز الغربي تقوم على سلطة المال وتلغي الإنسان في أبعاده الإنسانية والاجتماعية، والاستفادة منها لا تعني تطبيقها بحذافيرها. وتطبيق ما أسماها ديمقراطية القرن الواحد والعشرين يستوجب في المقام الأول عدم الفصل بين الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية الواجب ضمانها للجميع.

من شروط تأسيس ابتكار ديمقراطية تونسية غير مسبوقة: صحافة حرة ومحترفة لا تكرس الثورة المضادة، وتلعب دورا في تعزيز مسار الديمقراطية الفتية وتحارب الرشوة، إلى جانب حقوقيين ورجال اقتصاد ومفتشين يعملون من أجل ذلك

وفي تقديره لا يمكن للحريات العمومية والانتخاب تحقيق ديمقراطية حقيقية إذا لم يساهم ذلك في تحقيق عدالة اجتماعية على الطراز البرازيلي الذي نوه به.

النموذج الإيسلندي يصلح أيضا كمصدر استلهام وتمثل لتجاوز تداعيات الأزمة السياسية من خلال دعوة المواطنين إلى المشاركة السياسية الديمقراطية عن طريق الإنترنت. والديمقراطية الإيسلندية ليست جديدة وبادر بها اليونانيون في القرن الخامس قبل الميلاد بدعوة من بريكلاس صاحب مقولة "المواطن الذي لا يشارك في صنع الحياة السياسية يعد مواطنا غير نافع".

ويؤكد المؤلف أن لا شيء يمكن أن يتحقق من شروط ابتكار ديمقراطية تونسية دون التزام الجميع بثقافة الوفاق التي تؤدي إلى الاتفاق على دستور ناتج عن مسار تشاور عميق، وهو الدستور الذي سيكون مدنيا وواضحا حيال الحريات العمومية.

كما كان منتظرا، جسد المرزوقي حتمية التعايش السياسي بشرحه قناعته بالأمر الواقع الإسلامي ممثلا في تيار النهضة الذي بقي مرفوضا من العلمانيين الأصوليين رغم تطوره وإيمانه بالديمقراطية ودخوله معترك الترويكا بعدما وقف عند فترة الثمانينيات التي عرفت صراعا حادا بين الإسلاميين والعلمانيين وشهدت على تواطؤ الكثير من العلمانيين الابتدائيين -كما أسماهم- مع نظام بن علي من منطلق محاربة الإسلاميين.

وحتى يضع القارئ أمام صورة تاريخية وموضوعية شاملة، عاد إلى ماضي وكيفية التطور الذي عرفه وطبقه الإسلاميون، ووقف عند السلفيين الذين قال عنهم إنه لا مانع من وجودهم في حال احترامهم قواعد الديمقراطية، وأكد رفضه للجهاديين الذين يجعلون من العنف شعارا لهم، وشرح كيف تأثر تيار النهضة بالنموذج التركي الأردوغاني، وبقي رغم ذلك يمثل تيارا مشكوكا في أمره في نظر العلمانيين الأصوليين والاستئصاليين.

مبررات الأمل المشروع

قبل أن يختم منهجيا مشوار تناوله التجربة التونسية شكلا ومضمونا بالشرح والتحليل والاستقراء العميق على النحو الذي يقضي على التبسيط الذي تنتهجه الدكاكين الإعلامية والأيدولوجية التي أتى على ذكرها دون تسميتها، أكد المرزوقي في الأخير على تفاؤله بمستقبل درس الديمقراطية التونسية وبقدرة شعبها على تجاوز المحن والكوارث التي قال إنها لم تعد تخيفه بعد أن تجرع من كأس علقمها منذ استلامه الرئاسة على مدار ساعات النهار والليل.

وأعطى في هذا السياق أمثلة مظاهرات أبريل/نسيان 2012، والهجوم الذي تعرضت له السفارة الأميركية يوم 14 سبتمبر/أيلول 2012، ودعوة المعارضة إلى تدخل الجيش لنزع الثقة من الحكومة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. وتمثلت الكارثة الأكبر في اغتيال المعارض العلماني شكري بلعيد يوم 6 فبراير/شباط الماضي. ولم يشمل سجل الكوارث المسجلة في الكتاب تلك الكارثة التي عرفتها تونس وخرجت منها منتصرة، وهي المتمثلة في اغتيال المناضل محمد البراهمي لأن الكتاب كان قد عرف طريقه إلى دار النشر الفرنسية منذ وقت طويل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك